كيف ستقود «الترامبية» إلى تراجع النفوذ الأمريكى عالميًا؟
قضايا إستراتيجية
آخر تحديث:
الخميس 27 فبراير 2025 - 7:35 م
بتوقيت القاهرة
فى ضوء ما تتصف به شخصية الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، من الاندفاع وصعوبة القدرة على التنبؤ بأفعاله، اتجه منذ اليوم الأول فى ولايته الثانية إلى اتخاذ العديد من القرارات المثيرة للجدل داخليًا وخارجيًا، مستندًا إلى شعار «أمريكا أولاً». وعلى الرغم من قصر المدة منذ دخول ترامب المكتب البيضاوى فى 20 يناير 2025، فإن قراراته، ولاسيما الخارجية، قد أثارت الكثير من الصخب وعززت حالة عدم اليقين، كونها لم تطل الخصوم فقط، وإنما امتدت إلى الحلفاء أيضًا، وهو المشهد الذى يُثير العديد من التساؤلات بشأن الانعكاسات السلبية المتوقعة لهذه القرارات على النفوذ الأمريكى عالميًا.
خلال القرن العشرين، أدركت واشنطن أن لها دورًا يجب أن تؤديه على الساحة الدولية، وهو الدور الذى رأى السياسى الأمريكى المحنك، هنرى كيسنجر، أنه يهدف إلى بناء «إجماع أخلاقى قادر على جعل العالم التعددى عالمًا مبدعًا وليس مدمرًا»، موضحًا أن أى تصور رصين للمصالح الأمريكية «يجب أن يأخذ فى الاعتبار الاهتمام الواسع النطاق بالاستقرار والتغيير السلمى»؛ ومن ثم يتضح أن الولايات المتحدة ليست إمبراطورية بالمعنى التقليدى الذى عكسته الإمبراطوريات المتعاقبة على مدار التاريخ؛ فالقوة الأمريكية لا تعتمد فقط على القوة الخشنة، وإنما تعتمد أيضًا على القيم والأفكار والمؤسسات؛ ما يعنى استنادها إلى «النموذج المُلهم» الذى سعت إلى تلميعه وبلورته عبر قوتها الناعمة.
وعلى النقيض من ذلك واستنادًا إلى شعار «أمريكا أولاً»، أطلق الرئيس ترامب العديد من التصريحات الشائكة، مثل تلك المتعلقة بالسيطرة على قناة بنما وجزيرة جرينلاند وقطاع غزة، واتخذ عددًا من القرارات المثيرة للجدل، مثل الانسحاب من منظمة الصحة العالمية وفرض رسوم جمركية ضد الحلفاء والخصوم على السواء.
• • •
يحمل الطابع الترامبى، الذى بات يغلف السياسة الخارجية الأمريكية حاليًا، فى طياته انعكاسات سلبية على النفوذ الأمريكى عالميًا، بل وربما يؤدى إلى تراجعه، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالى:
• خفوت بريق النموذج الليبرالى الأمريكى: لطالما سعت الولايات المتحدة إلى تقديم تأكيدات متكررة مفادها أن هيمنتها وقوة نفوذها على الساحة الدولية نابعة من قوة النموذج الليبرالى الذى تتبناه وتستند إليه سياسيًا واقتصاديًا، إلا أنه بات من الواضح أن هذا النموذج يخضع حاليًا للتشكيك والمراجعة من قِبل ترامب؛ إذ لم يتوقف الأمر عند حد اعتبار ترامب مسئولاً عن حادثة اقتحام الكابيتول فى يناير 2021، وإنما اتجه منذ يومه الأول فى البيت الأبيض إلى العمل على تصفية حساباته مع خصومه السياسيين، وهاجم بقوة المعارضين ووسائل الإعلام والموظفين المدنيين.
• التشكيك فى مصداقية واشنطن كحليف موثوق: على مدار عقود، ارتكزت الولايات المتحدة فى دعم قوتها وتعزيز نفوذها على الساحة الدولية، إلى شبكة من الحلفاء والشركاء، وهو ما أبرزه كل من هال براندز وبيتر د. فيفر، فى تحليلهما بعنوان: ما فوائد تحالفات أمريكا؟ المنشور فى المجلة الفصلية لكلية الحرب التابعة للجيش الأمريكى «باراميترز» فى صيف 2017؛ إذ أوضحا أن التحالفات توفر مزايا جيوستراتيجية وسياسية ودبلوماسية واقتصادية تعمل على تدعيم القوة الأمريكية وتحقيق الأهداف الوطنية؛ ومن ثم أشارا إلى أن مثل هذه التحالفات تجعل واشنطن بوصفها القوة العظمى «أكثر نفوذًا»؛ وهو ما يبدو متعارضًا لدرجة بعيدة مع رؤى وأفكار ترامب التى لا تُعوّل على التحالفات.
لقد أدى الموقف العدائى لترامب تجاه الاتحاد الأوروبى وحلف الناتو إلى توتر العلاقات مع حلفاء واشنطن الرئيسيين. وهو ما علق عليه ماكس بيرغمان فى تحليله بـ«مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» (CSIS)، قائلاً إن العلاقات عبر الأطلسى قد شهدت على مدار التاريخ بعض الخلافات، لكنه اعتبر أن ما تقوم به إدارة ترامب مثل التعريفات الجمركية والإنفاق الدفاعى وتسوية الحرب الأوكرانية؛ سيتسبب فى «تغير هذه العلاقات إلى الأبد» بطريقة قد تدفع أوروبا إلى «رسم مسارها الخاص». إضافة إلى ذلك، فقد وضعت التصريحات المتعلقة بضم جزيرة جرينلاند الدنماركية علامات استفهام حول الالتزام الدفاعى الأمريكى فى إطار حلف الناتو بالتوازى مع رغبتها فى الاستيلاء على أراضى الحلفاء.
• النيل من قوة وتماسك النظام الدولى: دأبت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة على اتهام خصميها الصين وروسيا بالعمل على تغيير النظام الدولى، بوصفهما «قوى مراجعة» أو «قوى تعديلية»، وذلك فى ضوء ما يمثله النظام الدولى بشكله الحالى من رافعة للنفوذ الأمريكى فى ضوء كون واشنطن القوة العظمى المهيمنة. ومن المفارقة أن الإدارة الأمريكية الحالية هى من تُشكك فى النظام الدولى، وتنال من دوره الذى سعت لتعزيزه على مدار سنوات طويلة.
واستنادًا إلى ذلك، أطلق ترامب تصريحاته التى تمثل انتهاكًا واضحًا لمبادئ الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولى، ومن أبرزها الاستحواذ على جزيرة جرينلاند، وضم كندا، والتعامل مع غزة كـ«صفقة عقارية» والمطالبة بتهجير الفلسطينيين منها بما يمثل دعوة للتطهير العرقى. إضافة إلى ذلك، فقد قرر ترامب، ضمن الأوامر التنفيذية التى وقّعها فى يومه الأول بالبيت الأبيض، أن ينسحب من منظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ. وهكذا، يتضح أن رؤية ترامب للنظام الدولى لن تحمل انعكاسات سلبية فقط على قوة وتماسك هذا النظام، وإنما يمكن أن تؤدى أيضًا إلى عزل الولايات المتحدة بشكل متزايد فيما يتعلق بالقضايا العالمية المهمة والرئيسية.
الخلاصة أنه من المُتوقع أن تحمل ولاية ترامب الثانية تأثيرات سلبية فى صورة الولايات المتحدة ونفوذها عالميًا بالاستناد إلى ما بدا كحالة من تراجع الثقة التى تسبب فيها الرئيس الأمريكى بسبب سلوكه كزعيم مندفع، وذلك على الرغم من تركيزه المستمر على هدفه المتعلق بـ«استعادة العصر الذهبى الأمريكى». لكن سوف تتوقف حدود تراجع النفوذ الأمريكى على عدد من الأمور، منها مفاضلة ترامب بين الاستمرار فى سياسة الصخب والفوضى أو اتجاهه لمزيد من التعقل والتريث، إضافة إلى قدرته على إعادة ضبط بوصلة التفاعلات فى الساحات المختلفة كبديل عن الانسحاب وتقليل الانخراط، وأخيرًا، قدرة الخصوم على استغلال تراجع النفوذ الأمريكى فى سبيل تعزيز نفوذهم.
مها علام
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
النص الأصلى: