«أقراص الطعمية» فى علاقات مصر القطرية
أحمد يوسف أحمد
آخر تحديث:
الخميس 25 أبريل 2013 - 8:00 ص
بتوقيت القاهرة
الأصل فى الثورات أنها تُحدِث تغييرات شاملة فى كافة مناحى الحياة تتناسب مع طبيعتها، ومنها السياسة الخارجية، لكن التغييرات فى حالة ثورة يناير اتخذت طابعا «إخوانيا»، فتوثقت العلاقات مع حماس فرع «الإخوان المسلمين» فى غزة ومع السودان الذى يرفع رايات «الحكم الإسلامي» وقطر المتعاطفة ــ إن لم يكن المتحالفة ــ مع جماعة «الإخوان»، وذلك بالإضافة إلى التحركات السياسية التى هى أقرب إلى «الجعجعة بدون طحن» منها إلى استعادة الدور المصرى أو إعادة بنائه. وقد شهدت العلاقات المصرية مع قطر تطورا إيجابيا لافتا بعد الثورة، والتى كانت فاترة قبلها إما لأسباب شخصية ترتبط بالعلاقة بين الرئيس المصرى السابق وأمير قطر، أو للغيرة من النشاط الدبلوماسى القطرى الذى لم يكن يترك مشكلة أو أزمة فى العلاقات العربية-العربية أو داخل دولة عربية بعينها إلا وقدم مبادرات بشأنها، وكانت هذه الغيرة تبدو غريبة بالنظر إلى أن الدور المصرى فى السياسة العربية كان متراجعا فى كل الاتجاهات الاستراتيجية، ورضيت القيادة المصرية السابقة فى هذا الصدد بالاكتفاء بالحديث عن الدور المصرى وريادته وكأنه من حقائق الحياة، وعزز هذا المواقف التى كان بعض الدول يبديها تأييدا لذلك التوجه المصرى والذى كان يدرك نقطة الضعف هذه لدى القيادة المصرية فيُسرِف فى الحديث عن ريادة الدور المصرى وفعاليته.
●●●
وقد اتخذ التطور فى العلاقات بين مصر وقطر فى أعقاب الثورة شكل تعزيز العلاقات السياسية، كما تضمن إغداق المساعدات الاقتصادية على مصر كنوع من التخفيف من أزمتها الاقتصادية الطاحنة وسط مناخ يملأه الشك من قبل الرأى العام المصرى لأن الهدف الحقيقى لهذه المساعدات هو الإمساك بتلابيب الاقتصاد المصرى كى يسهل توجيه الثورة المصرية سياسيا، وربما لأهداف أخطر من هذا بكثير. وفى الوقت الذى كان الحكم فى مصر سعيدا بهذه المساعدات بقدر ما تعينه على التخفيف ــ ولو إلى حين ــ من أزمته الاقتصادية، كان الرأى العام شديد الحساسية بشأنها إلا قليلا، وذلك بسبب عقدة مبارك الذى فقد استقلال قراره بسبب المساعدات الخارجية وبالذات الأمريكية، كذلك فإن الرأى العام كان غاضبا من المبالغة فى سياسة الاقتراض التى تزيد الدين الخارجى، وتقضى من ثم على إمكان استعادة الدور القيادى المصرى، خاصة وأن المؤشرات كانت تفيد بأن هذه القروض تستخدم لتلبية احتياجات يومية وليس فى مشروعات تنموية مهمة.
فى هذه الظروف دخلت «الطعمية» مجال التحليل السياسى، فقد نُشر فى قطر مقال يسخر من دور مصر عبر التاريخ، ويقول صاحبه إنه لا يعرف إنجازا مصريا سوى «قرص الطعمية». نكأ المقال الجرح الشعبى المصرى وفجر الغضب المكبوت لدى شعب مصر، لكن الأخطر هو تلك السلسلة الهائلة من عبارات السخرية القاسية على مواقع التواصل الاجتماعى التى لم تركز على السياسة القطرية وإنما على قطر ككل، وهذا غير مقبول مهما كانت مبرراته، فالهجوم على السياسة طبيعى فى هذه الأزمات، لكن الهجوم على الدولة من شأنه أن يحدث ضررا دائما بالعلاقة، ولا شك أن تفسيره يرجع إلى أن المقال سيئ الذكر كان يتحدث عن «الدولة المصرية» ناهيك عن أنه كشف عن درجة هائلة من الجهل بالتاريخ، فالشعب الذى صنع «قرص الطعمية» هو الذى صنع حضارة ما زالت إنجازاتها تتحدث عنها حتى الآن بما يشهد لمصر بريادة حضارية على مستوى العالم بالإضافة إلى ريادة «الطعمية»، وهو الذى حمى العالم الإسلامى من الأخطار الحقيقية التى هددته على يد المغول وغيرهم، وهو الذى أقام أول جسور مع الحضارة الأوروبية الحديثة، وأسس فى هذا السياق دولة عصرية تقوم على العلم والتقدم الاقتصادى، وتمتلك جيشا قويا نشر نفوذ مصر خارج حدودها فى الوطن العربى وفى أفريقيا، وقام بعد ثورة يوليو 1952 بدعم حركات التحرر الوطنى فى الوطن العربى وأفريقيا بحيث إن عقد الستينيات من القرن الماضى قد انصرم ومعظم الدول العربية والأفريقية قد نال استقلاله، وحتى تلك الدول التى لم تنل استقلالها فى ذلك الوقت كان ذلك راجعا إلى تعقد الوضع الاستعمارى فيها، كفلسطين فى الوطن العربى وجنوب أفريقيا فى أفريقيا، ومع ذلك فقد وضعت أولى أقدامها على طريق التحرير فتنامت فيها تنظيمات التحرر الوطنى وبدأت عملياتها العسكرية ضد المستعمر، وأخيرا هو الشعب الذى قدم دعما ماليا كبيرا بأسعار اليوم إلى كيانات خليجية قبل استقلالها. ويبدو أن صاحبنا كان مشغولا بتناول «أقراص الطعمية» لدرجة أنه لم ينتبه إلى هذه الإنجازات «التافهة».
●●●
الخطير كما سبقت الإشارة أن الأزمة طالت العلاقة بين شعبين وليس حكومتين، واستُخدمت فيها الأداة الدعائية بكثافة ملحوظة، فقد بدأت ببرنامج تليفزيونى مصرى أعقبه المقال سيئ الذكر، ورد المصريون بغزارة على صاحب المقال على مواقع التواصل الاجتماعى، وهى مسألة مثيرة علميا، فقد أظهرت دراسة سابقة عن الصراعات العربية ــ العربية أن الحكومات تستخدم الأداة الدعائية فى إدارة صراعاتها بما نسبته 50% تقريبا (لأن الدراسة كمية ومعروف أن نتائج الدراسات الكمية تعتبر مؤشرات أكثر منها نتائج دقيقة)، أى أن استخدام تلك الحكومات الأداة الدعائية وحدها يساوى استخدامها باقى الأدوات جميعا، وقد اختلف المحللون فى بيان مغزى هذا المؤشر، فمنهم من اعتبره مؤشرا إيجابيا يدلل على أن النسبة الأكبر من هذه الصراعات خفيفة الكثافة لا تتضمن إيذاء ماديا متبادلا كالصراعات العسكرية، غير أن فئة أخرى من المحللين اعتبرت ذلك الاعتماد الكثيف على الدعاية ظاهرة شديدة السلبية بقدر ما أضرت بما يمكن تسميته بالبنية الأساسية للعلاقات العربية ــ العربية على أساس أنها تصيب بالضرر الجسيم العلاقات بين الشعوب إذ إن الحكومات عندما تدخل فى صراعات فيما بينها تقوم بحملات دعائية موجهة إلى حكومات الخصوم لتقويض موقفها فى الصراع، غير أن ما يحدث أن شعوب تلك الحكومات هى من يستقبل عادة دعايتها، وذلك بسبب ضعف قدرة هذه الحكومات على نشر دعايتها أو عدم الإقبال عليها عربيا. من ناحية أخرى فإن بعض الحملات الدعائية يصل إلى درجة من الشطط تؤثر فى المواقف الشعبية أكثر مما تؤثر فى المواقف الرسمية، وعلى سبيل المثال فإن الصراع بين الحكومة المصرية والحكومات العربية فى أزمة كامب ديفيد (1978) وما تلاها وترتب عليها من دعايات متبادلة قد وصل الأمر فيها إلى اتهام الرئيس المصرى الأسبق أنور السادات العرب بالجهل والثناء على اليهود «لتحضرهم»، أما الحكومات العربية فقد تحدث معظمها عن خيانة الحكومة المصرية، ووصل الأمر ببعضها إلى أن طال الشعب المصرى فى تلك الأزمة، وكان من المألوف فى ذلك الوقت أن تجد مصريا وعربيا يتجادلان بما يسيء كل منهما للآخر. ويعرف تاريخ العلاقات العربية ــ العربية قبل أزمة كامب ديفيد وبعدها الكثير من الحملات الدعائية القاسية التى وجهت للشعوب من الحكومات المتصارعة خاصة فى مرحلة الحرب الباردة العربية يعلم الله وحده كم كان تأثيرها السلبى على هذه العلاقة، ولا شك أن هذا النوع من الحملات الدعائية الذى يصيب بالضرر العلاقة بين الشعوب يكون إصلاحه عسيرا، ويلاحظ أن الأزمة الراهنة بين مصر وقطر قد أتت بنموذج جديد فى الأثر السلبى للحملات الدعائية على العلاقة بين شعبين لسبب بسيط وهو أن هذين الشعبين وليس حكوماتهما هما القائمان بالحملة الدعائية وبالتالى فإن الضرر أشد، فإذا أضيفت إلى الحساسية الموجودة بينهما الاعتبارات التى سبقت الإشارة إليها لأدركنا أن العلاقات المصرية ــ القطرية تمر بأزمة حقيقية، والواقع أن الشعبين والشعوب العربية عامة تبدو بحاجة حقيقية إلى عملية تنشئة «عربية» إذا جاز التعبير كى تدرك قضيتها المشتركة بعيدا عن «أقراص الطعمية»!.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
ومدير معهد البحوث والدراسات العربية