عن الاشتراكيين وهدم الدولة
تامر موافي
آخر تحديث:
الثلاثاء 27 ديسمبر 2011 - 9:00 ص
بتوقيت القاهرة
كثر الحديث مؤخرا عن تعرض الدولة المصرية لمؤامرات تستهدف هدمها أو إسقاطها. واكب هذا اهتمام بتيارات سياسية اشتراكية مختلفة يراد إلصاق هذه الاتهامات بها من خلال استغلال مقولاتها النظرية التى تهاجم الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر. ورغم أن هذه الحملة هى فى الأساس تهدف إلى تشويه الثورة المصرية وتستخدم أسلوبا تجاوزه الزمن من التهويل على الناس بما لم يتح لهم معرفته وبالتالى فهى لا تستحق كثيرا التوقف أمامها لخلوها من أى مضمون عقلانى يمكن التحاور معه إلا أنها على الجانب الآخر تمنحنا فرصة توضيح مفاهيم وحقائق تغيب طيلة الوقت عن ساحة الحوار العام وتغيب بالتالى عن الوعى الجمعى فتتركه عرضة للسقوط فى فخ التعمية والتضليل.
تعرف العلوم السياسية الدولة بأنها كيان يتألف من ثلاثة عناصر هى «إقليم جغرافى ذو حدود معروفة ومحددة» ــ «جماعة بشرية/شعب يجمعه فى الأساس العيش المستقر داخل حدود هذا الإقليم ويضاف إلى ذلك فى معظم الأحوال عناصر ثقافية تجمع غالبية أفراده كوحدة العنصر واللغة والدين». وأخيرا «سلطة حاكمة معترف بها تسيطر على الإقليم الجغرافى وتدير شئون الجماعة البشرية التى تعيش ضمن حدوده».
فى المفهوم الحديث للدولة الديمقراطية تستمد السلطة الحاكمة فى الدولة شرعيتها ووجودها من الشعب وتفترض نظريات الدولة الحديثة أن الشعب ينيب عنه هذه السلطة فى ممارسة وظائف ثلاث رئيسية وهى التشريع والإدارة التنفيذية والقضاء. ولذا فرغم أن مفهوم الديمقراطية يعنى فى الأصل «حكم الشعب لنفسه بنفسه» إلا أن التطبيق العملى يختزل الديمقراطية إلى تركيز الممارسة الفعلية للسلطة فى أيدى الأفراد الذين تتشكل منهم المؤسسات التى تؤدى هذه الوظائف الثلاث ويختزل حكم الشعب فى حق انتخاب بعض وليس كل الأفراد الذين يمارسون الحكم فعليا. فى المحصلة إذن تتكون السلطة الفعلية الحاكمة فى أى دولة من أفراد يؤهلهم لممارستها إما احترافهم العمل السياسى وإما صعودهم الوظيفى إلى مناصب مؤثرة فى الجهاز البيروقراطى للإدارة أو تدريبهم المهنى الذى يؤهلهم للعمل فى سلك القضاء.
عندما نضيف إلى هذه الصورة الطبيعة الطبقية للمجتمع بمعنى انقسامه إلى طبقات تتفاوت فى قدراتها المادية وبالتالى فى إمكانية حصول أفراد كل طبقة على ما يؤهلهم للعب دور فى مؤسسات السلطة نخرج باستنتاج بسيط وواضح وهو أن المشاركة الفعالة فى ممارسة السلطة تتركز بالضرورة بين أيدى أفراد ينتمون دائما إلى الطبقات العليا للمجتمع فى حين تكاد تنعدم فرصة مشاركة الغالبية العظمى للشعب والذين ينتمون إلى الطبقات الدنيا فى هذه السلطة بشكل فعال ويختصر تأثيرهم فيها فى انتخاب جماعة من محترفى السياسة ينتمون دائما للطبقات العليا فيمثلون مصالحها وليس مصالح الغالبية العظمى للشعب.
هذا القصور فى طبيعة مؤسسات الدولة هو أمر أدركته جميع التجارب الديمقراطية فى العالم وظهرت نماذج مختلفة لمحاولة إصلاحه وإن كان جميعها جزئيا وبعضها صوريا فقط. ففى النظام القضائى البريطانى والأمريكى مثلا يترك أمر إدانة أو تبرئة أى متهم لهيئة من المحلفين يتم اختيار أفرادها عشوائيا من كشوف الناخبين فى الدائرة الانتخابية التابع لها المحكمة. وفى الولايات المتحدة أيضا يمكن لعدد محدد من الناخبين أن يطرحوا الثقة فى عضو مجلس النواب أو الشيوخ الذى يمثلهم للتصويت مما قد يؤدى إلى استبداله؛ ولمجلس الشيوخ فى الولاية أن يفعل الشىء نفسه بالنسبة لحاكمها. ويعد اختلاف نظم التصويت وطرق حساب الأصوات وترجمتها إلى مقاعد برلمانية فى دول العالم مؤشرا لمحاولات عدة تبذل لتجنب انفراد عنصرى النفوذ والمال بتقرير من يمتلك الفرصة الأكبر للفوز بعضوية المجالس المنتخبة.
فى المقابل ينظر الاشتراكيون إلى قصور مؤسسات الدولة عن التعبير عن إرادة الجماهير على مستوى أعمق وأكثر جذرية ويربطونه بطبيعة المجتمع الطبقى الذى يرفضونه ويترجمون رؤيتهم بمصطلح «الدولة البورجوازية»؛ بمعنى الدولة التى تكون فيها الطبقة المسيطرة على وسائل الإنتاج هى بالتالى الطبقة الحاكمة. ومثل هذه الدولة تستلب بالضرورة حق الغالبية العظمى من الشعب فى أن تحكم نفسها بنفسها وتصبح أداة لتحقيق مصالح الطبقة الحاكمة ليس فى حدود الدولة وحدها وإنما خارج هذه الحدود أيضا. ويعتقد غالبية الاشتراكيين أن الطريقة التى تنبنى بها مؤسسات الدولة هى انعكاس للطبيعة الطبقية للمجتمع ولهيمنة طبقة واحدة على مقدرات هذا المجتمع سواء من خلال انفرادها بإدارة اقتصاده أو من خلال سيطرتها على السلطة الحاكمة له.
إن أى مشروع اشتراكى للتغيير يستهدف فى الأساس استرداد حق الغالبية فى أن تدير شئونها بنفسها وطبيعى أن يتطلب هذا المشروع إعادة بناء المؤسسات التى يمكن من خلالها للشعب أن يحكم نفسه حقا دون أن يمنح أى طبقة تفويضا بحكمه وبمعنى أوضح فإن مثل هذا المشروع يستلزم هدم المؤسسات المعدة فى الأصل لخدمة غرض وحيد وهو تكريس هيمنة طبقة ما على الحكم. ولكن هذا لا يمكن له أن يتحقق إلا فى إطار تغيير شامل للمجتمع فعندما تتغير بنية هذا المجتمع يمكن لها أن تنعكس فى شكل مؤسسات جديدة تحل محل القديمة. وفهم هذه الحقيقة البسيطة هو تحديدا ما يبرز زيف الاتهامات الموجهة للاشتراكيين بالسعى لهدم مؤسسات الدولة؛ فبكل بساطة لو أن صورتك فى المرآة لم تعجبك لن يكون تحطيم المرآة سبيلا لتغيير حقيقة ما تكره وإنما فقط يحرمك من فرصة تحديد ما ينبغى فعله لإحداث تغيير حقيقى فيه.
●●●
فى النهاية هذه ليست محاولة للدفاع عن فصيل سياسى فى وجه اتهامات بعينها وإنما هى محاولة لتوضيح بعض المفاهيم لمن يهمه الأمر وربما تصلح أيضا لإلقاء بصيص من ضوء على مغزى أن يستهدف الاشتراكيون تحديدا بهذا النوع من الاتهامات وهو أمر لا ينفصل عن فهم طبيعة النظام الذى لم تسقط منه الثورة إلا الرأس وعن فهم طبيعة الصراع الذى لا تمثل المواجهة الحالية مع المجلس العسكرى منه إلا ما تمثله قمة جبل الجليد إلى حجمه الحقيقى. صحيح أن استهداف فصيل تلو الآخر من الفصائل المشاركة فى الثورة هو أمر متوقع فى إطار محاولة تشويهها بهدف إفراغها من مضمونها والقضاء عليها ولكن تطور هذه المحاولات مع الوقت يؤشر أيضا إلى تطور المشهد السياسى فى مصر وطبيعة اصطفاف القوى المختلفة فيه حسب مصالحها وأهدافها. وهو ما ينبئ بانتقال الثورة المصرية إلى مرحلة جديدة يظهر فيها بصورة أكبر الشعبى فى مقابل السياسى ويظهر أيضا السعى إلى بناء مجتمع الحرية والعدالة الاجتماعية فى مواجهة القوى التى تسعى إلى الحفاظ على مصالحها القائمة بل والتوسع فيها. ولا شك لدى أى مؤمن بهذا الشعب فى أنه كما بدأ ثورته ونجح فى تحقيق أولى انتصاراتها هو قادر على قيادة هذه الثورة إلى نصرها النهائى طال أمد الكفاح أم قصر.