لم تعد قضية تنظيم
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 22 أغسطس 2013 - 8:00 ص
بتوقيت القاهرة
فى 18 يوليو الماضى كتبت مقالا بعنوان «التنظيم الدولى ينتفض»، أشرت فيه للتنسيق بين مكونات التنظيم الدولى للإخوان المسلمين من أجل حشد الرأى العام الخارجى ضد الموجة الثورية الثانية فى 30 يونيو. كانت المسألة حينها تتعلق بالمشروع السياسى للتنظيم الدولى وأثر ضياع سلطته فى مصر على وضع جماعات الإخوان حول العالم. لكن اعتبارا من 14 أغسطس 2013 لم تعد القضية هى مستقبل التنظيم الدولى، ولا عادت هى الدور السياسى لإخوان مصر فى خارطة الطريق المقبلة، القضية تجاوزت ذلك بكثير وأصبحت هى مستقبل علاقة الإخوان بباقى مكونات الشعب المصرى. انتقلت القضية من الحيز السياسى إلى الحيز الاجتماعى، وهو مستوى أعقد بكثير من الصراع على السلطة، لأن التفاعلات السياسية تتبدل باختلاف المصالح أما العلاقات الاجتماعية فلها وضع مختلف يخضع للمشتركات الوطنية، لذلك فإن تكديرها عصُى على الإصلاح.
●●●
أوصلتنا جماعة الإخوان قبل 14 أغسطس إلى أن نلح فى طرح سؤال متى يتم إنهاء كابوس الاعتصام فى رابعة والنهضة؟.. وللعلم فإن السؤال لم يكن يعنى متى يتم فض الاعتصام بالضرورة، لكنه كان يعنى متى يتوقف اتخاذ رابعة والنهضة منصتين للعربدة الإخوانية بطول الوطن وعرضه؟ أتحدى أن يكون مصرى واحد قد تذوق حلاوة شهر رمضان أو غمرته الشحنة الإيمانية الراقية التى تصاحب أيامه الثلاثين لتوصلنا إلى أول رشفة من كوب الشاى صباح عيد الفطر. كانت شياطين الإنس تعيث فسادا فى كل أرجاء مصر، وما أطلق عليه الإخوان المليونية تلو المليونية لم يكن أكثر من بضع مئات تخرج فى أوقات مختلفة فتعطل السير وتهشم السيارات وتغلق المؤسسات وتوتر الجميع. على المستوى الشخصى تعرضت لموقفين يجسدان معاناة المواطن المصرى العادى من هذه الغزوات الرمضانية المتكررة، كانت ثانيتهما قبل وقفة العيد عندما نجح بضع مئات على كوبرى العباسية فى محاصرة المتجهين إلى مصر الجديدة مع غلق شارعى الخليفة المأمون وصلاح سالم، فلم نعد إلى بيوتنا إلا بعد ارتفاع آذان المغرب. لكن ذلك لم يكن إلا نموذجا صغيرا واحدا للمعاناة اليومية لقطاع واسع من المصريين، أما سكان رابعة والنهضة فكان وضعهم مأساويا.
●●●
الأيام الفاصلة بين 3 يوليو و14 أغسطس كانت تحمل تصعيدا متتاليا من الإخوان كى لا يغيبوا عن المشهد، حتى وصلنا قبيل يوم واحد من فض الاعتصام إلى شروعهم فى حفر مياه فى أرض رابعة وتكرارهم التمدد فى طريق النصر رغم المأساة المروعة التى راح ضحيتها 72 قتيل. الدماء فى تاريخ هذه الجماعة لا تهم، وإذا كانت دماؤهم لا تهمهم فالأولى ألا يقيموا وزنا لدماء الآخرين، حتى كانت الساعات الأولى من صباح الأربعاء 14 أغسطس وشرعت قوات الشرطة بمساعدة الجيش فى إنهاء اعتصامى النهضة ورابعة على التوازى. انطلق الفارون من معتصمى النهضة ليضعوا الأسس لاعتصامات جديدة بالمناطق القريبة منهم : مصطفى محمود وشارع الهرم والمعادى، واقترنت هذه المحاولات باستخدام سلاح فى شارع البطل أحمد عبدالعزيز رأيناه بأعيننا. أضرمت النيران فى العديد من أقسام الشرطة، وكان أكثرها دموية ما وقع فى كرداسة بذبح المأمور ونائبه وتسعة من الضباط. أمسكت الحرائق بكنائس الصعيد وامتدت إلى مدرستين من إنشاء إرساليتين تبشيريتين يتعلم فيهما أبناء الوطن من كل دين. نهب متحف ملوى، وأحرقت واجهة مكتبة الإٍسكندرية. أمسكت ألسنة اللهب بسور حديقة الحيوان. قُذفت سيارة شرطة كما تقذف لعب الأطفال فى الهواء من فوق كوبرى 6 أكتوبر، وبلغ الإجرام مداه بمحاولة إضرام النار فى محطة وقود بطريق النصر والله يعلم وحده ما كان يمكن أن يكون حجم الكارثة لو لم يتم تدارك الأمر. أُتلفت ممتلكات المواطنين ومتاجرهم وأُحِرقت السيارات حيثما مرت مسيرات الإخوان الغاضبين، وبات الوطن ليلته على الأضواء المنبعثة من ألسنة النيران فى كل مكان.
●●●
لكل معركة خصم أو هدف، فمن كان خصوم أنصار الإخوان يوم 14 أغسطس؟ الدين الآخر ممثلا فى الكنائس، والقوت ممثلا فى الممتلكات، والكلمة ممثلة فى المدارس، والذاكرة التاريخية ممثلة فى المتحف، والدولة ممثلة فى مؤسساتها، وكل أحد تصادف مروره فى طريقهم فحمل روحه على كفيه. بالتأكيد كانت هناك خسائر جسيمة فى الأرواح بين صفوف الإخوان وهو ما لا يقبله مخلوق، لكن جزءا من فداحة خسائرهم هم مسؤولون عنه، فالأب الذى حمل ابنه أمام كاميرات التصوير مختنقا بالغاز ما الذى دفعه إلى أن يرمى به إلى التهلكة وهو يعلم أن ثمة عنفا قادما فى الطريق؟ وقس على هذا.
عندما ينزف الوطن لا يدقق أحد فى هوية أصحاب الجرح، يتكلم الدم فيصمت الجميع. والآن وقد وصلنا لما وصلنا إليه وانسد الطريق السياسى أمام مشاركة الإخوان، فالفرصة الأخيرة متاحة أمامهم ليثوبوا إلى رشدهم، فيفتحوا المصاحف على آيات حقن الدماء لا على آيات الجهاد التى لا تخص الخلافات الداخلية، يتصالحوا اجتماعيا مع هذا الوطن الذى لا يصدق أن هؤلاء كانوا يحكمونه حتى وقت قريب، فهم لن يلقون الآخرين فى البحر ولن يتم إلقاؤهم هم، إنما قدر علينا أن نسبح معا فى البحر نفسه ونواجه الأمواج ذاتها، وهذا يفترض أن يتصدر العقلاء المشهد، فهل من عقلاء يتقدمون؟
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة