موسم الامتحانات

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 24 يونيو 2010 - 10:14 ص بتوقيت القاهرة

 معظم البيوت المصرية أفاقت ــ أو كادت ــ من كابوس الامتحانات. لن تصادف بعد الآن تجمعات الأهل تتحلق المدارس تتلو آيات القرآن لتنزل بردا وسلاما على الأبناء المنكبين على أوراق الإجابة فى الداخل.لن تلمح الضوء من خلف الستائر المسدلة على الشرفات والنوافذ حتى ساعات متأخرة من الليل تنبئك بأن فى المنزل طالبا يقظا، فالأرجح أنه فى هذا الوقت سيكون صاحبنا مع ثلة من الأصدقاء يجلسون على سيارات الخلق فى الشارع أو يجتمعون فى إنترنت كافيه أو يتابعون أحد أفلام الصيف أو يهاجرون إلى الشواطئ.

سوف تتغير قائمة الأسئلة التى نتبادلها فيما بيننا من: على أى مستوى يأتى الامتحان؟ إلى متى تظهر النتائج؟ ستكسد مؤقتا تجارة الملخصات فى حى بين السرايات الشهير. أماالشرطة التى تراقب أبواب الجامعات المصرية وتحرس صناديق امتحانات الثانوية العامة المتجهة إلى لجان الامتحانات، ستتفرغ لمطاردة المحتجين من كل فئات المجتمع بطول القطر المصرى وعرضه تهوى على رءوس محركيهم بالهراوات وتنزع كاميرات التصوير من مذيعى الفضائيات.

انفض المولد أو كاد، أما السؤال المستوحى من هذا المشهد فما زال يلح علىّ بشكل غير مريح. و هو: لماذا يغش أبناؤنا؟ والإجابة ليست ببساطة أنهم يغشون طلبا للنجاح، أولا لأن من الصعب، وإنه لم يكن مستحيلا، إخفاء كم المادة العلمية التى تضمن النجاح. وثانيا وهذا هو الأهم لأنه فى زمن المجاميع التى تزيد على 100 % والتقديرات التى تثبت عند مستوى الامتياز لم يعد المطلوب هو مجرد النجاح.

وإن لم تصدق فانظر إلى طابور الطلاب المتفوقين الذين لا يجدون مكانا فى الكليات التى لا تلائم مواهبهم ومثله لهؤلاء الخريجين الذين يضيع أملهم فى الانضمام لهيئة التدريس لأن ترتيبهم كان فى المركز الرابع أو الخامس. وثالثا لأن من يمارسون الغش قد يكونون بالفعل طلابا نابهين ولو أنهم تُرِكوا لحالهم لكانت إجابتهم أفضل لأن الخوف من ضبطهم لا شك يمثل عبئا نفسيا يقلل من قدرتهم على التركيز، وذلك مهما قُلت عن درجة حنكتهم وتمرسهم على عادة الغش عاما بعد عام.

أما تفسير هذه الظاهرة فهو شديد التعقيد، يغش الطلاب لأنهم لا يحبون ما يدرسون فلا يكلفون أنفسهم عناء تذكر مالا يحبون، ويتحايلون على ذلك بالغش حتى يتعاملوا مع المادة التى تُفرضَ عليهم مرة واحدة وإلى الأبد.

ويغش الطلاب لأن المدرسة أو الجامعة والبيت والمجتمع يضعونهم فى أقفاص حديدية ويتلهون بمراقبتهم وهم يصارعون من أجل زيادة عدد الأطباء أو المهندسين أو المحامين. ويغش الطلاب لأنهم يحبون أن يكونوا أذكى من الكبار الذين يسفهون أفكارهم ويرمون جيلهم بكل نقيصة ويترحمون على زمان وأيامه ويقارنونها بأيام هذا الزمان. وهم يغشون لأن الأسئلة تتكرر والإجابات النموذجية فى متناول الجميع, أما الطالب المبدع فلا موضع لخياله وإلا تفجرت ثورة الغضب فى وجه الوزير المختص.

ويغشون لأن الكل يغش، يخفى النائب أجهزة المحمول بين أمتعته ليخرج بها من الدائرة الجمركية بيضاء من غير سوء، ويبث المسئولون الرسميون والإعلاميون أخبارا كاذبة تبدأ بحالة الصحة العامة وتنتهى بدرجة حرارة الجو، ويخالف المعلمون ضمائرهم فيحجبون علمهم عن عامة الطلاب ويخصون به من ينتظم منهم فى حلقات الدروس الخصوصية، ويقتطع رجال الدين آيات من سياقها يروجون بها سياسة أو ينقضون بها رأيا، والكل يغافل عساكر المرور فيربط حزام الأمان خلف ظهره أو يخفى المحمول لمرأى كمين، وهؤلاء العساكر بدورهم قد يغشون ضمائرهم ويغمضون أعينهم عن المخالفة إن «أرادوا». كلنا نغش، ولكنا نسعد لأننا خرجنا بغنيمة أو أفلتنا من عقاب.

فتحت التكنولوجيا الحديثة آفاقا للغش لا يتصورها عقل. على أيامنا كان الغش يقتصر على كتابة الإجابات المطلوبة بخط صغير فى قصاصة ورق أو على كف اليد، اليوم أصبح الغش بالمحمول والآيبود هو الوسيلة الأكثر انتشارا، والرد الجاهز على ألسنة طلابنا عندما تسألهم عن سر اصطحابهم المحمول فى لجنة الامتحان هو: نحتاج أن نعرف الوقت، كنا نظن أن الساعة تؤدى هذا الدور فإذا بها تصبح دقة قديمة. تدهشنا قدرة طلابنا فى هذه الأيام على المحاجاة والإنكار وأدلة اتهامهم بين أيدينا، ويذكرنى ذلك بالمقال الذى كتبه جميل مطر على صفحات الشروق يوم الأربعاء الماضى بعنوان «الإصرار على الإنكار».

على أيامنا كانت تكفى المخطئ ليرتدع همسة عتاب، ومازال حاضرا فى ذهنى مشهد ذلك الزميل الجامعى البدين الذى كان يفاوضنى، وخيمة الامتحان تجمعنا، على أن أساعده بعد أن أفرغ من أداء الامتحان مقابل أن يدعونى وخطيبى آنذاك إلى وجبة شهية من أفخر أنواع الكباب، لكنى لم أتمكن من مساعدة الزميل المسكين أولا لأنى لم أكن أفرغ أبدا إلا مع نهاية وقت الامتحان، وثانيا لأننى لست من هواة الكباب. وعندما لاحظ أحد المراقبين ما كان يهمس لى به الزميل مر بجانبه محذرا فلم يعد لفعلته قط، وإن ظل مكانه أمامى محفوظا فى خيمة امتحان تلو أخرى.

الامتحان ليس هو نهاية العالم لكن الصحيح أنه بوابته التى إن عبرها بغير أن يكن أهلا للمنافسة فلن تفيده مثقال ذرة المادة المنقولة، ولكى نُثبَت هذا المعنى فى أذهان أبنائنا فنحن نحتاج إلى مراجعة شاملة لنظامنا التعليمى مراجعة لا تكفى فيها زيارات الوزير المفاجئة، ونحتاج قبل ذلك أن نقدم لهم القدوة فهم ليسوا فى التحليل الأخير إلا صنائع أعمالنا.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved