عشتُ مع هذا الكتاب أوقاتًا ممتعة، وعشت أيضًا لحظات فاصلة بين الموت والحياة. محور الحكاية شخصية غير عادية، هو الدكتور مجدى يعقوب، جرّاح القلوب الفذ، والعالم الكبير، الباحث دومًا عن الحقيقة، والذى أدرك أن خدمة الإنسانية هى أثمن ما يمكن أن يحققه أى طبيب، وأن المريض يستحق أن تبذل له كل العناية والرعاية المجانية، فى كل زمان ومكان.
الكتاب ترجمة لمذكرات يعقوب التى صدرت بالإنجليزية، من تأليف سيمون بيرسن وفيونا جورمان، ترجمها إلى العربية أحمد شافعى تحت عنوان «مجدى يعقوب جرّاح خارج السرب»، وصدرت عن الدار المصرية اللبنانية، وهى فى رأيى من أهم كتب العام، ونموذجية تمامًا فى مجال كتب السيرة، إذ اعتمد المؤلفان على مادة وفيرة، تضمنت سبعة عشر حوارًا مع د. يعقوب، استغرقت نحو 25 ساعة، ولقاءات مع زملائه وتلاميذه ومرضاه فى بريطانيا وفى أسوان، مع مواد أرشيفية ضخمة، وأوراق بحثية، ومجموعة نادرة من الصور.
لا أحب كلمة «دروس» التى تقترن عادة بالنصيحة، إلا أن الكلمة تفرض نفسها إذا كنا أمام شخصية غير عادية، فالمسألة لا تتعلق بالنجاح فحسب، أو بالإضافة إلى العلم والطب وحدهما، ولكنها مرتبطة كذلك بفلسفة الحياة، وبالفكرة وراء هذا النجاح، وبأدوات وغايات هذا التفرّد.
د. مجدى لم يكن جراحًا متفوقًا فقط، لكنه كان يمتلك أيضًا رؤية شاملة لدوره كإنسان وكعالم وكطبيب.
هنا يجب أن نتحدث عن دروس حقيقية، أولها أن تحدد هدفك، ولا يشغلك أحد عن الوصول إليه، فمنذ أن توفيت عمة الطفل مجدى حبيب يعقوب بمرض روماتيزم القلب، قرر ببساطة أن يكون طبيبًا لأمراض القلب، مجرد رغبة ساذجة بسيطة، بدعم من تفوق دراسى، فى محيط أسرة مثقفة، فالأب طبيب أيضًا، إلا أنه كان يرى أن ابنه مجدى لن يكون طبيب قلب بالذات، لأن هذا التخصص أبعد ما يكون عن تكوين الابن ومزاجه الشخصى، ولكن مجدى لم يترك هدفه أبدًا: حصل على منحة فى كلية الطب، وكان بين العشرة الأوائل، وعندما سافر إلى بريطانيا، تقدم للحصول على ثلاث زمالا? فى وقت واحد، وكانت عينه على مثل أعلى هو طبيب القلب الشهير اللورد بروك، عمل معه، وحصل على ثقته، لم يكن سهلًا أن يحصل الشاب المصرى على وظيفة، ولم يختاروه فى البداية، لكنه وجد أخيرًا مكانه، فتمسك به.
العمل هو الدرس الثانى، فالشغف بالمهنة وحده لا يكفى، وفى الكتاب حكايات مذهلة عن إدمان د. مجدى للعمل، وعدم مجاراة فريقه له، كان ينام أحيانًا فى مستشفى هيرفيلد، التى حوّل قسم القلب المتواضع بها، إلى أحد أكبر مراكز جراحات القلب فى العالم، زوجة د. مجدى الألمانية وأولاده الثلاثة لم يكونوا يرونه إلا فى الإجازات، تقول الزوجة إن الحب الأول لمجدى هو العلم والطب، أما هى فعازفة الكمان المصاحبة، يحكون عن د. مجدى أنه كان ينظف بنفسه حجرة العمليات، ليوفر الوقت، بدلًا من انتظار عمال النظافة، وكان يحمل المرضى بنفسه، إذا تطل? الأمر ذلك، وكان يسافر لإحضار قلوب المتبرعين فى دول أخرى مثل هولندا، ثم يعود إلى المستشفى فى لندن، ليبدأ عملية نقل القلب على الفور، لأن القلب لن يكون صالحًا للاستفادة منه، إذا مرت عليه أربع ساعات.
الدرس الثالث -فى رأيى- هو الابتكار والمغامرة، كثيرون يتحدثون فى الكتاب عن هاتين الصفتين، مضافا إليهما شجاعة اتخاذ القرار، وتحمل مسئوليته، كثيرون يقولون إن د. مجدى كان يجرى العمليات «بعقله قبل يديه»، وكان عالما قبل أن يكون جراحًا، له أكثر من ألف ورقة بحثية، مفتون بالقراءة، وكان له معمل خاص وقت عمله لمدة عام فى أمريكا، كان يبحث دومًا عن طرق غير مألوفة، وعن أفكار جديدة، وله إضافات مشهودة فى مجال نقل زراعة القلب والرئة، وتغيير أوضاع الشرايين، ونقل الصمامات، وعمليات زرع القلوب الصناعية.
الدرس الرابع هو السعى الدائم للوصول للحقيقة، دون بلوغها، هذا هو دور العلم والطب، لفت نظرى جدا إيمان د. مجدى برأى الفيلسوف العظيم كارل بوبر بأن ما يصل إليه العلم ليس هو الحقيقة المطلقة، لكنها «المعرفة الراهنة» التى تنسخها معرفة قادمة، ولفت نظرى حديث د. مجدى عن «ماعت» ربة العلم والمعرفة الفرعونية، التى تهرب وتحلّق بأجنحتها، كلما اقتربنا منها.
الدرس الخامس هو أن الطب فى خدمة الإنسانية كلها، لذلك بدأ د. مجدى نشاطًا جديدًا بعد تقاعده، من خلال سلسلة الأمل، التى أسَّست مراكز للقلب فى دول العالم النامى، ومنها مركز أسوان الشهير، ثم المركز القادم الأضخم فى القاهرة، وفى الكتاب حكايات كثيرة عن علاقات د. مجدى الإنسانية مع مرضاه، واقتران العقل لديه بالعاطفة، وفى الكتاب أيضًا حكايات عن علاقاته مع المشاهير، مثل عمر الشريف، والأميرة ديانا التى كانت صديقة له ولعائلته، والتى كثيرًا ما كانت تذهب إلى قسم الأطفال فى هيرفيلد، تقود سيارتها بنفسها دون حراسة، تزور الم?ضى، وتدعم حملات د. مجدى لجمع التبرعات.
الدرس السادس هو روح الفريق والذكاء الاجتماعى، فالطفل مجدى الذى ظنوا أنه متأخر عقليا فى المدرسة الابتدائية، لأنه لا يتكلم، أثبت براعة فى قيادة فريق كبير، وفى اختيار الكفاءات، وتأسيس المراكز العلمية، وأثبت قدرة مذهلة فى إقناع المليونيرات بالتبرع بالملايين، ويرى صديقه جوردون براون، رئيس الوزراء البريطانى السابق، إن د. مجدى كان سينجح فى أى مهنة يختارها، بما فى ذلك أن يكون سياسيًا، لأنه يتميز بالحكمة وبالقدرة على الإقناع.
ولكن د. مجدى لم يحب السياسة، عشق فقط زهور الأوركيد والتنس والسباحة، وأجرى عملياته الخطيرة على موسيقى باخ وشوبان، وكان ذكيًّا بما يكفى لكى يدرك أنه لا قيمة للفرد، ولا معنى لعبقريته، ما لم تكن فى خدمة الإنسانية.