كرسى الحكم
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الإثنين 21 أبريل 2014 - 8:00 ص
بتوقيت القاهرة
يحكى أن رئيس إحدى الدول دعا لاجتماع مع بعض الشخصيات العامة للتداول فى بعض أمور السياسة فحضر الجميع فى موعدهم تماما واتخذوا أماكنهم حول المائدة المستديرة التى تصدرها مقعد الرئيس. بعد دقائق قليلة ظهر مدير المراسم عند باب القاعة وصاح بصوت جهورى: السيد رئيس الجمهورية.. فانتبه الحضور ووقفوا احتراما كما تقضى الأصول. أشار الرجل لضيوفه بالجلوس واتخذ هو مقعده على كرسى ضخم مبطن بالجلد له ذراعان من الخشب وظهر مرتفع. فور أن استند الرئيس بمرفقيه على ذراعى الكرسى وقبل أن يبدأ الحوار سمع الجميع صوتا لا تخطئه الأذن، انكسرت إحدى سيقان الكرسى واهتز جسد الرجل فارتبك الجميع وتكهرب الجو. خف مسئولو المراسم لنجدة الرئيس قبل أن يسقط على الأرض، وظهر فى المشهد فجأة شاب يحمل كرسيا بمواصفات الكرسى المكسور نفسها، وفى لمح البصر وقع تبادل الكرسيين وكأن شيئا لم يكن. تماسك الرئيس وكان رجلا حكيما بصيرا وجال ببصره بين الحضور ثم ضرب ذراعى المقعد الجديد بخفة ورفع صوته قائلا: إن ما حدث يا سادة يكشف لكم بوضوح كم هو هش هذا الكرسى الذى أجلس عليه، أعطى الكلمة لأول طالب حديث وبدأ النقاش.
•••
فى دولة أخرى يُحكى أن رئيسا طاعنا فى السن ظل محتفظا بكرسى الرئاسة وإن كان هو نفسه مريضا طريح الفراش. عدل الرجل الدستور قبل أن تتمكن منه الشيخوخة ليجعل من نفسه رئيسا مدى الحياة، ولولا أن عزله وزير داخليته بمقتضى شهادة طبية تفيد عجزه عن ممارسة مهامه لظل يشغل منصبه حتى توفاه الله. الطريف أن الطبيب الخاص بالرئيس إياه خرج بعد سنين مشككا فى صحة الشهادة الطبية على أساس أن بعضا ممن وقعوا عليها من الأطباء لم يفحصوا الرئيس قبل عزله، وأضاف أنه تأكد بنفسه من الذاكرة الحديدية للرئيس المعزول حين استمع منه وهو فى سن الرابعة والثمانين إلى محاضرة تفصيلية عن الحروب الصليبية، وكأن الشعوب تُحكم بالذاكرة.
قليل جدا من الحكام هم الذين يستطيعون أن يفلتوا من جاذبية الكرسى خصوصا فى الدول ذات التاريخ العريق فى تأبيد السلطة وتمجيد أصحابها، قليل هم من يتركون كراسيهم حتى وإن كان فى جعبتهم الكثير جدا الذى يعطوه لأوطانهم. فعلها لولا دى سيلفا فى البرازيل بعد أن جعل اقتصاد بلاده الثامن على مستوى العالم، ورفض النصائح التى كانت تزين له تعديل الدستور والترشح لفترة رئاسية ثالثة ولو فعلها لفاز، لكنه انتقل إلى صفوف المواطنين فى سلام وصار أكثر شعبية من حكام يجلسون على كراسيهم. وفعلها فاتسلاف هافيل أحد أبرز رواد المسرح العبثى الذى حكم تشيكوسلوفاكيا ثم تشيكيا من بعدها ورفض التجديد. قاوم شطحات العظمة التى تصور للحكام أنهم يحتكرون وحدهم كل التنويعات على أفعل التفضيل: فهم الأحكم والأقوى والأرشد والأصلح.. إلخ، قاوم ورحل قبل سنوات قليلة وهو يغط فى نومه. وفعلها مهاتير محمد الذى ترأس الحكومة فى ماليزيا لمدة 22 عاما وهى فترة طويلة، لكنه لو وقع أسير سلطان الكرسى وأراد الاستمرار لالتف الشعب من حوله ودعم مسعاه. ولم لا؟ وقد تحول ببلاده إلى نمر آسيوى وجعل اقتصادها الأقوى فى جنوب القارة، لكنه اختار لنفسه توقيت الانسحاب وصارت تجربته درسا لكل باحث عن النهضة. وفعلها بالطبع نيلسون مانديلا أول حكام جنوب أفريقيا بعد زوال التمييز العنصرى، لم يحكم إلا لعهدة واحدة وذهب، لكنه حين مات جاءه العالم كله ليشيع جثمانه، وبعد أيام قليلة سوف تعرض سيارته فى مزاد بلندن ليشتريها من يدفع أكثر فى «سيارة الديمقراطية» كما يطلقون عليها.
•••
ما سبق حدث فى أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا لكن ما زال بعض الحكام ينتظرون أن تنكسر الكراسى من تحت أجسادهم حتى يدركوا أنها هشة لا تدوم، وما زال بعضهم يتخذ لنفسه لقب رئيسا مدى الحياة «بالديمقراطية» فى وقت تصير فيه علاقاتهم بالحياة نفسها على المحك. أما السؤال لماذا ما يحدث هناك لا يحدث فى أماكن أخرى من العالم فإنه سؤال المرحلة وربما المراحل أيضا القادمة فى انتظار أن يكون صاحبنا الذى بدأ به المقال هو القاعدة وليس مجرد الاستثناء.