الرئيس الإيرانى الجديد: قل براجماتيًا ولا تقل إصلاحيًا
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 20 يونيو 2013 - 8:00 ص
بتوقيت القاهرة
انتزع حسن روحانى رئاسة إيران بالكاد من منافسيه الخمسة، وحصل على أزيد قليلا من نصف عدد أصوات الناخبين. وهذا الوضع بالتأكيد غير مريح لأى رئيس جمهورية، فعلى الرغم من أن الفارق فى الأصوات ضخم بين روحانى (حوالى 18 مليون صوت) وبين قاليباف الذى حل بالمرتبة الثانية (حوالى 6 مليون صوت)، إلا أنه فى المحصلة الأخيرة فإن ما يقل قليلا عن نصف عدد المشاركين فى التصويت قالوا «لا» لروحانى. أكثر من ذلك فإن الظروف خدمت روحانى كثيرا، فلولا أن فشل التنسيق داخل ما يسمى معسكر المحافظين، لدخل روحانى حتما جولة انتخابية ثانية. لم يكن روحانى هو جواد الانتخابات الإيرانية الأسود، بل إن استمراره فى السباق الانتخابى نفسه كان موضع شك حتى أنه قبل أيام قليلة من إجراء الانتخابات ترددت أنباء عن استبعاد أوراق ترشحه على خلفية إفشائه أسرارا تتعلق بالبرنامج النووى الإيرانى كما قيل.
الرئيس الإيرانى الجديد هو مُجمَعَ من المناصب بالغة الأهمية والتنوع من أول قيادة الدفاع الجوى الإيرانى خلال الحرب مع العراق وحتى عضوية مجلس الخبراء. وهو ما شغل موقعا إلا وعَمّر فيه فهو عضو مجلس الشورى مدة عشرين عاما، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومى وممثلا لخامنئى فيه طيلة ستة عشر عاما، وعضو مجلس تشخيص مصلحة النظام منذ اثنين وعشرين عاما، وعضو مجلس الخبراء على مدى أربعة عشر عاما. أنه نموذج لتكريس السلطة بامتياز، وهو أيضا أحد رجال الثقة الذين لا ارتباط وثيقا بين تكوينهم العلمى (الدينى القانونى فى حالته) وبين المناصب التى يتقلبون فيها.
●●●
فور فوز روحانى هللت الصحافة العربية والغربية باعتباره إصلاحيا هزم المحافظين، والحق أن من يبحث فى تاريخ الرجل سيجد ما يدعم به الشئ ونقيضه، وهذا مؤشر على براجماتيته أى مرونته فى التعامل مع المواقف المختلفة وليس مؤشرا على إصلاحيته. وكمثال فإن روحانى الذى اتخذ موقفا متشددا من حركة الطلاب عام 1999، وبلغ تشدده حدا ذكر تقرير للبى بى سى فى 15 يونيو الجارى أنه دفعه للمطالبة بإعدام الطلاب المقبوض عليهم إذا ثبت تورطهم فى تخريب ممتلكات الدولة. هذا الرجل هو نفسه من وقف مدافعا عن أعضاء الحركة الخضراء أثناء الانتخابات الرئاسية عام 2009 ووصف مظاهرات الحركة بأنها «محايدة وشعبية». وفى تفسير الاختلاف بين الموقفين تكمن بعض التفاصيل المهمة منها مثلا علاقته العدائية مع أحمدى نجاد المرشح المنافس لمير حسين موسوى عام 2009، وهى علاقة دفعت روحانى إلى الاستقالة من رئاسة مجلس الأمن القومى فور تولى نجاد السلطة.
أهمية تحديد موقع روحانى من التيارات السياسية الإيرانية المختلفة تكمن فى ضبط سقف التوقعات الذى ارتفع عاليا فور انتخابه. فعندما يدعو روحانى إلى إطلاق المعتقلين السياسيين أو إلى تحرير الرقابة على الإنترنت فإننا يجب أن نضع الأمور فى نصابها، ونعلم أن هذا من قبيل الخطاب الانتخابى الذى يهدف إلى جمع الأنصار. وإلا فكيف سيدافع عن قضية الإنترنت أو الحرية السياسية إذا تعارضت إرادته مع إرادة المرشد، وكيف احتفظ روحانى بمنصبه كممثل للمرشد فى مجلس الأمن القومى طيلة ستة عشر عاما دون أن يحوز ثقته الكاملة؟ وهنا ذكاء روحانى لأنه فى الوقت الذى يقترب فيه من خاتمى الموصوف بالإصلاح يحظى بدعم المرشد رمز المحافظة، وهذا أكبر دليل على براجماتيته، فهو نموذج أقرب لرفسنجانى منه إلى مهدى كروبى الإصلاحى الحقيقى.
●●●
ما ينسحب على الداخل يسرى على الخارج، فهناك انتعاش كبير فى الآمال المعلقة على روحانى سواء لجهة إحداث انفراجة فى الملف النووى الإيرانى، أو لتحسين علاقة إيران المضطربة مع محيطها الجغرافى. لكن يلاحظ أولا أن روحانى قاد سفينة التفاوض النووى مع ترويكا بريطانيا وفرنسا وألمانيا من 2003 حتى 2005 وحينها كانت إيران فى بداية تطوير مشروعها النووى، الآن الأمر اختلف ليس فقط من حيث مستوى التقدم التكنولوجى الذى أحرزته إيران ويجعلها تتفاوض من مركز قوة، لكن أيضا لأن فريق التفاوض اتسع ليضم الولايات المتحدة والصين وروسيا. وإذا كانت روسيا والصين تدعمان حق إيران فى التكنولوجيا النووية السلمية، فإن الولايات المتحدة لها موقفها شديد التشكك فى البرنامج النووى الإيرانى. وفوق ذلك فإن الخصوم السياسيين لروحانى يعيرونه بأنه حين قاد سفينة التفاوض مطلع الألفية الحالية سمح بتجميد تخصيب اليورانيوم والنشاط النووى، وهو يدافع عن نفسه قائلا إنه أبعد خطر الحرب عن إيران. ومعنى هذا أن روحانى سيسعى إلى تغيير الفكرة الملتصقة به كمفاوض مقصِر، كما سيحاول إحداث اختراق فى المباحثات مع مجموعة 5+1 بهدف رفع العقوبات الاقتصادية.
وفيما يخص المحيط الجغرافى لإيران وبالذات دول الخليج فمن الصحيح أن روحانى قال كلاما طيبا كثيرا فى حقها، ووعد بتحويل الخصومة التى تفاقمت مع السعودية تحديدا إلى «احترام متبادل»، كما تعهد بعدم التدخل فى الشئون الداخلية لدول الخليج وسواها، إلا أنه كما يقال تظل البينة على من ادعى وأمامنا ملفات أربعة لاختبار مصداقيته: سوريا والعراق واليمن والبحرين، وإنا لمنتظرون.
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة