عنوان المقال مأخوذ عن اسم برنامج سياسى يذاع على قناة النيل للأخبار، وبه أحاول أن أرصد بعض أبعاد المشهد الحالى وأكثرها تعود خيوطه إلى لحظة اندلاع الثورة نفسها ، بمعنى أن الانتقال من ميدان عبد المنعم رياض إلى ميدان العباسية ومن شارع طلعت حرب إلى شوارع ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الشعب هو مجرد انتقال جغرافى من مكان لآخر ، وليس انتقالا سياسيا من مرحلة تاريخية إلى أخرى .
البعد الأول من أبعاد المشهد يتصل بما بدا واضحا من التصميم على محو ذاكرة الوطن. فما بدأ بالتسلل إلى ساحة المتحف المصرى و العبث بذاكرة مصر المجسمة ونهبها ، استمر مع اقتحام مقر أمن الدولة وأقسام الشرطة لإتلاف سجلات مصر السياسية والجنائية ، وانتهى أخيرا بالإجهاز على معظم مقتنيات المجمع العلمى الذى يمثل قطعة فريدة من تاريخ مصر الحديث. ولذلك فإنه رغم كل بشاعة حريق القاهرة فى 26 يناير 1952 الذى طال مئات من المبانى العتيقة فى وسط العاصمة ، إلا أن خسارة المبانى تُعوض أما فقدان الذاكرة فلا. مَثلَ وطن بلا ذاكرة كمَثلَ مريض إلزهايمر يعيش اليوم بيومه ولا يربطه بماضيه و تاريخه شئ .
تتعدد أسباب الطمس العمدى للذاكرة الوطنية : معاقبة المصريين على ثورتهم ، تحريم الآثار ، التخلص من وثائق تدين أصحابها ، الفهم الخاطئ للوطنية إلى حد رفع العلم بيد وإلقاء كرة اللهب على المجمع العلمى باليد الأخرى . لكن أكثر ما يؤلم فى هذا المشهد هو أن تنطوى كتابات بعض كبار مثقفينا على تحريض غير مباشر ضد جزء من تاريخ مصر بوصفه من صنع الاستعمار. وكمثال فإن مقال د. محمد عمارة المنشور بجريدة الأهرام فى 30 نوفمبر الماضى بعنوان « نماذج من الغش الثقافى «وضع الاحتفاء بالمجمع العلمى فى إطار التدليس الثقافى الذى يغفل أن نابليون غزا مصر ليعيد « أحلام الإسكندر الأكبر والملك الصليبى لويس التاسع « . فما هى بالضبط الرسالة التى يبعث بها المقال ؟ نعم جاء نابليون غازيا لكنه أنشأ هذا المجمع العلمى فى 20 أغسطس 1798 ليتضمن أحداث مصر التاريخية ومرافقها الصناعية ، وهو الجهد الذى أسفر لاحقا عن كتاب وصف مصر ، وذلك هو الشق المسكوت عنه فى المقال . ليست كل كرات اللهب إذن مصنوعة من نار فأشد منها فتكا كرات الأفكار .
البعد الثانى هو أن ثمة دورا جديدا للأزهر أخذ يتشكل منذ الأيام الأخيرة لثورة يناير ، وذلك عندما شارك بعض شيوخ الأزهر فى أحداث الثورة فاعتلوا الأعناق وهتفوا ضد مبارك و صلوا بالمتظاهرين أمام ماسبيرو. وعندما وضع الأزهر وثيقته الرصينة كان ذلك يمثل إسهاما سياسيا بالغ الأهمية حاولت به المؤسسة الدينية الرسمية أن تخفف من حدة الاستقطاب المجتمعى ، إلا أنه لأمر غير معلوم لم توضع هذه الوثيقة موضع التنفيذ مع أنها محل اتفاق حقيقى أو مصطنع من باب الحرج. ثم جاء استشهاد الشيخ عماد عفت ، ذلك الأزهرى الثائر الذى لا يفتى إلا بما يؤمن ، اللائذ بالميدان دون ضجيج ، صاحب فتوى تحريم التصويت للفلول ، ورجل الدين المستقل الذى لم يصوت للإخوان والسلفيين كما قالت أرملته الفاضلة ، جاء استشهاده ليقرب الأزهر من المجتمع أكثر من أى وقت مضى . أعادت دماء الشيخ الشهيد وصل المقطوع بين عامة المصريين مسلمين وأقباطا ومؤسسة الاعتدال والوسطية .
البعد الثالث أنه من اللحظة الأولى لاندلاع ثورة يناير وحتى اليوم فإننا نعيش مفارقة هذا بيانها : فى مواجهة الثورة التى هى بحكم التعريف عمل راديكالى بامتياز يتم استخدام وسائل هى أكثر ما تكون تقليدية بل وبدائية إلى حد الفجاجة . بدأ ذلك مع دخول الإبل لأول مرة فى التاريخ المعاصر ساحة الصراع السياسى عبر موقعة الجمل الشهيرة ، وتواصل مع توقيع كشف العذرية على المتظاهرات من حرائر مصر، واستمر مع قذف المعتصمين بجوار مجلس الوزراء بالأوانى و الأثاث من علٍ . كل الوسائل المذكورة تتخذ من العنف خيارا وحيدا فى مواجهة الثوار ، لكن أسوأ أنواع العنف هو ما يتصل بالإذلال وهتك الكرامة . ولهذا أعتبر ومثلى كثيرون أن مشهد الفتاة المسحولة فى شارع قصر العينى وهى عارية الصدر سيظل الشرخ الأكبر فى علاقة المؤسسة العسكرية بالمصريين الذين تربوا على قيمة الشرف، وهذا ينقلنى إلى البعد التالى .
البعد الرابع أن الغرب المدان أبدا من التيار الدينى لكونه يدعو إلى العرى والإباحية ، هذا الغرب نفسه هو الذى رجه مشهد فتاة القصر العينى رجا ، فتصدرت صورتها صفحات كُبريات الصحف فيه والمجلات . وفى المقابل سمعنا كلاما بالغ الرداءة من شيوخ التطرف يتشفى فى الفتاة المسكينة ، ويتناول فى وقاحة يندى لها جبين كل حر تفاصيل ملابسها الداخلية ولونها ، ولم لا وفتاوى الإباحة والتحريم جاهزة فى جيوبهم يخرجونها عند الطلب ، فإذا ما يصلح للغيرة على كاميليا وعبير لا ينطبق على فتاة قصر العينى . ثم بعد ذلك يعطى قطاع من المصريين أصواتهم لأمثال هؤلاء ليجلسوا على مقاعد مجلس الشعب ويشرعون لهم ، فأى نوع من الجنون يلف المشهد الذى نعيش فيه؟
البعد الخامس أن ثمة إرهابا فكريا يٌمارس بحق كل من يجرؤ على القول إن ثمة قطاعا يُعتد به من المتظاهرين والمعتصمين لا شأن له بالثورة ولا الثوار ، وأن فرز الثوار لأنفسهم عن الدخلاء عليهم هو المدخل الوحيد لتبرئة ساحتهم من جرائم « الطرف الثالث» المجهول دائما والمتسبب فى تآكل شرعية الثورة نفسها . لقد كنت يوم السبت الماضى أتابع برنامج « الحياة اليوم « للإعلامية لبنى عسل على شاشة قناة الحياة ، عندما استضافت فى إحدى الفقرات اثنين من الشباب . الأول ينتمى إلى المعتصمين أمام مجلس الوزراء ، والآخر ينتمى إلى ما يعرف بتكتل الأغلبية الصامتة التى ترفض الاعتصام . وعندما سألت المذيعة الشاب الأول عما تردد عن قيام بعض المعتصمين باستفزاز الجنود، رد بالإيجاب مفسرا ذلك بأن بعض المعتصمين يريدون أن يكونوا « مصابى ثورة» . ثم أردف قائلا « النهارده كل واحد عاوز يبقى مصابى ثورة « . هكذا ببساطة ألقى الشاب جملته بما تتضمنه من خطأ نحوى والأهم بما تحمله من مغزى ، ألقاها فى وجوهنا وتركنا نندهش. اكتشفنا معه متغيرا جديدا لم يكن فى الحسبان هو أنه صار هناك عائد مادى للإعاقة . وهكذا أُضيفت للانتهازية السياسية التى تمارسها بعض القوى و التيارات فى توظيف ملف الشهداء والجرحى، انتهازية أردأ بكثير هى الانتهازية الإنسانية . ورغم ذلك إن أنت جهرت برأيك فُتحت عليك أبواب جهنم من كل المواقع الإلكترونية وهُوجمت بعنف دون هوادة .
البعد السادس والأخير هو أننا صرنا اليوم أمام عدد كبير من المبادرات السياسية التى تستهدف الخروج من المأزق الراهن ، ولعل إحداها يحتاج شيئا من الروية وتقليب النظر أكثر من غيرها. جوهر تلك المبادرة لبعض القوى الوطنية هو إجراء انتخابات رئاسية فى الذكرى الأولى للثورة التى تحل فى الشهر المقبل ، وتلك فكرة يستحيل تطبيقها لكن يمكن تطويرها. يستحيل تطبيقها لأننا فى العشر الأواخر من ديسمبر والتركيز كله منصب على المرحلة الثالثة للانتخابات التشريعية ، ثم أن قانون اختيار رئيس الجمهورية لم يتبلور بعد ، ويحتاج المرشحون للرئاسة أن يأخذوا فرصتهم فى الدعاية الانتخابية خاصة إذا ما ظهر مرشحون جدد، وهذا هو الأرجح. لكن الفكرة يمكن تطويرها بمدها زمنيا إلى نهاية شهر مارس . وطالما أن الدستور الجديد قد يغير صلاحيات البرلمان مما يوجب إجراء انتخابات برلمانية جديدة ، فإن القاعدة نفسها يمكن أن تُطبق على الرئيس.
●●●
إذن يحتاج المشهد الممتد من يناير إلى ديسمبر بأيامه القليلة الوامضة وشهوره الطويلة الضاغطة على أعصابنا بكل قوة أن نفكر معا وأن نعمل معا من أجل مصر التى فى خاطرى وفى خاطرك ، وهذا لن يكون إلا حين نُخِلص فى محاولة الخروج من دائرة خبيثة يريد لنا آخرون أن نظل أسراها إلى الأبد .