نمنا ع فورير - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الخميس 3 أبريل 2025 1:22 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

نمنا ع فورير

نشر فى : الأربعاء 15 يوليه 2009 - 7:40 م | آخر تحديث : الأربعاء 15 يوليه 2009 - 7:40 م

 عندما كانت تقلب ناظريها بين مانشيتات بعض الصحف العربية لفتها إعلان كبير بأحد أشهر الصحف اللبنانية يقول «نمنا ع فورير». لم تفهم، أعادت القراءة فاستغلق عليها الفهم مجددا، حاولت تفكيك العبارة كلمة كلمة فقرأتها كالتالى:

(نمنا) وهذا مفهوم، (ع) وهو يفيد على فى اللهجة اللبنانية، ثم (فورير) فما هو يا ترى هذا الفورير؟ استبعدت أن يكون المقصود هو الفراء الذى تتدثر به النساء الأرستقراطيات فى ليالى الشتاء القارص، لسبب بسيط هو أننا فى عز الصيف،ثم إن النساء يتزيَن بالفراء ولا ينمن فوقه أو يفترشنه.

أخيرا أسعفها الأصل الفرنسى لكلمة الفورير بالمعنى المطلوب فقد كان الإعلان عن مسرحية ستعرض قريبا بلبنان تسببFou Rire ــ أى ضحك مجنون أو هستيرى ــ بحيث يكون المقصود هو أن المشاهد سيحظى بمتعة فائقة بمتابعة المسرحية ثم ينام بعدها ملء جفنيه.

من وقت ليس بالقصير هى ترصد باهتمام وقلق تسلل الكلمات المهجنة إلى لغتنا العربية الجميلة، وهى تعنى بالكلمات المهجنة تلك التى تكتب بحروف عربية عن أصل لاتينى إنجليزى أو فرنسى.تستغرب أن تضيق مفردات لغة الضاد بكل ثرائها عن تجسيد المعنى، وتخشى أن تزيد الكلمات المهجنة من اتساع الفجوة بين أبناء البلد الواحد عندما تصبح جزءا من التكوين الثقافى والتعبير اللغوى لطبقة بعينها، وتخشى أكثر أن يتحلل بفعل تلك الكلمات آخر ما تبقى من رباط بين العرب: اللغة.

فى إحدى المرات تبادلت هواجسها مع لفيف من الأصدقاء، وأراحها أنهم مثلها يخشون إقحام الكلمات اللاتينية على تراكيبنا اللغوية، تبادلت وإياهم الخبرات مع هذا النوع من الكلام المكسور وسمعت منهم عجبا. كان بين الحضور صديقة من تونس وراهنت على ذكاء الجالسين فى تبين معنى كلمة (زوفرى) الشائعة فى اللهجة العامية لبلدها، لكن خان الكل ذكاؤهم. قالت الصديقة إن زوفرى هى كلمة منقولة عن الكلمة الفرنسية ouvrier بمعنى عامل، وهى عندما تستخدم فى السياق التونسى فإنها تأتى محملة بدلالات سلبية فى إشارة إلى نوع من التسيب الأخلاقى سواء لرجل أو امرأة فمن أين جاء تحريف الكلمة الدخيلة؟

شرحت الصديقة أن بعض أبناء الطبقة العاملة شاب سلوكهم انحراف، وبالتدريج أصبح انحراف الجزء مبررا للتعميم، ثم نُزِعت الكلمة من مدلولها المهنى وراحت تستخدم للإشارة إلى كل إساءة للأدب.أصبحت للكلمة المستوردة صيرورتها الداخلية وانفصلت عن الأصل وعن اللغة التى اقتحمتها، وبات من المستحيل على غير التونسى أن يفهم معنى (زوفرى) إن استمع إليها مرة بالمصادفة.

هل يُعَد التلاقح اللغوى جزءا ميسرا لحوار الحضارات؟ تلك وجهة نظر لكنها لا تؤمن بها لسببين، الأول أن التلاقح يفيد معنى الأخذ والعطاء، والحاصل هو أن نصيب العرب من هذا التلاقح هو الأخذ. وساعد على ذلك أن عولمة لغة الكمبيوتر أدت إلى استسهال التعبير عن لوازمه بنقل مصطلحاته إلى العربية، وهكذا تشيع فى لهجاتنا العربية أفعال مثل يتيب(من youtube) ويجوجل(من Google) وكلمات من نوع فلاشة أو كى بورد، بل الأرجح أنك إن حاولت ترجمة تلك المصطلحات إلى العربية فاستخدمت لفظة يدردش بدلا من يشيت وفارة بدلا من ماوس فإن البعض قد لا يفهمك. من هنا؛ فإن الدعوة للتلاقح تصبح فى الأساس دعوة للاستقبال وليس للإرسال إلا فيما ندر، فبعض أهل شمال أفريقيا يذكرون باعتزاز كيف اعتمد القاموس الفرنسى الأشهر لاروس كلمة (كيف كيف) المغاربية التى تفيد أن الشىء هو نفسه وأدخلها إلى مفرداته، لكن القاموس الفرنسى أخذ منا مفردة عربية وأعطى العربية كثيرا من مفرداته، فأين هذا من تاريخ الحضارة العربية والإسلامية التى أعطت للحضارة الغربية أسماء العلوم التى أسست لنهضتها كالجبر والفيزياء؟ إجابة السؤال تؤشر لتبادل المواقع بين الحضارات المختلفة.

أما السبب الثانى لرفضها التلاقح اللغوى فهو أنه ليس من شروط الحوار أن يمسخ أحد المتحاورين هويته ليثبت أنه منفتح على الآخر فالفرنسيون والألمان يعتزون بأوروبيتهم، ويتنقلون بحرية داخل منطقة الشينجن من عاصمة أوروبية إلى أخرى، ويدلفون فى المطارات من بوابة خاصة بأعضاء الاتحاد الأوروبى، لكنهم عادة يردون على محادثيهم بالإنجليزية بلغاتهم الأصلية.

هناك بون شاسع بين مشكلات التواصل العربى بسبب تنوع اللهجات المحلية، ومشكلات هذا التواصل بسبب إقحام المصطلحات اللاتينية على تلك اللهجات المحلية. فتنوع اللهجات مظهر من مظاهر الغنى الثقافى لأبناء الأمة، أما استيراد المصطلحات فهو أخطر الواردات كافة لأنك فى اللحظة التى تقرر فيها ألا تستورد السلعة المادية تبدأ بتصنيعها بنفسك أما اعتياد اللسان على الكلام الوارد فمن الصعوبة بمكان تغييره، فلم لا نعيد للغتنا الجميلة اعتبارها ونطورها من داخلها كلما احتجنا إلى تطويرها؟

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات