حكيمًا عـاش فى الدنيا

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 22 مارس 2012 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

فى كل مرة تخلف فيها البابا شنودة الثالث عن وعظة الأربعاء بالكاتدرائية المرقسية لسفر أو مرض، كان شعب الكنيسة يعلم أنه على موعد معه فى أربعاء قادم. تسبح سحب الطائفية الكريهة فى سماء الوطن فيتخذ الباب عنوانا لو عظته هو « كيف نربح الآخرين؟». يَرُوج العنف فى بر مصر ويصير السلاح بيد كل أحد فيستشهد البابا بقول السيد المسيح لبطرس الرسول «رد سيفك إلى غمده». يحدثونه عن التحذير من إحياء الاحتفال بعيد الميلاد فيرد «إحنا لوجالنا تهديد بحاجة ننفذ تانى يوم على طول»، ويضيف «نحن لا نخاف». الحكيم الصلب هو ذاك كان نظير جيد الذى جلس على كرسى البابوية من واحد وأربعين عاما كاملين ثم رحل فى هدوء وتحولت عظاته الأسبوعية إلى ذكرى وتاريخ.

 

●●●

 

حاضرةُ هى السياسة بإلحاح فى مشوار البابا شنودة الثالث على خلاف سلفه البابا كيرلس السادس الذى جعل لدور بطريرك الأرثوذوكس محتوى دينيا خالصا. هذا الاختلاف نتعرف على أسبابه وأبعاده فى الكتاب الموسوعى الذى ألفه هانى لبيب عن « الكنيسة المصرية : توازنات الدين والدولة « وصدر عن دار نهضة مصر فى شهر يناير الماضى. جزءُ من توارى السياسة فى مسيرة البابا كيرلس مبعثه تكوينه الشخصى الخاص، فهو القديس العابد الصوام العازف عن الأضواء المحفوف بالمعجزات أينما سار. يقيم علاقته بعبد الناصر على أساس الصداقة الشخصية، وتتلخص غاية مطلبه فى بناء كاتدرائية كبرى تكون مركزا للمسيحية الأرثوذكسية. أما البابا شنودة فإنه ذلك الزعيم المهاب المنخرط فى قضايا وطنه وشعبه وأمته العربية. يترامى فى عهده نفوذ الكنيسة على امتداد القارات الخمس ويتضاعف عدد الكنائس فى المهجر نحو أربعين مرة من سبع كنائس فى مطلع الستينيات إلى أربعمائة وخمسين حتى الآن. ينحسر العنصر الشخصى فى علاقته بمبارك ومن قبله يقينا بالسادات وتصبح العلاقة بالأساس بين الكنيسة والدولة لا بين البابا والرئيس.

 

لكن جزءا آخر من اختلاف موقع السياسة من أولويات البابا كيرلس مقارنا بالبابا شنودة ينبع من طبيعة الظرف الداخلى وأيضا الظروف الخارجية التى أحاطت بالرجلين. فلقد مثلت الستينيات امتدادا لمرحلة التكامل الوطنى التى عاشتها مصر قبل ثورة 1952 واستمرت بعدها خاصة مع وجود قائد سياسى مثل عبد الناصر يملك رؤية استراتيجية متكاملة ومشروعا نهضويا طموحا. تلك الحقيقة الخاصة بالتكامل الوطنى فى الستينيات يجادل فيها هانى لبيب ويقول إنه تبين خطأها بعد سنوات طويلة من الاقتناع بها عندما وجد أن كثيرا من إجراءات عبد الناصر أسفرت عن تديين الدولة بعد عشرين عاما من اتخاذها، لكن لبيب سرعان ما يعود هو نفسه ليقرها مجددا فيقول «إن السمة الأساسية لمرحلة الزعيم جمال عبد الناصر كان لها طابع التكامل الوطنى والقومى للمجتمع كله».

 

●●●

 

أما الفترة الممتدة من السبعينيات وحتى الآن فكانت لها طبيعتها المختلفة. استهل البابا شنودة علاقته بالحكم الجديد أى بالسادات ومبارك على وقع أزمتين سياسيتين أقحمتا الكنيسة بقوة فى مجال السياسة. أما الأزمة مع السادات فنشبت بعد نحو أربعة أشهر من جلوس الأنبا شنودة على كرسى البابوية، وذلك عندما راج تقرير أمنى عن اجتماع عقده البابا شنودة فى الكنيسة المرقسية بالإسكندرية فى مارس 1972 حث فيه على استعادة البلاد من « غزاتها المسلمين « ثم تبين لاحقا أن هذا التقرير مدسوس ولا أساس له من الصحة، إلا أنه شحن المناخ الوطنى بهواجس طائفية.

 

وأما الأزمة مع مبارك فمبعثها أن الأخير لم يلغ الإجراءات التى اتخذها السادات بحق البابا شنودة فى سبتمبر 1981 والمتمثلة فى تحديد إقامته وتكليف لجنة خماسية بالقيام بمهام البابا. لم يلغ مبارك تلك الإجراءات إلا فى يناير 1985 أى بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توليه الرئاسة ورغم قيامه بالإفراج عن كل المعتقلين السياسيين. الجميل فى الموضوع هو رد فعل البابا شنودة الذى لم يوظف غضب شعب الكنيسة لصالحه ولا هو حرضه، بل إنه كلف وفدا كنسيا بالذهاب إلى الولايات المتحدة لتهدئة خواطر أقباط المهجر الغاضبين من عزله وحثهم على حسن استقبال مبارك الذى زارهم فى 1982. أما لماذا عطل مبارك قرار إلغاء الإقامة الجبرية للبابا شنودة فقد قدم هانى لبيب خمسة أسباب لتفسيره تدور حول المناخ الطائفى الذى كان يخيم على مصر واستقرار الأوضاع فى ظل إدارة اللجنة الكنسية الخماسية بما لا يحتاج معها  إلى تغيير. بينما قدم آخرون سببا إضافيا يتعلق برغبة مبارك فى استجلاء نوايا البابا تجاه حكمه قبل اتخاذه القرار المناسب.

 

إذن بدأ البابا شنودة عهده بكل من السادات ومبارك بأزمتين سياسيتين، ومع ذلك فإن علاقته بهما لم تكن من نسيج واحد، فهى متوترة محتقنة مع الأول، وهى تتراوح بين التأزم والانفراج مع الثانى. من جهة أخرى فإن إدارة البابا شنودة نفسه للأزمات فى علاقته بالرئيسين لم تكن واحدة، وهذه نقطة تستحق التأمل لأنها تعبر عن حكمة الرجل وحسن تقديره للسياق الذى يتحرك فيه. فالبابا شنودة الذى واجه أحداث الخانكة، التى أُحِرقت فيها قاعة تم تحويلها إلى كنيسة، بدعوة بعض الأساقفة لقيادة موكب ضخم إلى أطلال الكنيسة وإقامة القداس عليها حتى لو أمطرهم الأمن بوابل من الرصاص . هذا البابا هو نفسه الذى أرسل وفدا للشباب الغاضب على هدم كنيسة صول فى أطفيح بعد ثورة يناير قصد تهدئتهم، وهو الذى قاوم التصعيد فى كارثة ماسبيرو التى راح ضحيتها 25 من شباب الأقباط إلى حد أدى إلى شق عصا الطاعة عليه وتكوين ائتلاف شباب ماسبيرو. أى الموقفين إذن يعبر عن البابا، الموقف الذى يظهر فيه البابا فى كامل قدرته على التحدى والمواجهة أم ذلك الذى يبدو فيه متحليا بأعلى درجة من درجات ضبط النفس وكبح غريزة الثأر والانتقام؟

 

الموقفان معا يقدمان وجهين لعملة نادرة، وينمان عن حكمة البابا فى التعاطى مع الشأن المسيحى على ضوء قراءته التطور فى الأحوال السياسية. صحيح أن العامل الصحى لعب دورا فى الحد من قدرة البابا على مواجهة التصاعد فى وتيرة العنف الطائفى وبالتالى فى حدة الغضب المسيحى اعتبارا من المظاهرات الحاشدة للمسيحيين فى أزمة كنيسة العمرانية نوفمبر 2010 وحتى تعالى الهتاف لأول مرة بسقوط حكم العسكر فى عقر الكاتدرائية المرقسية وفى حضور البابا وضيوفه ومنهم ممثلى المجلس العسكرى فى يناير الماضى. إلا أن من الصحيح أيضا أنه ربما كان البابا يرى أن ما صَلُح من وسائل للتعامل فى السبعينيات لم يعد ملائما فى السنين الأخيرة وبشكل خاص بعد ثورة يناير، فالاستقطاب المحتدم فى مصر جزء من حالة عامة تمر بها المنطقة العربية وهو ما لم يكن حال السبعينيات. ومثل هذا التغير يحتم اللجوء إلى وسائل أخرى للضغط من أجل حل القضايا القديمة / الجديدة فى علاقة المسيحيين بشركائهم فى الوطن : بناء الكنائس، الأحوال الشخصية، المساواة وتكافؤ الفرص. وسائل كالصوم والاعتكاف وإلغاء الاحتفالات والأهم هو الحث على المشاركة السياسية المسيحية الكثيفة فى تقرير مصير الوطن، وتلك نقطة تحول.

 

●●●

 

فُرِضت السياسة على الكنيسة الأرثوذكسية مع ما يمثله ذلك من مفارقة بين المطالبة بمدنية الدولة واللجوء إلى تديين السياسة. فُرِضت فى زمن صارت فيه المواطنة عبئا ومشكلة، وكتُب على البابا أن يرفع صوته بين الحين والآخر منبها « نحن هنا» وإلا لم يسمعه أحد. ولذلك فإن أكثر ما أثارنى فى كل ما كتب بمناسبة رحيل البابا ذلك البوكس الذى نشره بلال فضل فى جريدة الشروق يوم الإثنين الماضى، وأبدى فيه دهشته من غربتنا عن بعضنا فى هذا الوطن حتى أن مسلميه حاروا فى التعبير الأنسب لتعزية مسيحييه. هذا السؤال واجهته مثل بلال رغم تشعب علاقاتى مع شركاء الوطن، وعندما وجهته لصديقة قالت لى «ربنا يعزيك ويملا قلبك سلام». وبدورى أقول ربنا يعزى مصر فى رجل عاش حكيما ومات كريما، ممانعا للتطبيع فى غير عنترية، مصريا عربيا بامتياز، اختلف معه وعليه كثيرون وأجمع الكل على احترامه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved