ما كل هذا العوار؟
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 22 نوفمبر 2012 - 8:00 ص
بتوقيت القاهرة
انتهت تطورات الأسبوع الماضى إلى تبلور ثلاثة مواقف أساسية لأعضاء الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، الموقف الأول احتفاظ نحو 84 عضوا بعضويتهم داخل الجمعية وهؤلاء يمثلون بالأساس الأحزاب والتيارات الإسلامية إضافة إلى عدد محدود من القوى الوطنية الأخرى. والموقف الثانى تجميد ممُثلىِ حزب غد الثورة عضويتهما داخل الجمعية فى انتظار ما يسفر عنه اجتماع الهيئة العليا للحزب. والموقف الثالث انسحاب اثنى عشر عضوا من الجمعية بينهم ستة أعضاء يمثلون الكنائس المسيحية الثلاث. ويلاحظ هنا أننى فى حساب عدد أعضاء الجمعية المستمرين فى العمل لجأت إلى عدم القطع، وذلك نظرا لأن حزبا كحزب الوفد على سبيل المثال لم يلتزم ممثلوه داخل الجمعية بقرار الهيئة العليا القاضى بالانسحاب ولم يستثن من ذلك إلا عضو واحد هو فؤاد بدراوى الذى أكد انسحابه. يكمل هذه الصورة أن الهيئة الاستشارية التى تشكلت فى الأصل للتغلب على الخلل فى تكوين الجمعية التأسيسية، هذه الهيئة تَقَدم ثمانية من أعضائها باستقالاتهم فيما واصل اثنان القيام بدورهما « الاستشارى». أما عدد الاحتياط المنسحبين فقد حاولت التواصل مع أحد أعضاء الجمعية للتعرف عليه لكنى لم أتلق جوابا شافيا.
•••
ومن جانبهم وضع المستقيلون نصب أعيننا عددا كبيرا من أدلة العوار الإجرائى والمضمونى الذى شاب العمل داخل الجمعية وطبع نصوص الدستور فى طبعاته المختلفة. إجرائيا أشار الدكتور جابر جاد نصار العضو المستقيل إلى السماح للأعضاء الاحتياط بالمشاركة فى التصويت وذلك بالمخالفة مع اللائحة الداخلية لعمل الجمعية. وأشار أيضا إلى السرعة المذهلة فى مراجعة النصوص المختلفة والتصويت عليها بما يسمح بتمرير باب كامل فى اليوم الواحد، والحق إن المرء ليعجب من كيفية حدوث ذلك إذ يكفى أن نراجع مثلا الخلاف حول قضية كبرى كقضية الغرفة الثانية للبرلمان التى انقسم من حولها الأعضاء بين مؤيد للاحتفاظ بها وداعٍ لإلغائها، ونتأمل كيف يمكن لمثل هذا الخلاف السياسى أن يُحسم فى بضع دقائق فيما يتوقف عليه مسار العملية التشريعية برمتها. كذلك أشار د. نصار إلى خروج رئيس الجمعية على ما سبق أن ذكره وأكده مرارا وتكرارا من أن نصوص الدستور ستخضع لتوفيق الآراء وليس لتصويت الأعضاء واعتماد قاعدة الأغلبية. أما أخطر الجوانب الإجرائية التى أشار لها د. نصار فهى تلك المتعلقة بقيام رئيس الجمعية بتوزيع مقترحات أعدتها لجنة ثلاثية مُجهّلة العضوية بناء على طلبها والاكتفاء فى تعريفها بأنها لجنة « تعمل لوجه الله» وهذا يتنافى مع أبسط متطلبات الشفافية.
إضافة إلى مظاهر العوار الإجرائى المذكورة فإن السؤال الذى يفرض نفسه هو كيف يمكن للجمعية التأسيسية أن تواصل أعمالها فى غياب الكنيسة التى لا يعكس انسحابها خصما عدديا فقط من أعضاء الجمعية، لكنه يعكس خصما موضوعيا والأدق وطنيا من عمل الجمعية ولا تنفع معه قاعدة إحلال المنسحبين بتصعيد أعضاء من الاحتياط. ثم أن تشكيل اللجنة المصغرة للصياغة النهائية يكرر مشكلة تشكيل لجنة التعديلات الدستورية نفسها لكون الأعضاء الأربعة يمثلون تنويعات مختلفة على التيار الدينى. ومن الطريف أن نقرأ فى تفسير المستشار حسام الغريانى اختيار الأعضاء الأربعة تبريرات من قبيل إن فلانا يحضر مبكرا إلى الجمعية، أو إن الآخر شارك بفعالية فى لجنة الصياغة الموسعة. وأخيرا إن الاستقالة المسببة لأعضاء الهيئة الاستشارية جاءت حافلة بالعديد من مظاهر الخلل الإجرائى من قبيل تأخير وصول خطابات تكليف أعضائها لمدة أسبوعين فيما الجمعية تسابق الريح للإنتهاء من وضع مسودة الدستور، وعدم تواصل أى من أعضاء الجمعية التأسيسية معهم، والتغيير المستمر فى مسودات الدستور دون بيان سبب التغيير ولا حتى تحديد مواضعه حتى يمكن مقارنة الثابت بالمتغير، وعدم انعكاس مقترحاتهم على المسودات المتتالية، وفى الأخير إعلامهم أن واحدا منهم فقط وعند الحاجة إليه سيسمح له بعرض مقترحات الهيئة الاستشارية على لجنة الصياغة.
•••
مضمونيا أشار دكتور نصار إلى نصوص بالجملة يشوبها عوار ظاهر. ومن ذلك نصوص المواد 7 و9 و10 التى تعهد للمجتمع بدور فى حفظ الأموال والأعراض والأنفس وفى الحفاظ على الطابع الأصيل للأسرة وفى رعاية الأخلاق والآداب العامة، وهذا يمثل جورا على دور الدولة وخصما منه ويسمح لفئات من المجتمع بأن تفرض وصايتها على سواها من الفئات والجماعات. لاحقا فهمت من أحد أعضاء الجمعية نقلا عن دكتور محمد محسوب أن هذا الدور المجتمعى تم إلغاؤه بعد أن كان خُفف بضبطه بالقانون، لكن على أى حال فإن آخر نسخة على موقع الجمعية فى 11/11/2012 لم يرد بها لا التخفيف ولا الإلغاء، وإنا لمنتظرون. أشار أيضا دكتور نصار إلى المادة 75 التى أضيفت فجأة لمسودة 11/11 وهى تربط الحقوق والحريات الشخصية بعدم التعارض مع الأحكام الأساسية للدولة والمجتمع (مرة أخرى المجتمع)، وهذا مطلب كان ألح عليه ممثلو التيار السلفى بصياغات مختلفة كى لا تتُرك الحريات العامة « دون قيود». كما أن هناك صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية منها سلطته فى تعيين رؤساء الأجهزة الرقابية، علما بأن منصب نائب الرئيس الذى ورد كمقترح فى مسودة 24/10 اختفى من مسودة 11/11 وكأن هذا المنصب أريد به أن يكون مرة واحدة وإلى الأبد. هذا عدا عن أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لا هى مسنودة برؤية استراتيجية ولا هى مزودة بآليات تنفيذية.
•••
فى مقالات سابقة كنت عقدت مقارنة بين مسودتى الدستور المصرى والدستور التونسى، وقيل لنا إن دساتير دول من الشرق والغرب وضعت أمام أعين أعضاء الجمعية التأسيسية، ومن ذلك دستور الهند والبرازيل وتركيا والولايات المتحدة. والحق أننى أجد أقرب نموذج لمسودة الدستور أو مسودات الدستور المصرى المتتالية هو نموذج الدستور السودانى الذى أصدره الفريق عُمر البشير فى عام 1998 بعد تسع سنوات كاملة عاشها السودان بلا دستور على أثر الانقلاب العسكرى على نظام جعفر نميرى، وليس أيا من الدساتير المذكورة. فهنا إفراط فى الإحالة للقانون وهناك أيضا. وهنا ربط الشورى بالديمقراطية ودور المرأة الخاص بالعام والحديث عن المكافلة الاجتماعية وهناك أيضا. وهنا تضخم فى صلاحيات رئيس الجمهورية وهناك تضخم أكبر لأن دستور 1998 كان ثمرة ديكتاتورية عسكرية دينية مركبة. هل أزيد؟ إن دستور 1998 الذى مثّلَ الحلقة الأخيرة لتمهيد انفصال الجنوب عن الشمال تضمن الحق فى الحياة، ومنح الأم حق نقل جنسيتها لابنها من زوج غير سودانى، وأكثر من الإلحاح على التنوع الثقافى وتطوير اللغات المحلية وحرية ممارسة الشعائر وحوار الحضارات، وحظر التعذيب بنص صريح، وهذا كله ما لا نجد له أثرا فى مسودات الدستور المصرى على تعاقبها. والأنكى أن هناك من يرد على الانسحابات من التأسيسية بتهديد المسيحيين بإلغاء الاحتكام لشرائعهم، والمرأة بتقييد مساواتها بالرجل، والكل بإحلال أحكام الشريعة محل مبادئها، وليس بعد هذا العوار من مزيد.
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة