مقاطعون فى الأردن مهاجمون فى مصر

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 28 فبراير 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

لا أحد يمكنه أن يضرب مثلا صارخا على ما تفعله السياسة بالمواقف المبدئية، أو على البون الشاسع بين موقف جماعة معينة حين تكون فى المعارضة وموقفها هى نفسها عندما تتولى السلطة، من تلك المقارنة بين موقفى إخوان الأردن ومصر فيما يتعلق بقضية القانون الانتخابى والانتخابات التشريعية. يحتاج المرء أن يفرك عينيه وهو يقرأ تصريحات مسئولى حزب جبهة العمل الإسلامى ذراع إخوان الأردن عن افتقاد القانون الإنتخابى الصادر عام 2012 إلى « التوافق الوطنى» وعدم التزامه بمقررات « الحوار الوطني» بين الحكومة والمعارضة، وعن الحاجة إلى تشكيل حكومة إنقاذ وطنى تتولى الإعداد للانتخابات مع المطالبة بإرجاء موعدها، وعن التلويح بسلاح المقاطعة فى حالة عدم استجابة الحكومة لتعديل القانون المذكور، ثم تنفيذ هذه المقاطعة فعلا بل وخروج الإخوان فى مظاهرات حاشدة احتجاجا على إغفال مطالب الإصلاح وأيضا على بعض القرارات الاقتصادية، ومحاولتهم التوجه إلى الديوان الملكى مرددين الشعار الخالد « الشعب يريد إسقاط النظام «. لثوان معدودة يرتج الأمر على الواحد منا فلا يدرى هل هو يقرأ عن إخوان الأردن أم عن التيار الشعبى أو الدستور أو 6 إبريل فى مصر؟ وهل المظاهرات الحاشدة التى نظمتها المعارضة السياسية قد اتجهت فعلا إلى الديوان الملكى أم إلى قصر الإتحادية، وهل أعمال العنف والمواجهات التى اندلعت بشكل خاص يوم جمعة الغضب بتاريخ 16/11 /2012 وقعت فى عمان أم فى القاهرة؟. لن يستطيع القارئ أن يتحرر من أسر المشهد المصرى وهو يتابع تطورات المشهد الأردنى، خصوصا عندما يصله تعليق المسئولين الأردنيين على دعاوى المقاطعة بأنها تنم عن فشل وإفلاس، وهذا هو نفس ما يقوله حزب الإخوان الحاكم فى مصر، علما بأن إخوان الأردن سبق لهم مقاطعة انتخابات 2010 مما أفضى لاحقا إلى حل مجلس النواب قبل استكمال مدته بسبب التذمر الشعبى من أدائه.

 

•••

 

اختلاف الموقع السياسى لجماعة الإخوان فى الأردن عنه فى مصر، جعل المقاطعة الانتخابية فى الحالة الأولى سلاحا مشروعا بل ومطلوبا للضغط على نظام أصّم أذنيه عن مطلب تغيير قانون الانتخابات وتفعيل دور البرلمان، كما أن هذا الاختلاف برر اندلاع المظاهرات بعد إجراء الانتخابات التى جاءت كما هو متوقع بمجلس نواب قريب من الملك يغلب عليه التكوين القبلى والعشائرى. الأهم من ذلك هو طبيعة الدور الذى لعبه مكتب الإرشاد فى بلورة موقف إخوان الأردن من المشاركة فى الانتخابات أو مقاطعتها. وكان وفد من أعضاء مكتب الإرشاد ضم محمود حسين الأمين العام لإخوان مصر وجمعة أمين نائب المرشد محمد بديع قد توجه إلى الأردن فى أكتوبر 2012 للمشاركة فى اجتماعات مكتب الإرشاد العالمى، وذكرت صحيفة اليوم السابع فى عدد 16/10/2012 أنه كان من بين القضايا المهمة التى جرى التطرق لها على هامش الاجتماع موقف إخوان الأردن من الانتخابات التشريعية المزمعة فى يناير 2013. فترى هل نصح إخوان مصر همام سعيد مراقب إخوان الأردن بالانخراط فى الانتخابات حتى « لا يغيبوا طويلا عن المشهد السياسى» كما حذر عصام العريان جبهة الإنقاذ المصرية أم أنهم نصحوه بالمقاطعة والتصعيد؟ من يعرف شيئا عن جماعة إخوان الأردن وتطورها وطبيعة علاقتها بالحكم الهاشمى، لابد أنه على بينة من أن مقاطعة الجماعة الانتخابات البرلمانية فى عام 2013 وإن لم تكن الأولى من نوعها ألا أنها لم تقترن قط قبل هذا التاريخ بفكرة إسقاط النظام، فعمليا لم يكن لإخوان الأردن مشكلة مع النظام الحاكم فدائما كان فيهم وزراء ونواب بل ورؤساء مجلس نواب، وعندما أوقفت الحياة الحزبية فى عام 1957 ظلت الجماعة تعمل كجمعية أهلية بكامل وظائف الأحزاب السياسية. ومؤدى هذا أن تطورا لافتا حدث فى سلوك الجماعة لاشك أنه تأثر بأجواء ما بعد الربيع العربى فى أرض العرب عموما وفى أرض الكنانة على وجه التحديد، لكن أحدا من إخوان مصر لم يطلق عليها وصف جماعة الخراب والدمار، ولا اتهمها بالخضوع لإملاءات خارجية مع أنها فعليا جزء من تنظيم دولى عابر للحدود والقارات، ولارماها بمحاولة القفز على الشرعية الوراثية التى هى آلية انتقال سلطة الحكم بمقتضى الدستور الأردنى.

 

•••

 

لكن ماذا أغضب إخوان الأردن من قانون انتخابات عام 2012 ودفعهم إلى مقاطعة الانتخابات البرلمانية التى جرت على أساسه؟ نقطتان على وجه التحديد، النقطة الأولى هى حصة الأحزاب السياسية من مقاعد البرلمان، والتى كانت فى الأصل 17مقعدا من أصل 140 مقعدا والباقى للمرشحين المستقلين. ثم بعد تعالى نبرة النقد للقانون طلب الملك عبد الله زيادة نصيب الأحزاب فى المجلس، وبالفعل ارتفع من 17 إلى 27 مقعدا مع زيادة إجمالى عدد المقاعد إلى 150 مقعدا علما بأن للنساء 15 مقعد من المقاعد الفردية، وأنه على المستوى الحزبى يعتبر الأردن دائرة واحدة، أما على المستوى الفردى فيقسم الأردن لعدد من الدوائر المحلية. ويطالب الإخوان ومعهم قوى يسارية وقومية وليبرالية بأن تجرى قسمة مقاعد مجلس النواب بين الأحزاب والمستقلين لمحاصرة تأثير القبلية والمال السياسى على اتجاهات التصويت، هم يملكون التنظيم ويريدون استثماره، وهذا مفهوم. أما النقطة الثانية التى أغضبت الإخوان فهى التقسيم غير المنصف للدوائر الانتخابية وذلك من خلال زيادة تمثيل الريف الذى يبرز فيه نفوذ عشائر شرق الأردن، فى مقابل الحد من الوزن النسبى للمدن الكبرى وبالذات عمان العاصمة التى تمثل المعقل الرئيس لنشاط جماعة الإخوان المسلمين، وأيضا بؤرة المعارضة الأساسية لسياسات النظام الهاشمى.

 

•••

 

فى مصر أيضا تمثل قضية تقسيم الدوائر الانتخابية قضية مفصلية فى تحديد ما إذا كان المرشحون سيتمتعون بفرص تنافسية متساوية أم لا. وقد نصت المادة 113 من الدستور الذى صنعه الإخوان على «تقسيم الدوائر بما يراعى التمثيل العادل للسكان والمحافظات «، ولم تنص على التقسيم بما يتناسب مع أعداد الناخبين، فالنائب البرلمانى لا ينوب عن الناخبين فقط فيما يصبح سواهم سقط متاع. وقد لفت قرار المحكمة الدستورية فى بنده الثالث النظر إلى ضرورة إعادة تقسيم الدوائر بحيث «يراعى التمثيل العادل للسكان والمحافظات» التزاما بالنص الدستورى المذكور. ومع ذلك لم يلتزم مجلس الشورى، وتمسك بمعيار عدد الناخبين، لا بل وأجرى تعديلا على الدوائر لا منطق له إلا تفتيت أصوات القوى المدنية عموما والمسيحية خصوصا. وحين تسأل لماذا لم يعد المشروع للدستورية للتأكد من إدخال التعديلات يأتيك الرد الصادم للدكتور ثروت بدوى أحد أعمدة الفقه الدستورى فى حديثه مع المصرى اليوم بتاريخ 23/2/2013 «هنفضل رايحين جايين بين الدستورية ومجلس الشورى يعنى؟ «. وبعد ذلك يكلمونك عن دولة القانون واحترام الشرعية وأهمية المشاركة فى العرس الديمقراطى.

 

•••

 

يحتاج إخوان مصر أن ينظروا شرقا إلى إخوانهم فى الأردن، وأن يتفهموا مطالب المعارضة المصرية كما يتفهمون مطالب المعارضة الأردنية لكن هيهات فدون الإمساك بكل السلطات خرط القتاد.

 

 

 

أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved