انتبهوا أيها السادة

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 21 يونيو 2012 - 8:25 ص بتوقيت القاهرة

حاليا تجرى عملية ممنهجة لتزييف وعى الناس وجرهم إلى مواجهة مع الجيش لحساب جماعة الإخوان المسلمين. عملية تضليل على نطاق واسع هدفها إفقاد الناس الثقة فى القضاء وعلى رأسه المحكمة الدستورية العليا مناط الفصل فى دستورية القوانين فتنهار المؤسسات القضائية بعد المؤسسات الأمنية ويتسيد الموقف والساحة الطرف الأكثر تنظيما. فى عملية التزييف هذه يتم ترويج معلومات مغلوطة أو ناقصة عبر برامج التوك شو فى الفضائيات المصرية فيتلقاها الناس ويقرر فريق منهم الخروج للشارع وتسيل الدماء. الفيصل بيننا هو أحكام المحكمة الدستورية بكل الملابسات التى أحاطت بها والتى ارتبطت بتنفيذها، أحالنى عليها الدكتور صلاح الدين فوزى أستاذ القانون الدستورى وها أنا أضعها بين يدى القارئ كما هى لا كما يزيفها من لهم مصلحة فى القضاء على الدولة الوطنية لإقامة ولاياتهم المتحدة الإسلامية.

 

●●●

 

فى 14/6/2012 صدر حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية التعديلات التى أدخلت على قانون رقم (38) لسنة 1972 فى شأن مجلس الشعب لإخلالها بمبدأ المساوة المكفول بنص المادة (7) من الإعلان الدستورى، وتمييزها بين المنتمين للأحزاب السياسية وعددهم 3 ملايين نسمة والمستقلين وعددهم 50 مليون نسمة من خلال تخصيص ثلثى المقاعد للأحزاب والثلث للمستقلين مع السماح للأحزاب بالمنافسة على المقاعد الفردية. وفور صدور هذا الحكم جرت عملية تشكيك واسعة النطاق فى الحكم والدفع بتسيسه، مع طرح بديلين للتعامل معه. البديل الأول هو رفضه عمليا واعتباره كأن لم يكن ومؤدى هذا أن يستمر النواب فى أداء عملهم، وتبلغ الفجاجة السياسية مداها بدعوة اللجنة التشريعية بمجلس الشعب لدراسة حكم المحكمة الدستورية العليا والنظر فى ما يتخذ بشأنه من تدابير. والبديل الثانى هو طلب عرض الحكم على استفتاء شعبى عام بدعوى أن هذا ما جرى عليه الحال فى عامى 1987 و1990.

 

أما رفض التنفيذ فهو رخصة لا يملكها أحد، بل إن الامتناع عن تنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا بواسطة الأطراف المطعون بحقها هو أمر يوجب الحبس والعزل. ولنتذكر أن بداية هذه القصة كانت مع قيام المرشح المستقل أنور صبح درويش بتحريك دعوى أمام القضاء الإدارى للمطالبة بإلغاء نتيجة الانتخابات فى الدائرة (3) فردى بالقليوبية، التى جرت فيها الإعادة بين المرشحَين الحائزين على أعلى الأصوات فى الدائرة وأحدهما ينتمى لحزب الحرية والعدالة والثانى ينتمى لحزب النور، فيما تم استبعاده هو من جولة الإعادة كونه حل ثالثا فى عدد الأصوات، ما يعنى أن الأحزاب حصلت على 100% من مقاعد هذه الدائرة باستبعاد المرشح المستقل. وقد اختصم هذا المواطن فى دعواه كلا من رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الوزراء ووزير العدل ووزير الداخلية ورئيس اللجنة العليا للانتخابات ومحافظ القليوبية. ولما كان الفصل فى هذه الدعوى يقتضى البت فى مدى دستورية بعض مواد قانون انتخابات مجلس الشعب، أحالت المحكمة الإدارية العليا الأمر إلى المحكمة الدستورية العليا التى قضت بعدم دستورية المواد التى سبقت الإشارة إليها. ومؤدى هذا أمران: أن الأطراف المُختصَمة فى الدعوى المقامة من أنور درويش ملزمة بتنفيذ حكم المحكمة. وهنا أُبدى اندهاشى الفائق من قيام نائب رئيس محكمة النقض السابق المستشار محمود الخضيرى بالضرب عرض الحائط بحكم المحكمة ومحاولته مع النائب محمد العمدة الدخول لمجلس الشعب (المنحل) وعقد اجتماع للجنة التشريعية التى يترأسها. الأمر الثانى أن ما تحدث به د. محمد البلتاجى عن ضرورة إعادة حكم الدستورية العليا للقضاء الإدارى للحكم بحل مجلس الشعب، فيه تَعَمد للخلط بين حكم الدستورية واجب النفاذ بذاته وبين حق أنور درويش فى التعويض عن الضرر الذى لحق به لاستبعاده من جولة الإعادة، وهذا من اختصاص القضاء الإدارى فعلا لكن لا شأن له بحل مجلس الشعب.

 

●●●

 

وأما طلب الاستفتاء على حكم المحكمة الدستورية العليا فهو العجب نفسه، فمنذ متى يُستَفتَى الناس فى أحكام القضاء؟ وما الداعى لكل درجات التقاضى ناهيكم عن المحكمة الدستورية العليا إذا كان الناس سينصبون أنفسهم قضاة ويصوتون لحكم يروقهم ويرفضون حكما لا يروقهم؟. المكر فى هذا التلبيس يكمن فى الاستشهاد بما حدث عامى 1987 و1990، والإيعاز بأن الاستفتاء فيهما كان على حكم المحكمة الدستورية العليا ببطلان قانون الانتخابات، والحقيقة أن الاستفتاء كان على قرار رئيس الجمهورية باستخدام حقه فى حل مجلس الشعب فى الحالتين الذى خوله له دستور 1971 مادة (136) فى حالة الضرورة، ولم يكن أبدا على حكم المحكمة الدستورية العليا بحل الشعب، وفارق كبير جدا بين قرار رئاسى وحكم القضاء.

 

فى عام 1984 رفع المحامى كمال خالد دعوى أمام محكمة القضاء الإدارى لإلغاء ثلاثة قرارات هى: قرار رئيس الجمهورية بدعوة الناخبين لانتخاب أعضاء مجلس الشعب، وقرار وزير الداخلية بفتح باب الترشح للمجلس، وقرار مدير أمن القاهرة برفض أوراق كمال خالد للترشح لكونه غير منتم لأحد الأحزاب القائمة. إذ يذكر أن القانون الذى نظم انتخابات 1984 كان يقوم على القائمة النسبية المغلقة. وفى 8/5/1984 قضت محكمة القضاء الإدارى بعدم اختصاصها ولائيا بنظر الطعن فى قرار رئيس الجمهورية، ورفضت أيضا الطلبين الآخرين المتعلقين بوقف التنفيذ. طعن كمال خالد على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا ودفع بعدم دستورية القانون رقم 114 لسنة 1983 فقُبل الطعن. ولما كان حسنى مبارك يعلم أن حكم الدستورية العليا سيبطل قانون الانتخابات بما يترتب عليه حل مجلس الشعب، وكان بالغ الحرص على أن يكون هو لا القضاء من قام بحل المجلس، لذلك استبق صدور حكم المحكمة وقرر حل مجلس الشعب فى 14/2/1987 بالقرار رقم 46 إعمالا لما يراه «حالة ضرورة» ودعا الشعب للاستفتاء عليه كما ينص الدستور، وجاء الاستفتاء بالموافقة، حتى إذا صدر حكم المحكمة الدستورية العليا فى 16/5/1987 أى بعد ثلاثة شهور كاملة من قرار مبارك بالحل، كان الحكم تحصيل حاصل.

 

تكرر الأمر مع اختلافات بسيطة فى عام 1987، حيث قام كمال خالد مرة أخرى برفع دعوى أمام القضاء الإدارى لإلغاء قرار رئيس الجمهورية بدعوة الناخبين لانتخاب أعضاء مجلس الشعب، ولإلغاء القرار الخاص بالامتناع عن تعديل الدوائر الانتخابية بما يتلاءم مع نظام الانتخاب الفردى، ثم أضاف طلبا آخر هو وقف تنفيذ قرار وزير الداخلية بقبول طلبات الترشح للعضوية. وفى 31/3/1987 قضت المحكمة بعدم اختصاصها ولائيا بالنظر فى الطعون الثلاثة السابقة، مع إحالة قانون الانتخابات رقم 188 لسنة 1986 للمحكمة الدستورية. يذكر أن هذا القانون جمع بين نظام القائمة النسبية المغلقة فى كل دائرة مع السماح للمستقلين بالترشح على مقعد واحد من مقاعد الدائرة. ومن جانب الحكومة فإنها دفعت بعدم اختصاص المحكمة الدستورية العليا بالنظر فى تقسيم الدوائر الانتخابية لكون الدستور أحال هذا التقسيم للقانون، فردت المحكمة الدستورية بأنه لا يجوز للتشريع أن ينال من حق سياسى كفله الدستور وهو حق الترشح للانتخابات. كما ردت المحكمة الدستورية على ما تذرعت به الحكومة من أن كمال خالد سبق له الطعن فى دستورية القانون رقم 114 لسنة 1983 بالقول إن الطعن الجديد يلحق بفقرات معدلة لم تكن موجودة فى القانون رقم 114. ودبجت المحكمة حكما غاية فى الروعة والبلاغة يؤكد عدم دستورية قانون 188 لسنة 1986 لإخلاله بالمساواة فى الترشح بين المستقلين والحزبيين، وأكدت أن المواطنة هى مبرر اكتساب حق الترشح وليس الانتماء الحزبى.

 

تلكأت السلطة التنفيذية فى حل مجلس الشعب فقرر كمال خالد رفع قضية أمام المحكمة الدستورية العليا لاستعجال التنفيذ أو «منازعة التنفيذ». ولما أدرك حسنى مبارك أنه لا مناص هذه المرة من تنفيذ حكم الحل دعا فى 29/9/1990 لوقف جلسات مجلس الشعب واستخدم مجددا حقه فى حل المجلس وفقا لمقتضيات الضرورة، واتخذ القرار رقم 404 لسنة 1990 بدعوة الناخبين إلى الاستفتاء. لكن كمال خالد واصل طريقه ورفع قضية «منازعة التنفيذ» فى 10/1990 طلب فيها وقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية بالدعوة للاستفتاء على حل مجلس الشعب على أساس أن الحل وجوبى وفق حكم المحكمة الدستورية العليا وليس بقرار سياسى من الرئيس.

 

●●●

 

كان كل هم خالد هو أن يعلى كلمة المحكمة الدستورية العليا ويثبت أن حل مجلس الشعب جاء تنفيذا لحكمها، وكان كل مسعى حسنى مبارك إثبات أنه صاحب الحق فى الحل وليست المحكمة الدستورية العليا. اليوم نحن نكرر ما فعله حسنى مبارك ونقول للشعب المصرى لن نحترم حكم المحكمة الدستورية العليا، ويوهمنا د. عصام العريان بأن الاستفتاء شرط احترام حكم المحكمة، ومن الطريف أن الاستفتاء حتى على قيام رئيس الجمهورية بحل مجلس الشعب فى حالة الضرورة ألغته التعديلات الدستورية عام 2007 !. فى كل الأحوال أقول لمن يرفض حل مجلس الشعب بيننا وبينك الأحكام السابقة للمحكمة الدستورية العليا، هيا نقرأها ونثبت تواريخها ونتأمل كيف كانت تبطل كل المجلس لا ثلثه أو جزءا منه. فانتبهوا أيها السادة قبل أن يأتى وقت لا ينفع فيه الندم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved