لماذا يكرهونكم؟ - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الجمعة 4 أبريل 2025 12:33 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

لماذا يكرهونكم؟

نشر فى : الخميس 31 يناير 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 31 يناير 2013 - 8:00 ص

فى أعقاب هجمات الحادى عشر من سبتمبر 2001 كان السؤال الذى فرض نفسه بقوة على الإدارة الأمريكية ومراكزها البحثية هو: لماذا يكرهوننا؟ وكان سبب هذا السؤال أن معظم منفذى تلك الهجمات ضد مركز التجارة العالمى ومبنى البنتاجون كانوا ينتمون إلى السعودية الحليف الأبرز للولايات المتحدة فى المنطقة العربية. وأظن أن سؤالا بالمعنى ذاته يجب على جماعة الإخوان المسلمين أن تطرحه على نفسها بعد أحداث الذكرى الثانية لاندلاع ثورة يناير، وهى أحداث شارك فيها قطاع لا بأس به ممن انتصروا لمرشح الجماعة ومكنوه من تحقيق هامش الفوز المحدود جدا على منافسه فى جولة الانتخابات الرئاسية الثانية. لم تكن هجمات سبتمبر هى الأولى من نوعها التى تُوجه إلى المصالح الأمريكية، فهناك سجل طويل من التعديات المماثلة منذ تحولت السياسة الخارجية الأمريكية من مبدأ جيمس مونرو الذى كان يحصر النفوذ الأمريكى فى إطار أمريكا اللاتينية إلى سياسة الاحتواء لجورج كينان التى استهدفت تجفيف منابع النفوذ السوفيتى فى العالم. كذلك لم تكن مهاجمة مقار جماعة الإخوان المسلمين فى عدة محافظات أو موقعها الإلكترونى أو مراكز الشرطة ومؤسسات الدولة التى يحكمها أحد أبرز أعضائها، لم تكن هى الأولى من نوعها فقد سبقتها أعمال مشابهة تكررت على مدار الشهور الماضية. لكن ما حدث فى 11 سبتمبر 2001 وأيضا ما وقع فى 25 يناير 2013 كان يمثل اختلافا نوعيا فى شكل التعبير وطاقة الغضب.

 

•••

 

مثل هذا التشابه فى المقدمات كنت أتمنى ألا يقود إلى التشابه فى النتائج،  وألا تجيب الجماعة على سؤال «لماذا يكرهوننا» كما أجابت عليه من قبل الولايات المتحدة بأن المهاجمين هم حفنة من الإرهابيين المخربين الذين لا تردعهم إلا القوة ولا يزجرهم سوى العنف. لكن ها هو رئيس الدولة وممثل الجماعة فى السلطة يصف أحداث 25 يناير 2013 وما بعدها بأنها ثورة مضادة، ولأنها كذلك قطع الرئيس صمته بعد أكثر من 48 ساعة ومضى يهدد ويتوعد، أعاد فرض حالة الطوارئ التى تخلصنا منها بالكاد وكرر تجربة حظر التجول الفاشلة وترك الخيار مفتوحا على كل الاحتمالات. من الناحية الأخلاقية لا تملك الرئاسة حق إدانة عنف المتظاهرين لأنها لم تُدن حصار المحكمة الإدارية العليا وهى تنظر دعوى جنسية والدة المرشح الرئاسى أبو إسماعيل، أو حصار المحكمة الدستورية العليا لمنعها من أن تنظر فى قضية حل مجلس الشورى، أو حصار دار القضاء العالى قبل ساعات من إذاعة الإعلان غير الدستورى فى نوفمبر الماضى، أو حصار حركة حازمون مدينة الإنتاج الإعلامى.... إلخ. من يملك حق إدانة عنف المتظاهرين ضد وسائل النقل ومنشآت التعليم والسياحة هو ذلك الذى يرفض كل أشكال العنف الموجهة للممتلكات العامة للدولة دون تمييز بين سياق وآخر، ومن يتعدى على استقلال القضاء بالعزل والإقالة ووقف التقاضى فى الدعاوى المنظورة أمام المحاكم ليس من حقه الدعوة إلى احترام أحكام القانون.

 

لن تستطيع الجماعة امتلاك مفاتيح الإجابة الصحيحة على سؤال لماذا يكرهوننا؟ إلا حين تتحلى بشجاعة مصارحة النفس بأن هناك فجوة آخذة فى الاتساع بينها وبين من لا ينتمون إليها فكريا. فعلى الرغم من أن هذه الفجوة نشأت مبكرا منذ اختارت الجماعة طريق الانتخابات أولا، إلا أنها اتسعت بمرور الوقت بفعل الممارسات داخل مجلس الشعب وملابسات تشكيل الجمعية التأسيسية وصنع الدستور، حتى إذا حلت علينا الذكرى الثانية للثورة رأينا عجبا. شباب الجماعة يحتفل بغرس نصف مليون شجرة بينما تجوب المظاهرات المنددة بالجماعة معظم أنحاء الجمهورية، والرئاسة تنتقم من مكتب متهالك ومكتبة فى ضريح عبدالناصر بينما تتوالى المواكب الجنائزية وبعضها تمطره طلقات الرصاص فى مشهد عهدناه فى العراق لا مصر. فأى أولويات للجماعة وأى شهية للزرع والوطن فى مأتم كبير بل أى شهوة للثأر من ذكرى عمرها يزيد عن أربعين عاما بينما لا يجد الشهداء من يقتص لهم؟ الأمثلة السابقة تعكس قطيعة الجماعة عن المشهد السياسى الحالى، كما أن استهداف مدن القناة الثلاث بإجراءات عقابية حصرية وصارمة يعكس قطيعة عن إدراك التكوين النفسى لأهالى تلك المدن التى حمت مصر من العدوان الثلاثى ودفعت بصبر جميل ثمن النكسة فى عام 1967. ولذلك بدا لى منطقيا ذلك الهتاف الذى تردد بميدان الأربعين بالسويس مع بدء كسر حظر التجول، والذى كان يقول « احنا هزمنا العدوان، وهنهزم الإخوان». مثل تلك القطيعة تخصم من الشرعية السياسية للرئيس المدنى المنتخب وهذا هو الوصف الأحب لجماعة الإخوان والسيف المشهر فى وجه كل من يجرؤ على انتقاد سياسات السيد الرئيس. فالشرعية السياسية كما تعلمناها لا هى مقدسة ولا دائمة، هى تعنى خضوع المواطنين إراديا للسلطة ودون حاجة لاستخدام القوة الجبرية، ويحتاج الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين إلزامية السلطة وعدم عنفها إلى التجدد والابتكار فى وسائل التواصل مع الجماهير. وأظن أن أى مراقب لمشاهد الانفلات الأمنى التى تجتاح بر مصر منذ عدة أيام وتصاعد المطالبة بسقوط النظام، يستطيع أن يجادل بقوة فى مدى شرعية الرئيس وإن يكن منتخبا إنتخابا حرا نزيها، فلو دامت الشرعية السياسية لكل رئيس منتخب لما ظهرت أصلا فكرة الانتخابات الرئاسية المبكرة.

 

•••

 

إن أحداث 25 يناير 2013 وما تلاها ليست ثورة مضادة فالثورة لم تنجز أهدافها حتى تُجهض، وكثير من مجريات الأيام القليلة الماضية من أول الحرائق المشتعلة وانسحاب الشرطة الجزئى حتى هذه اللحظة، مرورا بهتاف الجيش والشعب إيد وحدة الذى انطلق من بورسعيد والسويس لأول مرة منذ رحيل المجلس العسكرى، وانتهاء بالخطاب الليلى لرئيس الجمهورية وفرض حظر التجول ثم رفضه والدعوة لحوار وطنى. كثير من تلك المجريات يسحبنا عامين إلى الوراء للحد الذى يختلط علينا الأمر فلا ندرى عن أى يناير نتحدث 2011 أم 2013؟. وعندما يدرك الرئيس وجماعته أن ما يوصف بالثورة المضادة ليس إلا مقدمات لثورة ثانية سيتعين عليهما اتخاذ خطوات من نوع مختلف، بما يدمج القوى السياسية فى صنع القرار، وينجز دستورا يليق بثورة ويحقق وعد العدالة الاجتماعية المفقود.

نيفين مسعد أستاذة بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة جامعة القاهرة. عضو حاليّ فى المجلس القوميّ لحقوق الإنسان. شغلت سابقاً منصب وكيلة معهد البحوث والدراسات العربيّة ثمّ مديرته. وهي أيضاً عضو سابق فى المجلس القوميّ للمرأة. حائزة على درجتي الماجستير والدكتوراه من كليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة – جامعة القاهرة، ومتخصّصة فى فرع السياسة المقارنة وبشكلٍ أخصّ في النظم السياسيّة العربيّة. عضو اللجنة التنفيذية ومجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت. عضو لجنة الاقتصاد والعلوم السياسية بالمجلس الأعلى للثقافة. عضو الهيئة الاستشارية بمجلات المستقبل العربي والسياسة الدولية والديمقراطية
التعليقات