من يوقف اندفاع كرة النار؟
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الخميس 26 نوفمبر 2009 - 9:49 ص
بتوقيت القاهرة
من الصعب جدا أن تتخذ موقفا عاقلا فى الأزمات العصيبة، فداخلك يضغط عليك والخارج يضرب حولك طوقا من نار. فى قرارة نفسها تشعر بجرح غائر من قسوة الإهانات التى تعرض لها بلدها وناسه، إهانات لا سقف لها تتجاوز فعل رشق أوتوبيس الجزائر بالحجارة إلى رد فعل كاسح كبركان.
هى لا تعتبر أن رفع العلم دليل انتماء صادق بالضرورة، لكن قلبها اعتصره مرأى علم مصر محروقا مداسا بالأقدام والسيارات على أرض الجزائر، وهى تفهم أن الحشود الكبيرة تُخرج عادة أسوأ ما فى النفوس لكن ليس إلى حد رفع لافتة فى استاد المريخ ترمى مصر كلها بالزنى والدعارة. معقول؟، وهى أصبحت تعرف ولو على كبر أن المستديرة الساحرة تثير الأزمات بين الدول أو حتى تشعل حروبها ومع ذلك هالها وصف الكثيرون هزيمة المنتخب المصرى بأنها عيد ثان لاستقلال الجزائر..
ياه هل يختزل اللعب لمدة تسعين دقيقة ثمانية أعوام من الكفاح الوطنى الشريف ضد الاستعمار الفرنسى؟ هل تحول المصريون إلى مستعمرين بين عشية وضحاها؟ أى تسفيه لمعنى الجلاء عندما يسوى بهدف؟ قال شاب جزائرى فى مطلع التسعينيات: «لم يترك لنا الفراغ السياسى القائم إلا الاختيار بين الإخوان ــ أى الحركات الإسلامية ــ وكرة القدم»، لكن ما لم تكن تتصوره أن يأتى يوم يخرج فيه من بين ملايين الجزائريين، الذين اختاروا بديل كرة القدم من يركلون علاقات مصر والجزائر إلى المجهول.
كان هذا ما تطوى عليه نفسها من ألم، أما ما حولها فكان شديد الاختلاف. هياج عام وثورة بلا مدى، سخرية وتحريض ومعايرة وتحرش وتظاهر.
تحاصرها البرامج التليفزيونية ومانشيتات صحف الصباح وحديث رجل الشارع وموقع اليوتيوب بحكايات العائدين من الخرطوم وصور السكاكين المشهرة فى وجوه المصريين.
دعوات للانتقام والثأر، فإلى أين يا رب يقودنا أولئك وهؤلاء؟ تتأمل كل القيل والقال فى شأن مباراة مصر والجزائر فتجد أن المطلوب هو الخلاصة التالية: هذا هو الحصاد المر لعروبة مصر،فكيف لها أن توصل لهم أننا لاعبناهم كفراعنة وهزمونا كفراعنة فما شأن العروبة بما جرى؟
تحاول أن تستعيد توازنها النفسى إذن وتسبح عكس التيار، فأن تلعن العرب والعروبة فهذا هو بالضبط ما ينتظره من أمثالها أولئك الذين يبحثون فى مصر عن شرق أوسط جديد أو كبير أو موسع وينحازون فى الجزائر إلى الهوية الفرنسية.
شجعها على موقفها ما سمعته من أن فتنة كأس العالم تحركت بؤرتها من ساحة عربية إلى أخرى. ففى لبنان تهلل تيار الثامن من آذار لنتيجة المباراة واحتفل أنصاره بفوز الجزائر على مصر وقضوا ليلتهم فرحين، وفى المقابل سكن شارع الحمرا معقل الطائفية السنية عامود تيار الرابع عشر من آذار وخيم على أهله الوجوم أسفا على خسارة مصر أمام الجزائر، أما الجبل فلأنه منقسم بين التيارين فقد توزع سكانه بين مصر والجزائر.
هكذا فى هذا القطر العربى المثقل بتعقيدات الداخل وتدخلات الخارج، جاءت مباراة مصر والجزائر لتشحن خلافات فرقائه بطاقة جديدة وإن تكن كروية هذه المرة. وتكرر السيناريو نفسه أو سيناريو شبيه به فى ساحات أخرى عديدة كقطر والكويت خصوصا مع وجود عمالة عربية متعددة المصادر مصرية بالأساس.
أكثر من ذلك توزع أبناء السودان بين من لا يزالون يؤمنون بحق النهر عليهم ومن لهم على مصر عتب لإهمالها ملفات الجنوب ودارفور، ودهشنا نحن المصريين إذ رأينا بعض مشجعى السودان يلتفون بعلم الجزائر ويرقصون فى شوارع الخرطوم مع من كانوا يرقصون، فهل كان يحق لنا أن نندهش؟ أما الذى لم يخطر على بالها حقا فهو انقسام أهلنا فى فلسطين بين تشجيع مصر وتشجيع الجزائر، أى أننا بدلا من أن نحتوى خلافاتهم السياسية صدرنا لهم خلافاتنا الكروية.
فى مواجهة الشحن الإعلامى الهستيرى الذى يحاصرها لاذت بالمبادئ، التى تربت عليها وتشبعت بها بعد أن أخذت فتنة مصر والجزائر تندفع ككرة النار فى اتجاه السفح. واستعاذت بسنين أنفقتها فى دراسة الجزائر حتى رأتها رأى العين من قبل أن تحط فعلا على أرضها وتتجول بين دروبها. وتحصنت بقدرتها على التمييز بين من أحرقوا علم مصر ومن سحبوا مرشح الجزائر من معركة اليونسكو حتى يخلوا لمرشح مصر الطريق إلى رئاسة الهيئة الدولية، أو بين من طاردوا المصريين فى شوارع الخرطوم ومن لاذ المصريون ببيوتهم فى الجزائر هربا من العنف الطائش بعد مباراة القاهرة، أو بين من سبوا نساء مصر جميع ومن تنتفخ أوداجهم فخرا وهم يباهون بأنهم من خريجى الأزهر الشريف، أو بين من يغذون الكراهية ضد شعب مصر ومن تمتلئ أجندتها بأرقام هواتفهم من الأصدقاء والزملاء.
هؤلاء جزائريون وأولئك جزائريون، تماما كما أن من رشق أوتوبيس الجزائر أو سفارتها أو أبناءها بالحجارة هم مصريون لكنهم ليسوا كل المصريين.
عندما نهاها ابنها عن أن تكتب ما كتبت مرددا أن هذا ليس وقت العقل، لم يكن يعرف أنه بما قال يدعوها أكثر فأكثر لإعمال العقل ومد جسور التواصل مع العقلاء على الجانبين، إطفاء لنيران الفتنة وإنقاذا لكل أبناء جيله من الداعين لأن تكون مصر أولا ومن بعدها الطوفان.
لكننا فى هذه اللحظات نحتاج إلى فرصة لالتقاط الأنفاس والعودة للإمساك بزمام الأمور بعدما طال إمساك الزمام بواسطة السفهاء منا. ثم فلنقلب أوراق ما جرى بهدوء وروية ونحاسب المتجاوزين من الجانبين لعلنا نتمكن من إيقاف كرة النار، التى يخشى أن تهز ثوابتنا فى كل مرة تهز فيها الشباك.