المادة 45 مكرر
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 21 نوفمبر 2013 - 7:40 ص
بتوقيت القاهرة
جلست الأم على فراش المستشفى، وضعت فى أذنيها سماعة طبية وراحت تستمع فى لهفة إلى دقات قلب ابنتها وهو ينبض فى صدر امرأة أخرى تقف قبالتها، تبرعت الأم بقلب ابنتها التى فقدتها لتجدد الحياة لامرأة لا تعرفها ولا تربطها بها إلا صلة الإنسانية. والآن وقد تماثلت المرأة للشفاء وتوشك أن تعود إلى بلدها، ودت الأم لو تتواصل لآخر مرة مع ابنتها عن طريق دقات القلب. الصورة التى تداولتها مواقع التواصل الاجتماعى قبل أيام تبكى كل من يراها، هى أبكت حتى ذلك الرجل الذى يظهر فى الصورة وفيما يبدو أنه زوج المرأة التى زُرع فيها قلب جديد، لكنها صورة عبقرية فى إنسانيتها إذ تقول إنه من رحم معاناة البعض يولد أمل البعض الآخر. وهذا الحبل الممدود بين أذنى الأم والمرأة الأخرى إنما يجسد الآية الكريمة « ومن أحياها فقد أحيا الناس جميعا «.
جاءت هذه الصورة فى توقيتها تماما، فلقد كنت أنوى التعرض للمادة 45 مكرر فى مشروع دستور 2013 فإذا بالصورة تضخ فى شرايينى حماسا للموضوع لا يوصف. المادة التى لا شك سيتغير ترقيمها لاحقا تنص على الآتى «التبرع بالأنسجة والأعضاء هبة للحياة، ولكل إنسان الحق فى التبرع بأعضاء جسده أثناء حياته أو بعد وفاته بموجب موافقة أو وصية موثقة، وتلتزم الدولة بإنشاء آلية تنظيم قواعد التبرع بالأعضاء وزراعتها وفقا للقانون «. ولقد أجيزت المادة فى القراءة الأولى وأتمنى أن تمر أيضا فى القراءة الأخيرة، فهذه المادة تعطى أملا فى الشفاء لآلاف من المصريين الذين يحتاجون إجراء عمليات زراعة الأعضاء بعد أن غاب عنهم شعاع الأمل بفعل تعقيدات واجتهادات بعيدة عن جوهر الآية المذكورة. فتحية إلى الدكتور مجدى يعقوب والدكتور محمد غنيم اللذين لولاهما لما وجدت هذه المادة طريقها إلى مشروع الدستور، فليس أكثر إحساسا بمعاناة المرضى من طبيب. يذكر أن لجنة رباعية لبحث الموضوع ضمت الدكتورين الرائعين مع فضيلة المفتى الدكتور شوقى علام والدكتورة هدى الصدة، ولاحقا أعطت الكنيسة رأيها، لتنال المادة بهذا الشكل جواز مرور دينى وطبى وحقوقى.
أتيح لى أن أطلع على بعض التفاصيل الخاصة بعملية التبرع بالأعضاء فى دولة أوروبية، ووقفت على مدى الرقى الذى يتعامل به الأطباء مع جسد المتبرع ولعل غياب هذا العامل بالذات قد يقف حائلا دون تقبل الكثيرين فكرة تبرع ذويهم بأعضائهم حال وفاتهم خشية أن يروهم فى صورة غير كريمة. فى الغرب هم يراعون تلك النقطة بأكبر قدر من الحساسية، قرأت فى أحد الكتيبات ذات الصلة أن الطبيب يتعامل مع جسد المتبرع المتوفى كما لو كان مريضا على قيد الحياة، يعمل مبضعه فى المكان المحدد ثم يعيد خياطته بكل دقة. وحين يكون التبرع بقرنية العين توضع مكانها عدسة زجاجية حتى لا يُصدم أهل المتبرع فى فقيدهم. يا الله! إلى هذا الحد تبلغ مراعاة حرمة الجسد حيا وميتا؟ إلى هذا الحد يكون الرفق بالمشاعر الإنسانية واحترامها؟ وبعد ذلك كله لا تجد إلا من يحدثك عن انحلال الغرب وإباحيته، نزرع أعضاءهم فى أجساد مرضانا ونسخط عليهم، ونستهلك تكنولوجيتهم بكل نهم ولا نكف عن معايرتهم بأننا أصل الحضارة، نعم كنا أصل الحضارة لكن الآن صار الحال غير الحال.
فى الكتيب الذى يتناول موضوع التبرع بالأعضاء تجد إجابة على كل ما قد يدور فى ذهنك من أسئلة، تستطيع أن تتبرع فى أى عمر ومهما كانت حالتك الصحية فالطبيب فى النهاية هو الذى يقرر ويحسم. ويمكنك أن تقصر تبرعك على عضو واحد أو بعض الأنسجة أو تتوسع فى كرمك فتبيح كنوز جسدك لكل محتاج، كل ما عليك أن تعرب عن رغبتك إلى ذوى القربى. وبعد ذلك يجرى إبلاغ جهة مختصة ملحقة بوزارة الصحة تتولى تسجيل حالات التبرع والحالات التى تحتاج زراعة الأعضاء، وتخصص بالتساوى نسب توزيع الأعضاء والأنسجة على المستشفيات المعنية، فهناك مساواة فى منح الأمل وفرص الشفاء. يستخرج المتبرع بطاقة عليها بياناته ويسجل فيها رغبته كتابة فى التبرع لمن يحتاج، وتتجدد دورة الحياة.
قيمة هذا الفعل الإنسانى بالغ التحضر والرقى لا تحتاج إلى تدليل من أحد أو تزكية من مخلوق، لكنه بالفعل يؤدى إلى مواربة باب التجارة فى الأعضاء ولا أقول غلقه بالكامل. فعلى الرغم من أن المادة 45 من مشروع دستور 2013 تجرم تجارة الأعضاء بشكل واضح وصريح، إلا أن تلك التجارة سوف تستمر لأن هناك من لا يجدون مصدرا لتدبير المال إلا أن يفرطوا فى عضو من أعضائهم أو يبيعوا أعضاء ذويهم بعد وفاتهم، وما بقيت لقمة العيش تستعصى على كثير من أبناء هذا الوطن فلن يتورع بعضهم عن الاقتطاع من أجسادهم وأجساد أحبائهم ليعيشوا، وسيجدون المشترين وكذلك الأطباء الذين يطاوعونهم. لكن بالتأكيد فإن إضفاء الدستورية على عملية التبرع بالأعضاء سيقلل من حجم التجارة فى جسد البشر بيعا وشراء». هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن وجود مثل هذا الأمل فى مصر لأول مرة سيقلل من البحث عنه فى الخارج، أقول يقلل ولا أقول يقضى عليه تماما لأنه طالما ظلت الخدمات الصحية على هذا المستوى من التردى وطالما ظل سوء التمريض آفة كل العمليات الجراحية فلا أحد يلوم من يبحث عن دور على قائمة انتظار الزرع فى الخارج.
إن الخطوة التى قطعتها لجنة الخمسين بالمادة 45 مكرر هى خطوة اختصرت مسافة زمنية كبيرة، واختصرت وهذا هو الأهم معاناة الآلاف من أبناء هذا الوطن الذين ضاقت أمامهم سبل الشفاء، فالتحية مجدداَ لهذه الإضافة الإنسانية النبيلة بعيدا عن صراعات السياسة والأيديولوجيا فى وقت صار فيه هواء مصر ممزوجا بالسياسة والأيديولوجيا معا.