أهم نوافذ السياسة داخلياً وخارجياً - هدى رءوف - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:18 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

أهم نوافذ السياسة داخلياً وخارجياً

نشر فى : الجمعة 23 يناير 2015 - 8:25 ص | آخر تحديث : الجمعة 23 يناير 2015 - 8:25 ص

كتب على ثورة 25 يناير اختلاف كل ذكرى لها عن سابقتها. حالة السيولة التى نعيشها منذ 2011 للآن جعلت الأحداث متغيرة ومتسارعة. تقترب الذكرى الرابعة لثورة يناير فى ظل سياق مختلف. لدينا رئيس منتخب جاء بعد ثورة أخرى ونحن على أعتاب الاستحقاق الثالث لخارطة طريق هذه الثورة.

هذا إيجابى فى المشهد لكن هناك من المستجدات الأخرى التى تضيف إلى نيران الهجوم على يناير. تأتى ذكراها بعد قليل من إعلان حكم براءة الرئيس الأسبق مبارك ورجال نظامه، ما يوفر فرصة لمزيد من اللعنات عليها من قبل الرافضين لها خاصة فى القنوات الفضائية المملوكة لرجال أعمال محسوبين على النظام السابق.

الحكم وإن كان قضائيا إلا أن له تداعيات سياسية تتجلى فى شعور أعضاء النظام القديم بشىء من رد الاعتبار، وسيتجلى ذلك بوضوح فى الدعاية الانتخابية المقبلة. تتلاحق كذلك الضربات الموجهة لجماعة الإخوان المسلمين داخليا وإقليميا ما يدفعهم للمناورة فى الداخل ومحاولة استغلال ذكرى الثورة لإيجاد أرضية مشتركة للتحاور والتنسيق مع القوى الثورية لتوظيفهم ورفع شعارات وحدة الصف على أرضية الدفاع عن حقوق الشهداء وأهداف ثورة يناير.

•••

انطلقت تونس فى مسارها نحو التحول الديمقراطى، لكننا مازلنا فى تلك الحلقة المفرغة من الدائرية وعدم الحسم لنظل نجادل حتى الآن هل هى ثورة أم مظاهرات أم مؤامرة وهل فشلت أم نجحت.

المؤكد هو أن يناير مثلت لحظة تاريخية جعلتها تمثل ما يعرف فى أدبيات العلوم السياسية بنوافذ السياسة، وتعنى توافر لحظة تشكل فرصة لإدخال إصلاحات على السياسة الداخلية والخارجية. لا ظل من ريب أن 25 يناير مثلت كسر لحالة جمود شاملة عاشتها مصر على مدار الثلاثين عاما الماضية.

•••

داخليا... حقيقة هناك حالة إحباط لدى قطاع من المصريين نتيجة تأثر حياتهم اليومية بفعل الاضطرابات التى عاشتها البلاد وتأخر ترجمة شعاراتها من حرية وعدالة اجتماعية لأجندة عمل حقيقية يستشعرونها، ما جعل البعض يحن لحالة الجمود فى الماضى المسماة استقرارا. إن 25 يناير وان تعثرت لانحراف مسارها نتيجة لدور الإخوان بدعم بقية التيار الإسلام السياسى والذى كان عن حق أحد أطراف الثورة المضادة، إلا أن لها من الإنجازات ما يمكن البناء عليه واستكماله. ما من منكر لفعل الثورة الأولى فى عقل المواطن المصرى وزرع بذور الإحساس بالقدرة على التغيير التى سهلت خروجه مرة ثانية فى 30 يونيو. أصبحت مفردات التغيير والحقوق والعدالة حاضرة فى حل كلا من المواطن والسياسى على السواء. لم تعد أدوات النضال السلمى والاحتجاج قاصرة على القوى المسيسة. ويمكن الاستدلال من مشهد جنازة الطفل عمر بائع البطاطا وموقف الباعة الجائلين فى مواجهة الحكومة حال عدم التزامها بنقلهم لسوق وابور الثلج. لقد تحرك الجمود حتى فى عقل الرافضين ليناير. الوقت هو العامل الرئيسى لتحويل ذلك التغيير فى العقل الجمعى المصرى إلى ممارسة وثقافة راسخة على أرض الواقع. يناير أسقطت حالة تمديد البقاء فى السلطة وما ارتبط به من مشروع التوريث، والسيطرة على مقدرات الدولة وزواج السلطة والمال. ايضا أثبتت التجربة استمرار أزمة الأحزاب السياسية التى سقط مبارك كمعوق لها ولم تفعل من وجودها لتخاطب احتياجات المواطن الحقيقية. يغيب عن الأحزاب التحرك باعتبارهم فواعل فى العملية السياسية التى اتاحتها لهم 25 يناير. كما منحت يناير الفرصة لاختبار الإخوان المسلمين وكشف زيف مشروعهم السياسى، كما كشفت تناقضات الخطاب والممارسة لدى الإسلاميين بعد ممارسة الحكم.

•••

إن أهم مكاسب 25 يناير عن حق، هو اعتبار الرأى العام مكونا فى معادلة صنع القرار السياسى داخليا وخارجيا. فهناك اهتمام بأن يستشعر المواطن على المدى القصير تأثيرات السياسات الحكومية. كما انه فى الوقت الذى فشلت فيه الأحزاب فى اجتذاب المواطنين للعمل الحزبى، مارس هؤلاء المواطنون حقهم فى المشاركة السياسية بعد عزوفهم 30 عاما. نزل المصريون فى كل الاستحقاقات السياسية منذ يناير، لإدراكهم أهميتهم فى التغيير. حتى على مستوى السياسة الخارجية أصبح يعتد بالرأى العام فيما يتعلق بالعلاقات مع الدول الأخرى وخير دليل خروج المظاهرات واقتحام السفارة الإسرائيلية فى أعقاب قتل ثمانية جنود مصريين فى 2011.

فتحت يناير الباب لخروج المصريين على زواج المال بالسلطة وللخروج الثانى على زواج الدين والسياسة ومحاولة اللعب فى الهوية.

•••

خارجيا.. ما من شك، حولَ إسهام الأوضاع الجغرافية والتاريخية والثقافية والديمغرافية لمصر فى جعلها لاعبا رئيسيا فى محيطها العربى والإقليمى. أسهمت هذه الأوضاع فى تعدد دوائر الحركة للسياسة الخارجية المصرية. كل ذلك انعكس فى الاهتمام الإقليمى والدولى بما يجرى داخلها. من هنا كانت 25 يناير إحدى نوافذ السياسة التى خلقت فرصة لمتخذى القرار فيما بعد لانتهاج سياسة خارجية مصرية جديدة تتلاءم وروح الثورة والخروج على سياسة مبارك التى ارتبطت بمصالح ضيقة همشت الدور المصرى وجعلته فى أدنى حدوده لصالح تنامى دور القوى غير العربية فى المنطقة. ثمة تغيير تنبأ به كثيرون فى البداية مع تولى الدكتور نبيل العربى وزارة الخارجية. ومجموعة من التصريحات والتحركات جعلت الجميع يرى أن تغيرا قد بدأ يطرأ عليها وهو ما بدا على عدد من الأحداث وقتها كالمصالحة الفلسطينية والسماح بمرور سفينتين إيرانيتين فى قناة السويس. ومع مجىء الإخوان للحكم، أثبتت براجماتيتهم ان هناك إطارا عاما للسياسة الخارجية المصرية حافظوا عليه ولم ينقلبوا على ما كان مثار انتقاد لسياسات مبارك فى علاقته بإسرائيل والولايات المتحدة.

•••

ارتبطت كل من سياسة مبارك والإخوان، فى علاقاتهم الخارجية بمصالح ضيقة إما دعما لمشروع شخصى أو مشروع جماعة. وهو ما يتحرر منه صانع القرار الحالى، فالرئيس عبدالفتاح السيسى ليس لدى جماعة وعشيرة يدين لها بالولاء وليس لديه مشروع شخصى. ما يعنى مزيدا من الحرية لحركة السياسة الخارجية المصرية. نعم هناك ثوابت ومحددات للمصالح الوطنية المصرية، وهناك ارتباطات دولية راسخة عبر السنوات ولا يمكن الحديث عن تغيير ثورى فى السياسة الخارجية المصرية. إلا ان المستجدات الإقليمية تفرض على الدولة أن تكون فى حالة تكيف معها. وقد أثبتت كل من ثورتى يناير ويونيو محورية تأثير الدور المصرى. فمصر التى ساهم صعود الإسلاميين للحكم فيها فى تعزيز المشروع الإسلامى فى المنطقة هى أيضا التى سقط من خلالها هذا المشروع.

•••

الدولة المصرية ذات كيان ومصالح، الكيان ثابت عبر الزمن إلا أن المصالح تتغير وعليه ان تتغير السياسة الخارجية استجابة لتلك المصالح والمحددات الداخلية والخارجية. صحيح تفرض الأوضاع الداخلية قيود على حركة صانع القرار إلا أنه لا يمكن تجاهل البيئة الإقليمية وضرورات إحياء دور مصرى فعال فى قضاياها. واتباع سياسة أكثر تنوع وتوازن واستقلالية وهو ما نلمسه فى العلاقات بين مصر وروسيا والتى لا تعنى كما روج البعض لأن يكون انقلابا فى العلاقات المصرية الأمريكية، لكن من المهم ان تتنوع البدائل والخيارات لدى مصر والانفتاح على جميع القوى الصاعدة.

إن أهم أدوات الدور المصرى فى ظل غياب القدرات الاقتصادية، هو القوة الناعمة المصرية والتى اختفت تماما. لذا لابد من استعادتها وهذا لن يتأتى بالحديث الإعلامى عن الأمجاد ووجوب احترام الشقيقة الكبرى، فالقوة تخلق الحق وتحميه. لذا لابد ان ننطلق من الدور الذى يفرضه الواقع الجيوستراتيجى لمصر وتحديد رؤية لما ينبغى أن نكون عليه خلال السنوات المقبلة، وأن تكون التكتيكات والتحركات على المدى القصير لمصلحة استراتيجية مصرية طويلة الأجل.

من المهم التأكيد على مغزى قرار الرئيس السيسى بإصدار قانون يجرم الإساءة للثورتين رغم تحفظ البعض على الفكرة. فالهجوم على 25 يناير لن يؤدى إلا إلى خلق استقطاب جديد بين ثورتى 25يناير و30 يونيو، إضافة لحالة الاستقطاب الحادة التى تشهدها البلاد بعد إسقاط حكم الإخوان. خاصة ليس لدينا رفاهية تحمل مزيدا من التشرذم والتفكك.

هدى رءوف باحثة متخصصة في الأمن الإقليمي
التعليقات