مذبحة الإسكندرية.. المسئولية التائهة - حسام عيسى - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 11:12 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

مذبحة الإسكندرية.. المسئولية التائهة

نشر فى : الأربعاء 5 يناير 2011 - 9:46 ص | آخر تحديث : الأربعاء 5 يناير 2011 - 9:46 ص
لم تكن مذبحة الإسكندرية التى راح ضحيتها حتى الآن 21 مواطنا مسيحيا مصريا هى الأولى من نوعها، وإن كانت هى الأبشع والأخطر من حيث أدواتها ونتائجها الإنسانية، فلقد تعددت فى السنوات الأخيرة الاعتداءات على أرواح وممتلكات الإخوة المسيحيين فى مصر، بشكل كشف بوضوح عن عمق الشرخ الذى أصاب المجتمع المصرى والوطن، رغم استمرار الادعاءات الساذجة من قبل الدولة وموظفيها الأيديولوجيين الذين يملئون الساحة الإعلامية بأن هذه الاعتداءات هى حوادث هامشية لا تمس جدار «الوحدة الوطنية» العتيد، الذى يبقى دائما صامدا.

وفى كل مرة من المرات السابقة كانت ردود فعل النظام القائم وأجهزته ومثقفيه واحدة لا تتغير، كما لم تتغير الحلول المقترحة للخروج من الأزمات التى تحدثها هذه الاعتداءات، ابتداء من إعلان السلطة فى كل مرة أن القلة المنجرفة المسئولة عن الاعتداءات على الأقباط سوف تلقى جزاءها الرادع باعتبار أن المشكلة فى جوهرها أمنية، ثم لقاء القساوسة مع المشايخ وتبادل القبلات وإقامة موائد الإفطار الرمضانية فى رحاب الكنيسة، للدلالة على أن جدار الوحدة الوطنية صلب لم يهتز، فى إعلان واضح عن الطبيعة الدينية للمشكلة التى لا تعدو كونها تفسيرا خاطئا لصحيح الدين، وهى مشكلة لا يمكن حلها إلا من خلال الرموز الدينية المسئولة عن الإبقاء على صحيح الدين.

وكل ذلك فى الوقت الذى يبدأ فيه مثقفو السلطة دعوتهم إلى التنوير باعتبار أن المشكلة فى جوهرها ثقافية، نرجع إلى أزمة العقل فى وطننا.

وهكذا ترى الدولة فى الاعتداءات المتكررة على المسيحيين مسألة أمنية.

وترى أجهزتها الدينية أن المسألة كلها ناتجة عن فهم خاطئ لصحيح الدين يتطلب إعادة أسلمة المجتمع على نحو جديد تتولاه هذه الأجهزة بما لها من احتكار لتفسير الدين، ويرى مثقفو السلطة أن المشكلة تكمن فى الظلام الثقافى والمعرفى، ومن ثم الحاجة إلى التنوير وإعادة صياغة العقل.

ولم يختلف الأمر هذه المرة، وإن كان البعض من ممثلى الدولة وممثلى الإسلام السياسى قد أضاف بعدا جديدا وهو العنصر الأجنبى، لأسباب بديهية لا تخفى على أحد، فالعنصر الأجنبى يحل كل المشكلات ويسمح بنسيان الأمر برمته.. إذ ليس هناك مشكلة فى الداخل، اللهم إلا مشكلة التعاون مع الخارج.. وهى سهلة الحل فى نهاية الأمر.

نعم لم يختلف الأمر هذه المرة بالكامل.. فبعد ساعات قليلة من وقوع المذبحة قادنى حظى العاثر إلى الاستماع إلى برنامج صباح الخير يا مصر فى التليفزيون المصرى حيث دعا البرنامج أحد المشايخ للمشاركة فى التعليق على الحدث، والذى أعلن بالطبع أن الجريمة تمثل خروجا صريحا على تعاليم الإسلام وأن مرتكبها مجرم يحق عليه القصاص.

وعلى الهاتف استضاف البرنامج أحد الباحثين فى علم الاجتماع الذى انتهى فى تحليله السريع جدا إلى أن أسباب الحادث الحقيقية ذات طابع اجتماعى!

وعلق مذيع البرنامج على ذلك بإعلانه أن القضية إذا ذات طابع اجتماعى ثم أعقب ذلك على الفور بقوله: «الآن نعود إلى شيخنا الجليل لنسأله...!...!

وانتهى المذيع الواثق من نفسه جدا وباستعلاء مثير للضحك إلى القول بأن ما حدث فى الإسكندرية من قبل الإرهابيين هو «لعب عيال» لا يمكن أن يمس وحدتنا الوطنية!!

أما الصحافة الملقبة بالقومية، فقد جاءت صفحاتها الأولى مؤكدة أن الضحايا هم من المسلمين والأقباط (لاحظ هنا الأسبقية المعطاة للمسلمين) فى حين أنه لا يوجد حتى الساعة التى أكتب فيها هذا المقال أى دليل على وجود مسلم واحد بين شهداء الحادث، دائما يوجد عدد قليل جدا من المصابين المسلمين، وهو الأمر الذى يعنى أن الصحافة القومية ترى فى هذا الحادث مذبحة عشوائية لم يقصد بها الأقباط، ولكن قصد بها الجميع..!!

وأضافت الصحف القومية أن هناك أدلة على تورط عناصر أجنبية فى هذه المذبحة، وكان ذلك قبل أن تحدد جهات التحقيق من الذى ارتكب الحادث ولا الكيفية التى تمت بها المجزرة. ولم تنس هذه الصحف بالطبع التأكيد على أن المسلمين شاركوا فى نقل المصابين الأقباط، كما لو أن المفروض ألا يفعلوا ذلك.. أو أن القيام بأبسط الواجبات الإنسانية له دلالة معينة.. ولكن صحافتنا القومية رصدت فى ذلك دليلا على أن الوحدة الوطنية بخير...!..!..!

باختصار شديد، ليس هناك جديد تحت الشمس والأيديولوجية الساذجة، والتى تصل أحيانا إلى حد البلاهة، التى تروج لها صحافتنا القومية، مازالت قادرة على إعادة إنتاج ذاتها مئات المرات دون أن يكتشف أصحابها عوراتها وسذاجتها وصحافتنا وبلاهتها.

وهى تفعل ذلك فى غرور وصلف، ولم لا؟ فصحافتنا.. تملك الحقيقة المطلقة باعتبارها جزءا من السلطة التى تملك كل شىء.

والسؤال المركزى الآن هو: كيف تمت أسلمة مصر على هذا النحو، وكيف تمت صياغة عقلها ووجدانها على النحو الذى انتهى بنا إلى هذا الشرخ الهائل فى العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فى مصر وهو الشرخ الذى بات يهدد الوطن؟

أما السؤال المكمل للسؤال السابق فهو: من المسئول عن هذه الأسلمة، وفى إعادة صياغة المفاهيم الأساسية التى حكمت هذه العلاقة لقرون خلت؟

ويبقى بعد ذلك السؤال الأهم: ما العمل، وكيف الخروج من هذه المحنة؟

على هذه الأسئلة يرد التنويريون من رجال النظام ومنظريه بمن فيهم بعض مثقفى الأحزاب الهامشية الموجودة على الساحة، بأن المسئولية تقع على عاتق الجماعات الإسلامية المنتشرة على الساحة الوطنية، وأيديولوجيتها الظلامية التى مسخت الثقافة المصرية ومعها وعى المصريين بالمفاهيم الأساسية للوطن....إلخ.. إلخ إلى آخر الحديث الذى يتردد على أسماعنا منذ سنوات.

أما الحل فهو التنوير..!..! أو بعبارة أكثر وضوحا، الحل يكمن فى ثقافة جديدة تماما تعلى من شأن العقل أمام النقل السلفى الأعمى، وتعيد الاعتبار لكل قيم العقلانية الحداثية وعلى رأسها الحرية والديمقراطية والمواطنة.

القضية إذا وفقا للتنويريين هى فى جوهرها قضية أيديولوجية والحل يبدأ بنقد مفاهيم الأيديولوجية الإسلامية الدارجة فى مصر والتى هى من نتاج الجماعات السلفية على الساحة.

المهم أن هؤلاء التنويريون، ومعظمهم من الماركسيين القدامى الذين أصبحوا بين عشية وضحاها من الليبراليين الجدد، يتناسون واحدة من أهم مقولات الفكر الماركسى، وهى أن نقطة البداية فى التعبير هى نقد الواقع وليس نقد الفكر. وهم لا يريدون ذلك بالطبع، ذلك أن نقد الواقع سوف يدخلهم بالضرورة فى مواجهة مع الدولة، وهم رجالها المخلصون. ثم إن نقد الواقع سوف يؤدى بهم إلى نتائج هم جادون لإخفائها تحت عباءة أيديولوجية التنوير الثقافى الفارغة من كل مضمون.

وأول نتائج نقد الواقع هى أن الدولة فى مصر، منذ اليوم الأول فى عصر السادات وحتى اليوم هى التى تولت وتتولى عملية أسلمة المجتمع بشكلها الحالى ذلك أن أسلمة المجتمع بشكلها الحالى كانت ضرورة أساسية للنظام الجديد الذى بناه السادات والذى قام على استبعاد كل مفاهيم العدل الاجتماعى والاستقلال الوطنى بالشكل الذى كان مطروحا فى ظل مشروع البناء الوطنى الكبير الذى تبنته الناصرية تاريخيا، وهو النظام الذى حاول السادات دعمه فى البداية بالتحالف مع جماعات الإسلام السياسى للقضاء على اليسار الداعم للمشروع الناصرى، والذى اعتبره السادات عقبة أمام المرحلة الجديدة.. مرحلة بناء الرأسمالية الجديدة المتوحشة والتابعة.

كذلك كان هذا التحالف ضرورة للخلاص من المشروع العربى الاستقلالى والمناهض للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما كان يتفق تماما مع توجيهات الإسلام السياسى المتعطش للثأر من الناصرية ولإحلال المشروع الإسلامى محل المشروع العربى.

كما كانت الأسلمة ضرورة لمواجهة غضب الفقراء المتصاعد بسبب السياسات الاقتصادية الجديدة التى تزيد ثراء الأثرياء وفقر الفقراء وهو ما كان يقتضى على المستوى الأيديولوجى استبعاد مفاهيم العدل وتقديس العمل ليحل محلها مفاهيم أخرى مثل الإحسان وما ارتبط بها من ازدهار موائد الرحمن التى نظّر لها الإسلاميون. واستمرت الأسلمة على الطريقة الساداتية فى عصر ما بعد السادات، ويكفى هنا أن أشير هنا إلى الدور الهائل الذى لعبه عدد من المشايخ فى أجهزة الإعلام التى استطاعوا من خلالها الدعوة لمفاهيم جديدة وغريبة لعبت دورا سلبيا فى العلاقة بين المسلمين والأقباط، كما يمكن الإشارة هنا أيضا إلى المناقشات التى دارت فى مجلس الشعب إبان المحاكمة التى أجراها النظام لوزير ثقافته بسبب آرائه عن الحجاب والتى انتهى فيها مجلس الشعب إلى اعتبار الحجاب ركنا من أركان الإسلام وتوبيخ وزير الثقافة.

كما كان رجال النظام من المؤسسة الدينية هم الذين أعلنوا أن التماثيل وعمل الفنانين التشكيليين فى هذا المجال رجس من عمل الشيطان.. لأن التماثيل هى فى نهاية الأمر أصنام وأوثان..!!! ليفتحوا بذلك الباب أما الطالبانيين المصريين لنسف كنوز الحضارة الفرعونية.

ومرة أخرى كان هذا النوع من الأسلمة ضروريا لحماية النظام الجديد نظام رجال الأعمال القائم على النهب المستمر لثروات الوطن وتركيزها فى يد القلة وما صاحب ذلك من تهميش ملايين المصريين اجتماعيا وسياسيا بل إبعادهم بالمعنى الحرفى عن قلب المجتمع إلى عشوائيات مزرية تسود قبل مفاهيم بالغة السذاجة والخطورة مغلفة بغلاف دينى.. من خلالها تم تحديد رؤيتهم للمجتمع والدولة والعدو والصديق.

مفاهيم من خلالها غابت إسرائيل كعدو.. وظهر عدو أو أعداء جدد أصبحوا فى نظر الكثيرين مصدر الخطر على الإسلام.

وفى هذا الإطار غاب الوطن بشكل يكاد يكون كاملا كعنصر محدد للهوية وإطارا لها.. بحيث لم يعد يحضر إلا لماما وفى ملاعب الكرة فقط.

باختصار شديد كانت الأسلمه ولازالت من صنع الدولة وأجهزتها.. ووجدت هذه الأسلمة أرضا خصبة فى مصر نتيجة انغلاق الأفاق السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبالتدريج بدأت الجماعات الإسلامية تجنى ثمار ما زرعته الدولة وتحل محلها فى قيادة عملية الأسلمة إلى آفاق جديدة لم تحلم بها الدولة فقط.
حسام عيسى أستاذ بحقوق عين شمس
التعليقات