فى تغطية الأحداث التى شهدتها الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير نشرت وسائل التواصل الاجتماعى صورة لطفل فى السابعة أو الثامنة من عمره يقبل يد جندى يقتاد أمه المُشاِركة فى مظاهرات الإخوان ومن يواليهم. ألقت الأم بطفلها فى هذا الجو المشحون بالغاز ودخان الإطارات المحترقة والكثير من الخطر، جعلته فى مرمى الشماريخ والمولوتوف والرصاص الحى، وحملته فوق طاقته عندما أدخلته عالم الكبار، وحشت رأسه الصغير بمصطلحات قاموس لا تمتّ لكلماته البسيطة بشىء. الصورة التى انتشرت انتشارا واسعا لا تدرى وأنت تشاهدها هل ترثى للطفل الذى يجد أمه تتسرب من بين يديه وتذهب إلى حيث لا يعلم، أم تصب جام غضبك على الأم التى أكرهته على هذا الوضع وجعلته يتصور أن تقبيل يد الجندى ستخلى سبيلها مهما اقترفت من جرم أو جنت يداها من إثم؟
•••
إن المصريين عندما بدأوا تعاطى السياسة على أوسع نطاق منذ ثورة يناير 2011 لم يتورعوا عن الزج بالأطفال إلى آتون صراعاتهم، فالأطفال أسهل تشكيلا وأيسر استغلالا وأكثر طاعة (هل هذا صحيح؟). على أية حال فلقد شهدنا على مدار ثلاث سنوات ألوانا مختلفة من الإتجار السياسى بالأطفال، يكاد الصغار يتصدرون أغلب المظاهرات يرشقون قوى الأمن بالحجارة وهم يغطون وجوههم بالكوفية الفلسطينية أو قناع فانديتا، يكرون ويفرون ويرفعون علامة النصر على وهج النيران المنبعثة من أطر السيارات. يأتى يوم من أيام شهر فبراير 2013 وقد سقط عمر ابن الثلاثة عشر عاما صريع رصاصتين إحداهما استقرت فى القلب والأخرى كمنت فى الرأس. لم يجد عمر أو بائع البطاطا، كما صار يعرف لاحقا، من يزجره ويدفع به بعيدا عن دائرة الخطر أو صُرَة البلد المتنازع عليها بين تيارات بعضها ينتسب للدين والآخر ينتسب للدنيا، لا بل المؤكد أن عمر وجد فى بيته من يشجعه على أن يمضى بعربته إلى حيث الرواج والضوضاء والرزق، كما وجد أيضا من يطلب فى الميدان بضاعته بإلحاح فثمنها بخس وبائعها قليل الحيلة، عمر ليس مجرد حالة لكنه ظاهرة.
•••
وبعد الثلاثين من يونيو استبيحت المدارس كما لم يحدث من قبل، وشهدنا فى محيط رابعة كيف تحولت «دور العلم» إلى مساكن يأوى إليها المعتصمون ويربطون فى أسوارها المواشى لتقام عليها الولائم الليلية يتحلق حولها الصائمون مع انطلاق مدفع الإفطار، وكأن مدارسنا كان ينقصها شىء من أسباب الدمار. أما الأسوأ على الإطلاق فكان الاجتراء على اليتم وتوظيف أطفال الملاجئ فى أغراض الدعاية السياسية، حدث هذا فى ميدان رابعة حين حمل الصغار أكفانهم وعلى ظهورهم كُتبت لافتة مشروع شهيد، وحدث أمام مبنى المؤتمرات عندما ارتدت الصغيرات ثياب وصيفات الشرف فى أفراح الأغنياء وتقدمن الصفوف بلافتات تدعو لترشيح عبدالفتاح السيسى للرئاسة، والأرجح أن هذا المشهد تكرر فى أماكن أخرى بتنويعات كثيرة لصالح هذا الطرف أو ذاك، أما السؤال الأهم فيبقى : إذا كان هذا ما ظهر من استغلال الطفولة إلى العلن فما بال ملاجئ الأيتام من الداخل؟. جُرم مضاعف وتفكير شيطانى.
•••
ظاهرة توظيف الأطفال فى النزاعات السياسية عموما، والنزاعات المسلحة خصوصا، ظاهرة منتشرة فى العديد من دول العالم. يشمل هذا التوظيف إشراك الأطفال فى الحملات الانتخابية والمظاهرات السياسية وتحويل المدارس إلى مخازن سلاح بل ومقابر جماعية إن لزم الأمر كما حدث فى كوت ديفوار بعد أزمة انتخابات 2011، واستخدامهم فى زرع أجهزة التفجير وتنفيذ الهجمات الانتحارية وتجنيدهم فى الشرطة وأيضا فى الجيش كما يحدث فى أفغانستان وميانمار والصومال، وتكليفهم بأعمال التجسس ونقل الرسائل وحراسة نقاط التفتيش كما ينتشر فى سيراليون وتشاد، واتخاذهم دروعا بشرية كما هو شأن سوريا أو اختطافهم للضغط على الخصوم السياسيين كما هو حال اليمن. يقترن ذلك على الأرجح باغتصاب جنسى يتخذ أحيانا طابعا جماعيا، وتصدر أحكام وتتخذ إجراءات لإعطاء الانطباع بملاحقة الجناة لكنهم يظلون فى مواقعهم الرفيعة نفسها كما حدث بالكونغو الديمقراطية. وفى كل عام تقوم الأمم المتحدة بنشر قائمة سوداء بأسماء الدول التى ترتكب تلك الانتهاكات، والأسوأ أن السياسة لا تكتفى فقط بدفع الصغار إلى صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لكنها أيضا تتحكم فى مواقف القوى الكبرى من الدول المدرجة على القائمة السوداء بحيث تعاقبها أو تعفو عنها لأسباب مصلحية لا شأن لها فى الواقع بأوضاع الأطفال أنفسهم. وكمثال أبقت الولايات المتحدة فى عام 2013 على سوريا والسودان ضمن الدول التى تعاقبها بسبب تجنيد الأطفال فى النزاعات المسلحة بينما رفعت تلك العقوبات عن كل من جنوب السودان واليمن.
•••
وفيما يخص مصر فلقد انتقدت اليونيسيف بشدة الاستخدام السياسى للأطفال فى اعتصام رابعة، وأخشى فيما لو استمرت هذه الظاهرة وتوسع استخدام العنف المتبادل أن يتطور الأمر إلى ما هو أبعد من موقف انتقادات اليونيسيف بكثير. وإذا كانت المادة 80 الخاصة بالأطفال فى مشروع دستور مصر الجديد هى واحدة من أفضل مواد المشروع وأكثرها تفصيلا من باب الحفاظ على مصلحة الطفل الفضلى، فإنها من دون تنزيلها على الواقع والمبادرة بإنقاذ الأطفال لاسيما اليتامى من جحيم السياسة وصراعات السلطة فإنها سوف تتحول إلى مادة بديعة الصياغة عديمة المضمون.