باكو بسكوت
نيفين مسعد
آخر تحديث:
الإثنين 31 مارس 2014 - 5:15 ص
بتوقيت القاهرة
جلست أم أحمد بجوار سرير ابنها وقد اختزلت أعضاؤها ومشاعرها فى عينيها المثبتتين على المائة وعشرين سنتيمتر هى كل طول هذا الأحمد. من يوم أن ولدته وهى نست اسمها الأصلى وأجبرت كل المحيطين بها على نسيانه كأنها ولدت معه فى اللحظة التى خرج هو فيها إلى الحياة. مدت الغطاء المهترئ على جسده الناحل لتستر به قدميه لكنه عاندها ودفع الغطاء، لا بأس فسوف تكرر المحاولة مجددا، هى أصلا لم تكف عن المحاولة منذ زُرعت بالأمس إلى جواره كشجرة عجوز تظلل عليه وتحميه. الأولاد لا يأتون بالساهل، هكذا قالت أم أحمد لنفسها.
•••
قبل أن يدركها سن اليأس بعامين جاءها أحمد، كانت تلك هى مكافأة نهاية الخدمة التى منّ الله سبحانه وتعالى عليها بها، نهاية الخدمة فى البيوت التى أخذت شقاها وتركتها بلا ضمان أو حتى كلمة شكر. من أجل اللحظة التى نبت فيها أحمد داخل أحشائها فعلت هذه المرأة كل شىء، لجأت للسحرة والمشعوذين، باعت قرطها الذهبى اليتيم لتنفق على إجراء الأشعات والتحاليل، والأهم أنها تزوجت مرتين. لم تصدق ما قاله لها الأطباء عن أنه لا يوجد عيب فى زوجها الأول، فقالت لو لم يكن به عيب لماذا لا تنجب ؟ لابد أن الرجل ذهب إليهم وطلب منهم أن يداروا عليه ولا يطعنوه فى رجولته ورجاهم أن يحافظوا على بيته، هو كان يحبها وهذا أمر تعرفه تماما وتثق فيه وهى أيضا كانت تحبه لكن حبها للأمومة كان أكثر.
أرخت مجددا الغطاء على قدمى أحمد والتقطت صوته الضعيف يطلب منها شربة ماء، أحست بقلبها ينخلع لكنها تعرف أنه ليس مسموحا له أن يشرب، فقط يبل ريقه من خلال قطعة القطن المبللة بالماء. حاولت أن تستوعب ضجره مطمئنة: كنا فين وأصبحنا فين يا أحمد.
•••
من لحظة أن استدعتها المدرسة هى وكل أمهات الأطفال الذين سممهم البسكوت الذى يوزع عليهم وهى فى دنيا غير الدنيا. كانت فى المنزل حين أتاها النبأ المشئوم عبر المبين كما تسمى هى الموبايل، جرت إلى المدرسة من فورها، لا جرت ليست هى الكلمة الأدق للتعبير عن ردة فعلها، الأصح أنها تدحرجت نحو المدرسة. تسمم ؟!... استر يا رب، الطف يا رب، ظلت تتنقل بين استجداء الستر واللطف دون أن تكف لحظة عن جلد الذات: لماذا لم تمنعه من تناول بسكوت المدرسة وكانت هناك سوابق غير مشجعة فى مدارس أخرى ومع أطفال آخرين ؟ لم تمنعه لأن البسكوت من الكماليات التى لا تفكر فى شرائها منذ أن وهبها الزوج الثانى أحمد وذهب يبحث عن امرأة أصغر منها وأجمل. لم تمنعه، ولو وزعت المدرسة قطع الشيكولاتة أيضا ما كانت لتمنعه فحتى تفعل يجب أن تقدم له البديل الذى لا تملكه. وإلى أن تتغير أحوالها بمعجزة إلهية فسوف تترك ابنها ليكتشف هذا الجنى المخبوء فى البسكوت والشيكولاتة وكل أنواع الحلوى التى تقدمها المدرسة أو يقدمها أى أحد.
•••
داخل المستشفى تكوم عشرات الأطفال وتجمهر الأهل وقد توحدوا دون سابق معرفة بالضرورة فى كورال يلعن ويندب ويدعو. أخذ الممرضون الأطفال ومضوا بهم إلى حيث لا يعلم أحد. اعتبرت أم أحمد أن وضعها الخاص وسنين عمرها التى ضاعت فى انتظار ابنها الوحيد تعطيها الحق فى معاملة مختلفة كأن تدخل إلى ما وراء هذا الباب نصف الزجاجى الذى صدوه فى وجوههم، لكنها اكتشفت أن مثلها مثل الجميع فانتظرت وراء الباب نصف ميتة.
•••
تذكرت كل ما جرى ولحظات الرعب التى مرت بها ووجه الابن الشاحب والمصير المجهول الذى ينتظره وحمدت الله حمدا كثيرا أن أنقذ لها أحمد. قالت لها أم ترافق ابنها على الفراش المجاور: تصورى أننى شاهدت بالأمس مسئولا يقول إن معظم أطفال المدرسة تسمموا بالإيحاء، أى توهموا أنهم أصيبوا بالتسمم حين شاهدوا زملاءهم يتلوون من الألم؟. اندهشت أم أحمد ثم لم تلبث أن ابتسمت لأول مرة منذ جاءها النبأ إياه، سحبت الغطاء للمرة الكام لا تدرى فوق قدمى وحيدها وحبة قلبها وربتتهما فى حنان بلا مدى. نظرت إليه ومازحته قائلة: أهكذا تقلقنا عليك وكل ما بك مجرد إيحاء ؟.. وجرت على خديها دموع كثيرة جدا.