من شبرا إلى الأشرفية
جورج فهمي
آخر تحديث:
السبت 31 أغسطس 2024 - 8:35 م
بتوقيت القاهرة
أقمت فى العاصمة اللبنانية بيروت لمدة عامين كاملين. أول ما يلفت النظر عند وصولك للإقامة فى بيروت قادما من القاهرة هو التقسيم الطائفى للأحياء السكنية. يسمع سكان القاهرة عن تلك الأحياء التى يقطنها أبناء طائفة بعينها فقط عند ذهابهم لجولات سياحية فى القاهرة التاريخية. فهنا كانت حارة اليهود وتلك حارة الروم، أما اليوم فلم يعد للهوية الدينية أى ارتباط بأحياء العاصمة المصرية. أما بيروت فلا تزال تحتفظ الكثير من أحيائها بهويتها الدينية. فالأشرفية غالبية سكانها من المسيحيين، والضاحية يقطنها اللبنانيون من الشيعة، أما رأس بيروت فهى للسنة. ليس هذا هو حال كل أحياء العاصمة اللبنانية، فبعض المناطق أكثر قبولًا للتنوع من غيرها، لكنها تظل الاستثناء بين أحياء العاصمة اللبنانية.
• • •
فى رحلة بحثى عن سكن، نصحنى الأصدقاء بالبحث فى حى الأشرفية ذى الأغلبية المسيحية، وهكذا فعلت. وجدت شقة بدت مناسبة، وتواصلت مع مالكها الذى بادرنى بسؤال «هل أنت مسيحى؟»، فرددت بالإيجاب، فقال: «أنت معنا هنا فى أمان». فأشعرتنى هذه الجملة بالقلق خلاف لما قصد الرجل، وفضلت أن أختار أن أسكن فى منطقة أكثر تنوعًا. فهكذا ولدت وعشت لأكثر من أربعين عامًا فى حى شبرا فى القاهرة دون أن يصاحبنى أى شعور بعدم الأمان فى أى وقت. وحال حى شبرا هو حال كل أحياء العاصمة المصرية، وكذلك كل مدنها، وما غير ذلك فهو الاستثناء كما هو حال بعض القرى فى صعيد مصر التى قد تعرف بعضها تقسيمًا جغرافيًا على أساس الطائفة.
بدت لى فى لحظة أولى أن بيروت أكثر «طائفية» من القاهرة، لكن الصورة ليست بهذه البساطة. ففى مقابل هذا التقسيم الجغرافى الطائفى الذى حافظت العاصمة اللبنانية عليه، ترى فى المقابل ملامح أخرى تبدو فيها بيروت أكثر إيمانًا بقيم التعددية والمواطنة من العاصمة المصرية، وفى مقدمة هذه الملامح هى الزيجات المختلطة بين أبناء الطوائف المختلفة. لا يقر القانون اللبنانى، كما هو حال القانون المصرى بالزواج المدنى، لكنه يعترف بالزواج المدنى الذى يعقد خارج لبنان. فيختار أبناء الطوائف المختلفة الراغبون فى الارتباط السفر إلى قبرص لعقد قرانهم هناك، وليحتفلوا بعرسهم مع أصدقائهم وأفراد العائلة الذين لم يعترضوا على الزيجة المختلطة، ليعودوا بعدها إلى بيروت لتسجيل عقد الزواج.
تعرفت خلال إقامتى فى بيروت على عدد من تلك الزيجات المختلطة، وهو الأمر غير المنتشر فى العاصمة المصرية، والذى يترافق حدوثه عادة مع انشقاقات عائلية عميقة، وهذا إن لم يتطور الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك. فعلى الرغم من العديد من مظاهر الطائفية فى لبنان، فإن نسبة الزيجات المختلطة فى هذا البلد هى الأعلى فى الشرق الأوسط. وتشير بعض الإحصائيات إلى أن نسبة عقود الزواج المدنى تبلغ 15% من مجموع عقود الزواج فى لبنان.
عملت الدكتورة لارا ديب، أستاذة الأنثروبولوجيا، على مدى عقدين من الزمان على قضية الزواج المختلط فى لبنان، ويصدر كتابها حول هذا الموضوع نهاية هذا العام. وتحاجج لارا فى كتابها أن الزواج المختلط فى لبنان يشكل تحديًا للنظام الطائفى. وبينما ترى لارا أن الحب لن ينهى الطائفية، إلا أنه يمكن أن يسهم فى تقليص القوة الاجتماعية للطائفة. فالزواج المختلط يجبر اللبنانيين واللبنانيات على إعادة التفكير فى مفهوم العائلة والأقارب الذين لم يعودوا ينتمون بالضرورة إلى الطائفة نفسها.
• • •
تعد قضية الزواج المدنى إحدى قضايا النقاش العام فى لبنان، وبينما يرفضه البعض فإن آخرين يؤيدونه من السياسيين وكذلك المثقفين والكتاب والفنانين. وهنا فرق آخر بين العاصمتين. فقضية الزواج المدنى ليست ضمن قضايا الشأن العام لمثقفى العاصمة المصرية، وبينما يؤيدها قليلون على استحياء، فإنها لا تحظى بذات الزخم التى تتمتع بها فى لبنان. فيبدو الخطاب العام حول هذا الأمر أكثر محافظة فى مصر، حتى داخل دوائر الثقافة والأدب والفن، عنه فى لبنان.
ولا سبيل للحديث عن الطائفية فى مصر ولبنان دون الحديث عن التجارب التاريخية لكل من المجتمعين، فالمسارات التاريخية تحكم تصورات أبناء الطوائف المختلفة عن أنفسهم وعن الآخرين، وكذلك عن طبيعة علاقاتهم بالسلطة السياسية. فقد نجح مشروع الدولة الحديثة فى مصر بداية القرن التاسع عشر فى الخروج بالشعب المصرى من إطار الطائفية الدينية نحو بناء شكل مختلف لإدارة العلاقة بين الشعب المصرى والسلطة السياسية لا يمر بالضرورة عبر المؤسسات الدينية، وهو المشروع الذى تعثر فيه لبنان. وكذلك، وربما بسبب هذه النقطة الأولى، فقد عرف لبنان تاريخًا من العنف الطائفى، آخره كان الحرب الأهلية اللبنانية والتى امتدت لأكثر من 15 عامًا، وهو ما يختلف عن الوضع فى مصر، والتى وإن كانت قد عرفت أزمات طائفية، إلا أنها ظلت محدودة.
• • •
أخيرا، فإن سمة تتشارك فيها كل من مصر ولبنان هى الدور الحيوى للمجتمع المدنى فى مواجهة الطائفية. وقد شاركتُ الصديق والباحث اللبنانى، محمد الحاموش، فى كتابة ورقة بحثية لمنتدى البدائل العربى حول مبادرات المجتمع المدنى لمواجهة الطائفية فى كل من البلدين. ففى مصر، تبنت وزارة التضامن الاجتماعى فى 2020 برنامجًا باسم «تعزيز قيم المواطنة فى القرى الأكثر تضررًا من الأحداث الطائفية». ويعمل هذا البرنامج فى 44 قرية من القرى الأكثر تضررًا من التطرف والأحداث الطائفية فى محافظة المنيا بهدف تعزيز إجراءات الحماية الاجتماعية والدمج الاجتماعى للمواطنين والمواطنات من كل الخلفيات الدينية والاجتماعية، وتنمية الوعى بقيم المواطنة واحترام التنوع. واختارت وزارة التضامن أن تقوم بهذا المشروع بالتعاون مع منظمات المجتمع المدنى الإسلامية والمسيحية. فوقَّعت بروتوكولات تعاون مع ثمانى جمعيات أهلية كبيرة، بالإضافة إلى شبكة كبيرة من الجمعيات والمؤسسات الأهلية المحلية فى القرى، تصل إلى 50 جمعية تنمية مجتمع صغيرة.
فى لبنان أيضًا، ومع بداية الأزمة الاقتصاديّة وبداية الاحتجاجات الشعبيّة فى 2019 عملت بعض المبادرات الأهلية على تقديم المساعدة وتشكيل شبكات للتضامن الاجتماعى، كما برزت مجموعات المتطوّعين لتأمين الغذاء والأدوية للعائلات العالقة فى المنازل فى الأشهر الأولى من جائحة كورونا. فظهرت كثير من المطابخ الجماعية، وعملت هذه المطابخ كخلايا لتنظيم المساعدات من ملابس وأدوية خلال الفترة الأولى من الأزمة، كما تم تأسيس كثير من المبادرات التعاونيّة الّتى هدفت إلى خلق فرص عمل إضافية وتصريف الإنتاج الزراعى المحلى والإنتاج الحرفى، وفى بعض المناطق تطوّرت هذه المبادرات لتؤسس تعاونيّات زراعيّة رائدة فى قضايا السيادة الغذائية والزراعة البيئية. وفى ظلّ انتشار هذه المبادرات والشبكات التضامنية وشبكات المساعدة المتبادلة العابرة للطوائف، بدا أن الحديث عن القدرة على تجاوز العلاقة الزبائنية بين المواطنين والمواطنات وبين المؤسسات الطائفية فى لبنان، على صعوبته، لا يزال ممكنًا.
مدير بحوث برنامج التحولات السياسية بمنتدى البدائل العربى ببيروت