دفاعا عن مبدأ التنوع
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 25 أبريل 2013 - 8:00 ص
بتوقيت القاهرة
التنوع هبة يمنحها الله سبحانه وتعالى لكل المجتمعات البشرية بلا استثناء مع اختلاف فى الدرجة، ووحدها فقط المجتمعات الذكية هى القادرة على أن تجعل من هذا التنوع مصدرا للإبداع والتميز. انظروا معى إلى كم البهجة الداخلية التى تضخها المصطلحات المختلفة التى استخدمت لوصف هذا التنوع من قبل علماء الاجتماع والسياسة، من أول مصطلح الموازييك أو قطع الفسيفساء متنوعة الأشكال والألوان، إلى مصطلح الكارافان أو المركبة التى تسير فى طريقها فيما المشاهد تتبدل عن يمينها ويسارها من الريف إلى الحضر إلى البادية، إلى مصطلح السجاد الإيرانى الفاخر الذى تتضافر فيه خيوط زاهية بمهارة فائقة لتصنع وجوها ومناظر طبيعية لا أبهى منها ولا أروع. إن التنوع هو الغنى فى الخبرات والمرجعيات والأفكار، والجماعات المتصالحة مع نفسها الواثقة من معتقداتها لا تجفل من الانفتاح على غيرها ولا ترتعب من أن تتسرب إلى محيطها بعض مظاهر الاختلاف.
التنوع بالنسبة للجيل الذى أنتمى إليه مكون أساس من مكونات رأس المال الاجتماعى الذى هو أغلى ما تملكه مصر، فهذا الجيل تفتحت عيونه على وطن يقدم الحماية للأرمن من الاضطهاد التركى، ويتجذر فيه حب آل البيت بشكل تلقائى، وتجتذب إسكندريته الكوزمولوبوليتانية جالية يونانية معتبرة، وينشط فيه بقايا اليهود فى مجالى التجارة والصيرفة، ويتباهى بأن مسيحييه هم الأكثر عددا وتنوعا مقارنة بكل بلدان الشرق الأوسط. لم تكن مدارسنا تحتاج إلى أن تكون فروعا لسلاسل المدارس المنتشرة حول العالم حتى تجد فى فصولها أسماء مثل أنيتا ومادلين إلى جانب أسماء خديجة وفاطمة، كان التنوع يتخلل كل طبقاتنا الاجتماعية بامتياز. أما اليوم فحين أستشرف مستقبل النشء الذى يتشكل وعيه على وقع عنف دينى جسدى ومعنوى فج، أخشى أن أجد قاموسه بعد نصف قرن من الآن يخلو من مفردة « التنوع»، فغير الموجود لا تعبر عنه المعاجم والقواميس. قبل بضعة أيام صدمتنى شابة يمنية تتردد كثيرا على مصر بحكم عملها فى مؤسسة دولية حين قالت : diversity is dying in Egypt أى أن التعددية تحتضر فى مصر، لامست الشابة عصبا مكشوفا فى تكوينى بعبارتها الموجعة، ومع ذلك قاومت الاستسلام لتشاؤمها ورددت فى تحد للواقع: ليس كل من يحتضر يموت.
●●●
شيئا فشيئا تطارد البيئة المصرية مظاهر التنوع فيها الواحد تلو الآخر ففى أقل من شهر وقعت فتنة الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وجمعة «خطر الشيعة والتشيع» فى مسجد عمرو بن العاص، ثم ولأول مرة فى تاريخ مصر تحذير الأوقاف للدعاة من التعامل مع الكنيسة الإنجيلية قبل الرجوع للوزارة وإلا تحملوا المسئولية. الكنيسة الإنجيلية هى واحدة من كنائس مصر الخمس إلى جانب الكنيسة الأرثوذوكسية الأم، والكنيسة الكاثوليكية، والكنيسة الأسقفية المتفرعة عن الكنيسة الإنجيلية، وأخيرا كنيسة الروم الأرثوذكس. تختلف الكنائس الخمس فى بعض التفاصيل اللاهوتية كما تختلف فى بعض الأمور التنظيمية، وكمثال فإن هيراركية الكنيسة الإنجيلية تتسع لعناصر ليست ذات تكوين لاهوتى كفئة المشايخ الذين منهم تستمد الكنيسة وصفها بالإنجيلية المشيخية، وفى أنها تسمح بشماسات من النساء. ولقد قامت الكنائس المذكورة بخطوة جبارة لم يلتفت إليها أحد ولا اهتم بتحليلها أحد من زاوية تأثيرها على قضية التنوع فى إطار الوحدة. ففى شهر فبراير الماضى شكلت الكنائس الخمس مجلسا واحدا هو مجلس كنائس مصر رئاسته بالتناوب بدءا بالرئاسة الأرثوذكسية، واجتماعاته تنظم على شكل نجمة خماسية الرؤوس فى إشارة إلى ندية العلاقة. هذه الخطوة وضعت حدا لسنين طويلة من الصراع بين الكنائس الخمس، وسمحت بتنسيق مواقفها فيما ما يتعلق بتطورات الساحة المصرية ومنها قرار وزير الأوقاف.
جعل القرار المذكور الكنيسة الإنجيلية ملء السمع والبصر بعدما عارضت هذا القرار قوى مجتمعية عديدة جميل جدا أنها ضمت بينها مسلمين عارفين بتعاليم دينهم السمحة. خطب الشيخ مظهر شاهين كعادته فى مسجد عمر مكرم مدافعا عن قيمتى التعايش والمواطنة وقاد مسيرة إلى كنيسة قصر الدوبارة التى هى الكنيسة الأم للطائفة الإنجيلية. وطالبت الحركة الشعبية لاستقلال الأزهر رئيس الدولة بتشكيل لجنة قانونية للتحقيق فى ملابسات القرار. واعتبر اتحاد القوى الصوفية القرار مخالفا للشريعة ونظم ضده مسيرة من مسجد النور فى اتجاه الكاتدرائية. وكان هذا السياق هو الذى تحركت فيه وزارة الأوقاف بسرعة لافتة للنظر من أجل احتواء الموقف. سوف نصدق أن القرار أُسيئ تفسيره مع أنه من جملة واحدة لا تحتمل التأويل، وسوف نصدق أن غرض القرار كان ضمان التنسيق مع الوزارة مع أن هذا التنسيق قائم على قدم وساق مع الهيئة القبطية الإنجيلية الجهة الأنشط بامتياز فى نطاق الطائفة والتى شارك فى آخر فعالياتها فى مارس الماضى شيخان رشحتهما الأوقاف!، وسوف نصدق أن القرار لا علاقة له بدور كنيسة قصر الدوبارة فى الثورة وما بعدها كما أنه لا علاقة لاستبعاد مظهر شاهين من مسجد عمر مكرم بارتباطه الوثيق بقصر الدوبارة. سوف نصدق كل هذا لكننا سنصدق أيضا أنه لولا هذا الضوء الكثيف وكل هذه الهمة المجتمعية لما كان تحرك الأوقاف، ولا كان بيانها المشترك مع الكنيسة الإنجيلية بعد ذلك للتأكيد على العلاقة التاريخية بين الجانبين، ولا كان التمثيل المشرف للوزارة فى استقبال الأمين العام لمجلس الكنائس العالمى قبل يومين بمقر الهيئة الإنجيلية.
●●●
سيذهب جيلى بعد شهور أو سنين، وسيترك الراية لهذا الجيل الوسيط الذى خرج منه مظهر شاهين وكل شباب حركة استقلال الأزهر وأئمة بلا قيود والتنظيمات المجتمعية المعارضة، سيتركها وهو يعلم أن مهمة هؤلاء أصعب لأن التحديات أكبر بكثير، لكن حماية قيمة التنوع تستحق من الجميع شرف المحاولة. أما دعوة الرئيس وجماعته لتفعيل ما يسمى بالمجلس الوطنى للعدالة والمساواة من داخل قصر الاتحادية فلن يتمخض عنها شىء، لأن الجماعة التى لا تؤمن بالمساواة بينها وبين أى أحد، الجماعة التى يتصاهر أبناؤها لأنهم الأطهر ويتشاركون فى البيزنس لأنهم الأتقى ولا يثقون إلا فى أنفسهم لأنهم الأوفى، هذه الجماعة لن تطبق لا المساواة ولا العدالة بين المصريين وبعضهم البعض فمنذ متى كان فاقد الشىء يعطيه؟.
أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة