الشرير الصغير.. قطر هذا الصديق الذى يريد لنا السوء

نيفين مسعد
نيفين مسعد

آخر تحديث: الخميس 29 أغسطس 2013 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

عنوان المقال هو الترجمة الحرفية لكتاب صدر مؤخرا عن إحدى أكبر دور النشر الفرنسية، هى دار فايار، وألفه نيكولا بو الأستاذ بجامعة باريس 8 وجاك مارى بورجيه المتخصص فى شئون الشرق الأوسط والذى عمل بعدة صحف منها الإكسبريس وبارى ماتش. على غلاف الكتاب صورة لبرج إيفل الأثر الأعز على قلوب الفرنسيين وقد رفرف فوقه علم دولة قطر، وهكذا فإن عنوان الكتاب وصورة الغلاف يعطيان انطباعا لا لبس فيه عن المضمون واتجاه التحليل.

فى المقدمة يمطرنا المؤلفان بسيل من الأسئلة تدور حول معنيين أساسيين، الأول هو عدم التناسب بين حجم الجزيرة التى يصفها نيكولا وجاك مارى بأنها من الصغر بحيث يكفى سن القلم المثبت فوق الخريطة لإخفائها، وبين دورها الخارجى الذى يصل إلى حد إشعال الحروب الأهلية أو دعمها على مستوى العالم العربى. والثانى هو عدم التلاؤم بين دور قطر فى نشر التطرف بين مسلمى فرنسا وفى دعم جماعات مشابهة لتلك التى تحاربها فرنسا فى مالى، وبين احتفاظ باريس بعلاقات حميمة معها والتغاضى عن النظام السلطوى القائم فى الدوحة الذى لا يحكمه القانون ولا يتسامح مع حرية التعبير.

•••

يضم الكتاب ثلاثة أقسام يتوزع عليها خمسة عشر فصلا بخلاف الخاتمة التى تحمل عنوان: متى يأتى ربيع الدوحة؟ وفى هذا المقال سوف أتناول الفصل الرابع من القسم الأول، وهو الفصل الذى أسماه المؤلفان «التلفزيون الذى امتلك دولة» فى إشارة لقناة الجزيرة، فالدور الذى لعبته هذه القناة منذ نشأتها وما تزال يحتاج إلى تسليط أضواء كثيفة عليه لعلها تكشف عما يراد لوطننا العربى وبأى وسائل ولأى مصلحة.

يستعرض نيكولا وجاك مارى ظروف نشأة قناة الجزيرة فيربطان بداية التفكير فيها بمبادرة تقدم بها الأخوان دافيد وجون فريدمان الفرنسيان اليهوديان، وذلك غداة قتل إسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلى فى نوفمبر1995. الهدف الذى حرك الأخوين فريدمان كان هو العمل على إحلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، لكن هذا الهدف كان يحتاج إلى تغليفه بغلاف شعبوى بالنظر إلى الهواجس العميقة التى تثيرها مسألة التسوية السياسية. وهنا أصبح الهدف المعلن هو القضاء على الديكتاتورية العربية، وتغيير الحكام الذين لا يرضى عنهم الأمير على الأرجح. واتصالا بذلك توارى الأخوان فريدمان فى الكواليس، فيما استعانت القناة بالجهود الحميدة لمحمود جبريل ذلك الكادر الليبى الذى سيقدر له لاحقا أن يرأس المجلس الوطنى الانتقالى لبلاده بعد إطاحة القذافى، والذى يصفه المؤلفان بأنه كان حامل لواء الدبلوماسية الأمريكية فى المنطقة.

•••

فيما يخص الإطار الأيديولوجى للقناة، ذكر نيكولا وجاك مارى أنه بدأ مرتكزا على ركيزتين أساسيتين هما القومية العربية والإسلام، وتطور مع الوقت وفى ظل تولى وضاح خنفر المحسوب على الإخوان المسلمين مسئولية القناة، تطور إلى أن يصبح إسلاميا بالأساس فيما بهت محتواه القومى العربى. هنا يرصد المؤلفان كيف تخلص خنفر من العناصر اليسارية ومن قبيلها ميشيل كيك مراسل القناة فى باريس وكيف صعد نجم الشيخ يوسف القرضاوى ليصبح بمثابة مفتى القناة، وذلك بمباركة من الولايات المتحدة الأمريكية. هنا أتوقف أمام تحليل بالغ الأهمية للمؤلفين فى ص88 يشير إلى أن الولايات المتحدة «المتدينة» حاربت على مدار التاريخ كل الحكومات العلمانية من أول ناصر مرورا بمصدق فى إيران وانتهاء بصدام حسين فى العراق، وعلى حسب قول المؤلفين فإن «العلمانيين كانوا دائما أعداء لواشنطون». بغض النظر عن مضمون كلمة العلمانية وإسقاطها من الغرب على المحيط الشرق أوسطى، هل لهذا التحليل من دلالة فيما يخص السلوك الأمريكى حيال تطورات ما بعد الموجة الثانية لثورة يناير المصرية فى يونيو 2013؟

الدور الأمريكى فى تمرير مشروع القناة ودعمه لاحقا لم يمر دون صعاب، فالمؤلفان يتوقفان أمام عدة أزمات فى العلاقات الأمريكية – القطرية تسببت فيها الجزيرة. لكنهما فى الوقت نفسه يلفتان النظر إلى السقف الذى لم تسمح لا الولايات المتحدة ولا قطر أن يتخطاه خلافهما. ومن قبيل الأزمات التى عددها المؤلفان أزمة عام 1998 عندما غطى مراسلو الجزيرة القصف الأمريكى البريطانى للعراق الذى تجاوز استهداف ما قيل إنه أسلحة دمار شامل إلى قتل المدنيين بلا ذنب. ولئن مرت هذه الأزمة دون رد فعل أمريكى يذكر، فإن تغطية الجزيرة للقصف الأمريكى لأفغانستان عام 2001 استدعى قصفا أمريكيا لمكاتب الجزيرة فى كابول، وهو ما تكرر فى عام 2003 باستهداف مكاتب القناة فى العراق. لا بل إن نيكولا وجاك مارى ذكرا أن بوش الإبن كان على وشك استهداف المحطة الأم فى الدوحة نفسها حين نبهه تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا إلى أن قطر بإمكانها غلق قاعدة العديد التى تنطلق منها الطائرات لتضرب العراق، فارتدع بوش. ومن جانبها مارست قطر ضغطا على القرضاوى فى مناسبات عديدة، أو هو حرص على المواءمة من تلقاء نفسه، فلم يبارك هجمات 11 سبتمبر مع أنه اعتبر من قبل أن الهجمات الانتحارية هى سلاح الفقراء لمحاربة الطغاة.

•••

إن الكتاب الذى عرضت لأحد فصوله كتاب كاشف لبعض جوانب الدور الذى تلعبه إمارة قطر على الصعيدين الدولى والإقليمى، وهو كتاب يستحق القراءة والتأمل لاسيما على ضوء الخيوط العنكبوتية التى تربط مصالح قطر بأمريكا وإسرائيل، كما أن فيه من الخروقات الأمريكية لحقوق الإنسان مع مراسلى القناة أمثال طارق أيوب وتيسير علونى وسامى الحاج ما يخرس كل الألسنة الأمريكية المدافعة عن حقوق الإنسان.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved