رحيل المواطن جورج

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 21 يناير 2010 - 10:28 ص بتوقيت القاهرة

 كانت قد اختارت بداية مختلفة لمقالها عن أحداث نجع حمادى، عندما فاجأها انسحاب جورج عجايبى بهدوء من عالمنا فقلب خططها رأسا على عقب. أحست بتأنيب ضمير لا حد له عندما شاهدت صورته فى صفحة الوفيات التى لا تقرأها عادة، وندمت لأنها لم تغتنم فرصة عيد الميلاد لتسمع صوته المحبب واكتفت بأن تبعث له sms عبر الهاتف. هى المرة الأولى فى علاقتها به التى تستبدل رسالة بصوته، فلماذا غيرت هذه المرة عادتها؟ لماذا استسهلت أن تكتب رسالة واحدة للكل وتضغط على زرار إرسال فيتلقى القاصى والدانى عبارات التهنئة بالحرارة نفسها مع أن كلهم بالنسبة لها ليسوا سواء؟...هى لا تدرى فكل ما تدريه أنها كسبت بضع دقائق وخسرت صوت جورج.

جورج عجايبى هو أحد التلاميذ النجباء فى مدرسة المواطَنة المصرية الصميمة، فتِش عن أى هيئة تناقش هموم الوطن وستجد جورج بين الآباء المؤسسين، شارك فى أى ندوة تدور حول العلاقة بين أبناء الوطن الواحد وسترى جورج يجلس فى الصفوف الخلفية لا يتكلم إلا حين يكون لديه ما يقول، ابحث عن أى شخصية عابرة للانتماءات السياسية وستقودك قدماك حتما إلى جورج. هو شخص لا يدلك على دينه إلا اسمه أما طائفته فلن يدلك عليها شىء، ولعل كثيرين منا عرفوا جورج لكن قلة منهم فقط كانت تعرف أنه كاثوليكى فالشىء الأكثر أهمية هو ذلك الإنسان الجميل الذى كان يسكن داخله.

كيف استطاع جورج أن يحول لجنة العدالة والسلام المنبثقة عن الفاتيكان إلى لجنة مصرية خالصة تحدد لها قضايا الوطن أجندتها؟ كيف شارك جورج فى تكوين حزب الكرامة وهو ليس ناصريا؟ كيف نشط فى منتدى حوار الثقافات مع الهيئة الإنجيلية وتعاون مع اليسار المصرى فى جمعية «مصريون ضد التمييز الدينى»، وهو كاثوليكى وغير محسوب على اليسار؟ السر يكمن فى شخصيته التى تبنى الجسور وتجسد التنوع وتحافظ على الود مع الاختلاف.

عندما علمت صاحبتنا برحيل جورج عجايبى وجدت نفسها تلقائيا تربط بين اختفاء هذا الرمز الإنسانى للقدرة على احتواء التنوع وبين اهتزاز نماذج التنوع الدينى التى ظلت طويلا تمثل تجارب ناجحة للعيش المشترك. ولعل سبب الربط يكمن فى أنه قبل أسبوعين اثنين من رحيل جورج أطلق أحد المسلمين النار على مصلين مسيحيين ليلة عيد الميلاد فى مدينة نجع حمادى بصعيد مصر فقتل منهم ستة وأصاب آخرين، وألقى مسلمون زجاجات حارقة على عدة كنائس فى كوالالمبور عاصمة ماليزيا فأشعلوا فيها النار، واقتحم مسلمون كنيسة بولاية تيزى وزو الجزائرية فعبثوا بمحتوياتها وأتلفوها. فى هذه الحالات الثلاثة سوف تجد إما أن المسلمين يشكلون أغلبية سكانية ساحقة كما فى الجزائر حيث 98% مسلمين و2% مسيحيين،أو يمثلون أغلبية واضحة كما فى مصر حيث 90% مسلمين و10% مسيحيين، أو يتجاوزون الأغلبية المطلقة بارتياح كما فى ماليزيا حيث60.4% مسلمين و9.1% مسيحيين. وفى الحالات الثلاثة تم تبرير أعمال العنف بتجاوزات سابقة لمسيحيين سواء كانت هذه التجاوزات أخلاقية أم دينية. ففى مصر قيل إن السبب هو الانتقام لشرف طفلة مسلمة اغتصبها مسيحى، وفى ماليزيا قيل إن السبب هو صدور حكم قضائى يسمح للمسيحيين باستخدام لفظ الجلالة «الله» خلطا للأمور وتمهيدا لتنصير المسلمين، وفى الجزائر قيل إن السبب هو النشاط التبشيرى للكنيسة.

خذ كل تفسير من هذه التفسيرات واسأل نفسك: إن كان التفسير صحيحا فلماذا تصرف المسلمون بهذه العصبية بينما هم يشكلون الأغلبية السكانية فى النماذج الثلاثة والأغلبية هى الطرف المسئول عن ضبط الأمن وحماية الأرواح لأنها التى تحكم وتقبض على مقاليد السلطة؟ وإن كان التفسير مشكوكا فيه فإن عصبية الجموع المسلمة تكون أكثر إثارة للدهشة والتساؤل. لقد قيل كلام كثير جدا عن تهافت الربط بين جريمة عيد الميلاد فى مصر وجريمة اغتصاب الطفلة المسلمة فالمجرمون ليسوا غيورين على الشرف ولا يثأرون من غير الجناة. ولفظ الجلالة الذى طالب مسلمو ماليزيا بحجبه عن المسيحيين هو فى صميم الآيات المسيحية، ولغرض عدم الإطالة فقط فلنراجع آية واحدة(هى الآية 16 من رسالة يوحنا الأولى4) التى تقول «الله محبة ومن يثبت فى المحبة يثبت فى الله والله فيه»؟ والحديث عن خطر النشاط التبشيرى فى الجزائر من قبل 2% من السكان فيه تهويل شديد، ناهيك عن أن يكون هذا النشاط فى أحد معاقل الأمازيغ الذين أسلموا عن بكرة أبيهم أو كادوا على يد عقبة بن نافع فيما لم يتقدم تعريبهم بالسرعة نفسها.

إن اهتزاز نماذج التنوع الدينى حقيقة نفتح عليها عيوننا للمرة الأولى فى ماليزيا والجزائر ونراها للمرة الألف فى مصر منذ ابتلينا بفتنة السبعينيات. حقيقة يشجعها الخارج لكن الداخل هو محركها، وعندما تَذكر صاحبتنا الداخل فإنها تعنى تمحور الأغلبية المسلمة حول نفسها أكثر فأكثر وتبرمها من مخالفيها فى العقيدة بشكل متزايد، والحال هذه يكون طبيعيا أن يرد المخالفون فى العقيدة بالمثل ويناصبون الأغلبية جفاء بجفاء. أما لماذا تنقلب الأغلبية على التنوع الدينى فى مجتمعها فله ألف سبب، انعدام الديمقراطية، نمو التطرف، الأزمة الاقتصادية، الفهم الخاطئ للدين.... فمن أين نمسك بطرف الخيط ومن أين نبدأ؟

فى اللحظة التى نعترف فيها بأننا نعانى من فتنة طائفية محتدمة نكون قد أمسكنا بطرف الخيط، وعندما نفعل كما فعل جورج عجايبى وأمثاله من عقلاء الوطن الذين لم يدفنوا رءوسهم فى الرمال بل صارحوا أنفسهم بأن فى الأمر مشكلة وتفانوا فى حلها نكون قد قطعنا خطوة أولى على طريق الألف ميل، لكن للأسف فإن أمثال جورج عجايبى يصنعون فقط المحبة فى علاقتهم بكل من يمر بهم فى مشوار حياتهم لكنهم أبدا لا يصنعون السياسات. أما من يصنعون السياسات فعلا فهم من ينكرون الفتنة ويخرسون من يفصح عنها ويتطاولون عليه ويجلسون إلى مكاتبهم ومن خلفهم لوحة يتعانق فيها الهلال مع الصليب. ولأنه لا فتنة لديهم فالجناة مختلون أو مجرمون لا شأن لهم بدين ولا علاقة لهم بالسياسة، فكيف ننتظر منهم إذن التغيير؟

عندما يرحل عنا جورج عجايبى تسقط ورقة جديدة من أوراق شجرة الكافور العجوز التى يستظل بها المصريون جنبا إلى جنب مسلمين ومسيحيين، ومن حول الشجرة الأم تنبت جهنميات كثيرة، لكل جهنمية ظلها، ولكل ظل دينه، ولكل دين طائفته وقبيلته وعزوته التى لا يُظل غيرها من أبناء الوطن.... الوطن؟؟

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved