عادة ما تجرى أى انتخابات فى العالم على خلفية حزمة من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تحدد مواقف المرشحين إزاءها مراكزهم الانتخابية، خاصة حين يتوفر الإعلام الحر الذى يصل بآرائهم إلى جمهور الناخبين، ويتوفر الوعى السياسى لهؤلاء الناخبين لكى يبنوا خياراتهم الانتخابية على أساس البرامج والأفكار. فى مصر تدور انتخابات الرئاسة الحالية على خلفية جدل مجتمعى يكاد يتمحور حول قضية واحدة متعددة الأوجه: هى القضية الدستورية. فهناك جدل حول الإعلان الدستورى المكمل الذى يأتى لإصلاح خطيئة الإعلان الدستورى الأول، فإذا هو يزيد الأمر تعقيدا، ويفتح مستقبل وضع الدستور الجديد على المجهول. فمع أن أحدا لم يكن يرضى أن يتم « سلق « الدستور الجديد فى أسابيع قليلة، إلا أنه فى الوقت نفسه يعد إصدار إعلان دستورى مكمل لمواجهة كارثة انتخاب رئيس بلا صلاحيات، يعد تحريرا لعملية وضع الدستور من أى مهلة زمنية مقيدة. إذ أنه بعد صدور الإعلان يمكن القول ها نحن قد صار لدينا رئيس جمهورية منتخب، ولدينا برلمان منتخب، ولم نعد نحتاج فى الخطوة القادمة إلا لانتخاب المجالس المحلية، ثم نضع الدستور «براحتنا». وهكذا نتحرك خطوة أخرى فى الاتجاه الخطأ، وتلتف الساق على الساق، خصوصا مع تعثر محاولات الاتفاق على تشكيل الجمعية التأسيسية. هناك أيضا الجدل الذى ثار حول نص المادة 28 من الإعلان الدستورى الذى يتعلق بتحصين قرارات لجنة الانتخابات الرئاسية، وكذلك الطعن فى تشكيل هذه الانتخابية ذاتها، وكلاهما لم يفض إلى شئ. وأخيرا فإن هناك الجدل الذى ثار حول تشكيل المحكمة الدستورية واختصاصاتها لاستباق الحكم المنتظر بعدم دستورية قانون انتخابات مجلسى الشعب والشورى، والجدل حول تعديل مواد من قانون الانتخابات الرئاسية.
يٌلاحظ على الجدل السابق أنه كان يجرى فى واد بينما أن محاورات المرشحين الرئاسيين، ومناظرات البعض منهم كانت تجرى فى واد آخر تماما، ويمكننى أن أزعم وقد تابعت أكثر تلك اللقاءات أن قضية العلاقة بين السلطات الثلاث كانت أقل القضايا التى تم التعرض لها، وحيثما تم التعرض لها كان يأتى ذلك فى سياق العبارة الفضفاضة «الفصل أو التنسيق بين السلطات». يلاحظ أيضا أن المحكمة الدستورية العليا كانت موضوعا لبعض تفاصيل هذا الجدل كما فى المطالبة بإعادة تشكيلها، وكانت فاعلا فى البعض الآخر من تلك التفاصيل كما فى حكمها الخاص بالنظر فى تعديلات قانون انتخابات الرئاسة. يلاحظ ثالثا أن الجدل الدستورى كان ينصب على الأقل فى جانب منه على ترتيبات المشهد الانتخابى الحالى، وهذا يعنى أن غموضا ظل يلاحق مستقبل لجنة الانتخابات الرئاسية ومستقبل أعضائها حتى اللحظات الأخيرة. وهذا بالتأكيد مشهد انتخابى لم تألفه مصر من قبل، وأظن أيضا أن بلدا سواها لم يشهده.
●●●
الملمح الآخر للبيئة التى تجرى فيها انتخابات الرئاسة هو التعدد الحقيقى والتنافس الشديد فيما بين المرشحين. ولأنه لا توجد فى تاريخ مصر انتخابات تنافسية إلا من الناحية الشكلية فى انتخابات 2005 فدعونا نقارن خريطة المرشحين الرئاسيين فيها بخريطة مرشحى الرئاسة فى عام 2012. وسوف نجد أولا أنه كان بين المرشحين فى 2005 الرئيس السابق، وفى ظل غياب ثقافة الديمقراطية انحازت أجهزة الدولة التى يسيطر عليها الحزب الحاكم لصالح رئيس الحزب وهو نفسه رئيس الجمهورية. فى انتخابات 2012 لا يوجد رئيس وبالتالى انفتحت القنوات الفضائية على مصراعيها أمام المرشحين ليعرضوا برامجهم، فيما توارى التلفزيون الرسمى للدولة. سوف تجد ثانيا أنه مع الرئيس فى انتخابات 2005 تنافس تسعة مرشحين يمثلون أحزابا لم يسمع عنها أحد باستثناء حزب الغد الذى مثله أيمن نور وحزب الوفد الجديد الذى مثله نعمان جمعة، ولم يكن بين المرشحين إسلاميون لأسباب مفهومة. الآن ومع تصدر الإسلاميين المشهد السياسى، يتنافس مرشحون إسلاميون ثلاثة على منصب الرئيس، ويتوزع المنافسون الثمانية الآخرون على التيارات الليبرالية واليسارية والقومية. لكن الفارق الثالث والأهم أنه فى عام 2005 ونتيجة شكلية المنافسة الانتخابية كان فارق الأصوات مهولا بين الرئيس الفائز بـ88.571 % وأيمن نور الحاصل على المركز الثانى بنسبة أصوات تصل إلى 7.577 %. أما فى الانتخابات الرئاسية الحالية فإن المنافسة حقيقية بل شرسة بين المرشحين إلى حد يجعل مسألة فوز أى منهم من الجولة الأولى أمرا بعيد المنال. ولو أخذنا نتائج انتخابات الرئاسة فى المهجر كمجرد مؤشر للاسترشاد به سوف نجد على سبيل المثال فى الولايات المتحدة أن نتائج المرشحين الخمسة الأوائل شديدة التقارب كما يلى: أبوالفتوح 386 صوتا، حمدين صباحى 219 صوتا، عمرو موسى 211 صوتا، أحمد شفيق 126 صوتا، محمد مرسى 91 صوتا. جزء من هذا التقارب أن هناك أكثر من مرشح يشتغلون على المشروع السياسى نفسه الأمر الذى يؤدى إلى قسمة أنصار هذه المشروع على عدة مرشحين، وفى هذا بالتأكيد تفتيت للأصوات بعد تعثر كل محاولات التنسيق بين أصحاب المشروع الواحد، فكل مرشح لا يرى نفسه إلا الرئيس.
●●●
الملمح الثالث لتغير البيئة التى تجرى فيها الانتخابات الحالية مبعثه الناخب، سواء من سيشارك أو من قرر المقاطعة. على مستوى المشاركين اجتذبت الانتخابات لأول مرة بعض المواطنين الذين لم يسبق لهم التصويت فى الاستفتاءات الرئاسية وانتخابات 2005، ببساطة لأنهم لم يكونوا على علم بأن لهم الحق فى التصويت. ما أقوله لا يدخل فى باب المبالغة لكنه حصيلة سؤال وجهته لعديد من الأشخاص البسطاء عن مرشحهم للرئاسة فجاءنى ردهم : وهل لنا الحق فى انتخاب الرئيس؟ الإجابة التى صدمتنى لأول مرة قبل أن أعتادها تعنى أن بيننا مصريين أبا عن جد لا يحملون إلا هوية هذا البلد وربما لم يبارحوه قط إلا لأداء عمرة أو حج، ومع ذلك يعتقدون أن سقف حقوقهم السياسية هو قبة البرلمان، بمعنى أن لهم حق انتخاب أعضاء مجلس الشعب أما الرئيس فلا. وبالتالى فأن يسترد هؤلاء المواطنون حقوقهم السياسية كاملة، ويؤكدون فى اللحظة التى يغمسون فيها أصابعهم فى الحبر الفوسفورى أن أصواتهم مرجحة ومؤثرة، أن يحدث ذلك فإنه يستوجب احتراما بلا مدى لكل من دفعوا حياتهم وأبصارهم أوضحوا بعزيز لديهم حتى نعيش هذه اللحظة.
أما على مستوى من قرروا المقاطعة، فمع أن تلك المقاطعة كانت سلوكا اختياريا مارسته أغلبية الشعب المصرى قبل الثورة، ومع أن تلك المقاطعة كانت مُفعلة بدليل تدنى نسب التصويت فى الانتخابات وآخرها انتخابات الرئاسة فى 2005 التى وصلت مع التهويل إلى 23%. لكن المقاطعين لم يمثلوا تكتلا سياسيا ولم يعتنوا بالدفاع عن موقفهم فى مواجهة الرأى العام، باختصار لأن من شاركوا ربما ودوا اللحاق بهم إلا أن المال أو المصلحة السياسية منعاهم. اليوم الوضع يختلف، أسس قطاع كبير من الناشطين السياسيين والفنانين والشخصيات العامة جماعة أطلقوا عليها اسم « مقاطعون» ،وهى جماعة تنشط بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعى، وتتعدد أسباب اتخاذها قرار المقاطعة ومن بينها: وجود رموز للنظام السابق بين المرشحين، وإتمام الانتخابات فى وجود المجلس العسكرى، والثقة فى تزوير النتائج الانتخابية، وعدم وجود مرشح مناسب. وقد أصدرت هذه الجماعة بيانا باسمها وأعلنت عن مؤتمر يشرح موقفها. ومن دون أن يكون لأى أحد التعليق على قرار ناخب بالمشاركة الانتخابية أو بالامتناع عنها، إلا أن كثيرا من الحجج التى يستند إليها منطق المقاطعة مردود عليه. فكون لا يوجد مرشح مناسب فما منع المرشحون المناسبون من أن يسحبوا أوراق الترشيح ودخول حلبة المنافسة بواسطة حزب ذى مقعد واحد فى البرلمان كحال بعض المرشحين الحاليين؟. وكون هناك خشية من التزوير فتلك الخشية قائمة فى كل الأحوال، والحل ليس بالمقاطعة بل بالمراقبة، وأظن هذه هو الرد نفسه على رفض الانتخابات فى ظل وجود المجلس العسكرى. أما كون هناك مرشحون محسوبون على النظام السابق فهذا أغرب منطق، ففى مقابل ناخب يخلى مكانه اعتراضا على هؤلاء المرشحين يوجد ناخب آخر يثبت حضوره تأييدا لهم، ومعنى ذلك أن المقاطعة تعزز فرصهم فى الفوز وليس العكس.
●●●
الملمح الرابع والأخير للتغير فى البيئة الانتخابية هو الاهتمام الإقليمى والدولى الفائق بنتائج الانتخابات الرئاسية، فمستقبل مصر مؤثر على مستقبلات أخرى كثيرة. ويجسد هذا الاهتمام الخارجى بالانتخابات الرئاسية المصرية حرص منظمات كالجامعة العربية والاتحاد الأفريقى والاتحاد الأوروبى على مراقبتها، وتدشين باكورة أعمال شبكة سكاى نيوز العالمية نشاطها فى مصر بتغطية مجريات العملية الانتخابية، هذا طبعا دون الحديث عن التغطية الكثيفة من شبكات وقنوات فضائية راسخة عديدة، وكلنا أمل فى أن تنقل صورة تليق بثورة مصر لكل من يريد أن يطل علينا من الخارج.
●●●
أن تؤمن مثل بعض المرشحين بأن الرئيس المقبل سيؤسس جمهورية ثانية باعتبار أن المرحلة بين 1952 و2011 تعبر عن جمهورية ذات ملامح مشتركة، أو أن تؤمن مثل البعض الآخر منهم بأن الرئيس القادم سيقيم جمهورية ثالثة على أساس أن مشروع عبدالناصر مختلف بالكلية عن مشروع السادات ومبارك بما لا يمكن معه جمع ثلاثتهم فى جمهورية واحدة. أن تؤمن بهذا الرأى أو ذاك فأظن أن ثمة اتفاقا على أن انتخاب الرئيس الخامس لمصر بكل ما أحاط به من مؤشرات التغيير إنما يمثل نقلة نوعية فى تاريخ التطور السياسى لمصر الثورة.