أردوغان وإرادة الشعوب

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 25 يوليه 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

فى الخطاب الذى ألقاه رئيس الوزراء التركى أردوغان بدار الأوبرا المصرية فى 13 سبتمبر 2011 قال الرجل ما نصه «الإدارة التى لا تتفهم إرادة الشعوب هى إدارة غير شرعية وأن تلك هى لب السياسة التركية بالمنطقة». أضع يدى فى هذه الجملة على نقطتين رئيستين وأناقشهما، الأولى هى إرادة الشعوب، والثانية هى السياسة التركية فى المنطقة.

حَكَم أردوغان على الإدارة التى لا تتفهم إرادة الشعوب بأنها إدارة غير شرعية، وبالتالى فإنه وفر علينا الوقت للتدليل على شرعية الموجة الثانية من ثورة 25 يناير، لأن الإدارة التى كانت قائمة حتى تاريخ 3 يوليو 2013 لم تفهم المطلب الذى اتحدت عليه ملايين الأصوات وهو الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة. هى لم تفهم ولم تستجب لهذا المطلب لأنها كانت ترى أن جماعتها هى كل الشعب وما حوله زوائد تُستأصل أو تهمل حتى تذبل وتجف كما فى الكثير من الزوائد الجلدية، ليس مهما وسيلة التخلص منها الأهم هو أن هذه الزوائد ضارة ومؤقتة وتزول. لم تكن عبارة «الأهل والعشيرة» التى تخللت أول خطابات الرئيس المعزول مجرد زلة لسان، لكنها كانت تعبر عما يجيش فى عقله الباطن، فأعضاء الجماعة ذوو قربى ونسب وعلاقات عنكبوتية متشابكة. ولم تكن بطاقات الدعوة فى مناسبات 6 أكتوبر ودعم الثورة السورية وجلسات الحوار العبثى توجه بالصدفة بل كانت تنتقى المدعوين بعناية. ولا كان تحديد يوم الاستفتاء على الدستور أثناء احتفالات عيد القيامة تمييزا طائفيا بل هو كان من طبائع الأمور لأن هذا العيد لا وجود له فى الأجندة السنوية للجماعة مثله مثل الكثير من الأعياد الوطنية كعيد ثورة يوليو والاجتماعية كعيد شم النسيم.

والحال كذلك فلقد استخف الرئيس المعزول بمطلب الانتخابات الرئاسية المبكرة ورفضها بتاتا فى آخر خطابين له، كان واثقا أن الشعب معه. لكن بعيدا عن لغة الأرقام وهى بالملايين، فإذا كنا نتحدث عن قطاعات واسعة من المواطنين لها مطلب محدد ترفعه بشكل سلمى وتطرح التفاعل معه من خلال الآلية الانتخابية ثم تأبى الإدارة إلا أن تتصلب وترفض فبماذا نصفها؟ ها هو أردوغان يصفها لنا بأنها غير شرعية، ونحن نؤّمن على ما قال فإن هو تراجع عما قال فتراجعه لا يلزمنا.

●●●

تراجع أردوغان عن فكرة عدم شرعية الإدارة التى لا تحترم الإرادة الشعبية، لأنه لو حافظ على الفكرة لوجبت عليه الاستجابة لبعض تجليات الإرادة الشعبية فى ميدان تقسيم. ولأنه لو حافظ على الفكرة لأضاع عامين عمل فيهما على تطوير علاقة تركيا مع الإدارة المصرية بينما ليس هناك ما يضمن ألا تتغير أولويات الإرادة الشعبية وتوجهات السياسة الخارجية المصرية الجديدة. وهنا فإن المسألة تتجاوز بكثير التعاون الاقتصادى التركى المصرى الذى شهد طفرة واضحة فى العامين الماضيين، تتجاوزها إلى حلم زعامة الشرق الأوسط الذى لعب برأس أردوغان على واقع هتاف بعض الإسلاميين فى دار الأوبرا «أردوغان يا زعيم وحد صف المسلمين». يضاف إلى كل العناصر السابقة بالطبع ظهور الجيش المصرى فى الصورة، ومعروف أن لأردوغان معركة طويلة مع الجيش التركى بلغت أوجها فى يوليو 2011.

النقطة الأخرى فى خطاب دار الأوبرا هى الخاصة بالسياسة الخارجية التركية فى المنطقة، فليس صحيحا أن تركيا سعت فى المطلق إلى تمكين إرادة الشعوب فى مواجهة الإدارة غير الشرعية. فلم تكن إدارة الرئيس بشار الأسد حريصة على الإرادة الشعبية عندما طور معها أردوغان علاقة وطيدة امتدت من المستويين الاقتصادى والسياسى إلى المستوى الشخصى والأسرى. ولم يتبين أردوغان حقيقة حكم الأسد فجأة بعد اندلاع الثورة، بل إنه كان على استعداد لدعم إصلاح النظام لولا أن الخرق اتسع على الراتق وبدا أن ثمة مصلحة لتركيا فى اتجاه آخر. إن سوريا قبل مارس 2011 عرفت ما يسمى بربيع دمشق الذى وئد فى مهده بعد عام من وصول بشار للسلطة، وشهدت أحداث القامشلى فى 2004 وفيها جرت أول مواجهة علنية مع الأقلية الكردية، وكان فيها إعلان دمشق للتغيير الوطنى الديمقراطى الذى وقع عليه معارضون من كل الاتجاهات فى 2005، كل هذه كانت إرادات شعبية تطالب بالإصلاح بالفم الملآن لكن النظام السورى كان قويا وكان الاستثمار التركى فى العلاقة معه مربحا. أما وقد جرت مياه كثيرة من تحت الجسور فقد انقلب موقف أردوغان إلى النقيض وأصبح الرجل هو الأكثر تحمسا للتدخل الأجنبى فى الثورة السورية. وما حدث مع سوريا سبق أن حدث مع ليبيا، وانتقل أردوغان من الاحتفاظ بشبكة من العلاقات الوثيقة مع النظام الليبى إلى نسج شبكة جديدة من العلاقات القوية مع معارضيه، مع أن القذافى هو القذافى.

●●●

أدعو أردوغان لأن يعيد قراءة خطابه السابق ويدرك أن الإرادة الشعبية التى عصفت بمبارك هى التى عزلت مرسى وهى التى ستنحى أى حاكم يصم آذانه عن مطالبها. أما مسألة العلاقات المصرية التركية فلست قلقة عليها، فتركيا دولة كبيرة تعرف جيدا كيف تغير سياساتها وفقا لاتجاهات الريح، ولن تتأخر تركيا فى التأقلم مع الواقع المصرى الجديد، أولا لأن دائرة العداء تحيط بتركيا من جهات عدة، وثانيا لأن إيران منافس تركيا التقليدى تبحث لنفسها فى مصر عن موطئ قدم وهذا وضع لا يرتاح له أردوغان.

 

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved