مواجهة أمراض التواصل الاجتماعى

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 22 مايو 2024 - 6:25 م بتوقيت القاهرة

فى بلد عربى اكتشفت من قبل جهات الاختصاص مجموعة من الرجال، من بينهم رجال قانون وأعمال وأطباء، يستدرجون أولادًا صغارًا بشتى المغريات عن طريق أحد وسائل التواصل الاجتماعى لينتهى هؤلاء الصغار بالاعتداء الجنسى عليهم، ثم ابتزازهم ليبقوا خاضعين لشهوات أولئك الرجال الجنسية، بما ينتهى إليه ذلك الوضع المأساوى لأولئك الأطفال من شتى العلل النفسية والعقلية ومن اعتزال عائلاتهم وأصدقائهم ونشاطاتهم ومن فشلهم الدراسى المتكرر المحيّر.

وفى بلد عربى آخر قتل شاب شابًا آخر، ثم شوّه جثته وأرسل صورها إلى شاب مريض حاقد كان قد طلب منه أن يفعل ذلك مقابل مبلغ كبير من المال والهدف هو التلذذ برؤية صورة الجثة، وهى تتداول بين الناس.

هاتان حادثتان تداولتهما وسائل التواصل الاجتماعى على نطاق واسع. ولم يكونا بالطبع إلا رأس كتلة الثلج الطافح فى بحار أرض العرب.

إذ من المؤكد أن هناك آلاف الحوادث المماثلة التى تبقى فى عالم الأسرار بسبب شتى الأسباب الخاصة أو المجتمعية، وهى لا تقتصر على بلاد العرب وإنما قد أصبحت ظاهرة عالمية تحت مسمى «مشاكل وأمراض شبكات التواصل الإلكترونية». وإن أى مراجعة لأدبيات الموضوع ستظهر أعدادًا هائلة من المقالات والكتب والتسجيلات المصورة وغيرها، والتى تؤكد أن الموضوع قد أصبح موجودًا فى العالم كله بصور مقلقة للغاية.

والواقع أن الغرب الذى طور تلك الوسائل، والذى يهيمن على كل استعمالاتها، يعانى هو الآخر مما نتج عنها من مصائب اجتماعية. فبعض الدراسات البحثية لديهم أظهرت أن حوالى ثلاثين فى المائة من شبابهم إما كانوا من ضحايا أو من ممارسى التنمّر الشبكى. وفى إنجلترا اشتكى واحد من كل أربعة يافعين من أنهم تعرضوا لشتى أنواع التنمر والإغراءات والتلاعب بالعواطف الحميمية. ولقد أوصلت تلك الظاهرة بعضهم إلى حالات الكآبة واليأس من الحياة والتفكير فى الانتحار.

وأظهرت بعض الدراسات أنه قد أصبح بالإمكان ممارسة الكذب والخداع والإغراء من قبل بعض النفوس المريضة دون الحاجة إلى الإفصاح عن الشخصية الحقيقية، وبالتالى دون مواجهة أية محاسبة قانونية أو أخلاقية. من هنا أصدرت بعض البلدان توجيهات وأنظمة وقوانين فى محاولة للإقلال من تنامى تلك الآفات الأخلاقية والسلوكية، خصوصًا بعد أن أظهرت بعض الدراسات وجود علاقة بين أمراض تلك الاستعمالات للشبكات التواصلية النفسية والسلوكية وبين تحول ضحاياها بعد حين إلى شتى أنواع التطرف الدينى والسياسى والعرقى.

وكنتيجة لكل تلك الدراسات بدأت تعلو الأصوات الجادة القائلة بأنه آن أوان إجراء المراجعات العميقة لكل جوانب الاستعمالات التواصلية الاجتماعية لوضع ضوابط عالمية لهذا الحقل لا تقل فى صرامتها والتزاماتها عما وضعه المجتمع الدولى مثلًا لحقوق الإنسان.

وكالعادة فما أن تصاب حضارة الغرب بمرض اجتماعى وأخلاقى، من جراء تلك الفلسفة أو تلك التكنولوجيا، حتى يصل ذلك المرض إلى شواطئ مجتمعات العرب ويبدأ فى الإنتشار السريع. والمطلوب، إن كنا جادّين فى مواجهة مشاكلنا ضمن قدراتنا الذاتية، بدلًا من انتظار الفرج والتوجيه والعلاج من شواطئ الحضارة الغربية، أن نعى فى الحال الأهمية القصوى لمواجهة الجوانب السلبية الكثيرة فى ممارسة التواصل الاجتماعى الجمعى. ومن أجل أن تكون مواجهة ذاتية تعالج هذا المرض فى الأرض العربية، بخصوصياتها الاجتماعية والقانونية والأخلاقية، فإننا نتوجه إلى الجامعة العربية بدعوة نخبة من الأخصائيين والمعنيين والمفكرين الملتزمين بوضع دراسة متكاملة عن هذا الموضوع، ويطرحوا حلولًا وحدودًا قانونية وقيمية للمجتمعات وللشركات المالكة لوسائل التواصل الاجتماعى. ونقترح أن تقدم الجامعة تلك الدراسة، مشفوعة باقتراحات منها أيضًا، إلى اجتماع يجمع فيما بين وزراء الإعلام والصحة والشئون القانونية، مع حضور أعضاء اللجنة التى قامت بوضع الدراسة، وذلك من أجل تبنيها كموقف عربى مشترك تجاه هذا الموضوع برمّته.

دعنا نكون صريحين: لن تقوم الشركات المالكة للتواصل الاجتماعى بخطوات جادة لتنظيم هذا الموضوع، وستكتفى بوضع شرط من هنا أو هناك، وذلك خوفًا على أرباحها من جهة ورغبة فى بقاء هيمنتها التنافسية من جهة أخرى. فلعل الجامعة العربية تسهم فى منع انتشار هذا الوباء الجديد البالغ الخطورة فى أرض العرب.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved