د. عبير بسيوني رضوان: ما بين الإرادة العامة وإرادة المجموع.. شرعية البرلمان وشرعية (الميادين)
آخر تحديث: الإثنين 30 يناير 2012 - 1:36 م بتوقيت القاهرة
منذ التناول القديم للدولة والنظم السياسية ميز جان جاك روسو في كتابه (في العَقد الاجتماعي) ما بين الإرادة العامة general will وإرادة الجميع أو المجموع will of all، ففي حين يسهل الوصول إلى إرادة المجموع (عن طريق الانتخابات) وبالتالي الوصول إلى البرلمانات الشرعية يصعب الوصول عملياً إلى الإرادة العامة التى لا يمكن أن نصل إليها إلا بنبض الجماهير في الشوارع والميادين حتى بتنا نتناحر بين ما وصفه المحللون بشرعية البرلمان وشرعية الميدان (وبالمثل تنافس الميادين: فأي ميدان له الشرعية).
إرادة الجميع أو المجموع هي تجميع لمحصلة الإرادات الفردية وتتضمن ما يريده الفرد لنفسه ومصالحه دون أن تتضمن اعتبارات مصالح الآخرين. وإرادة المجموع هي إرادات متناقضة ومتصارعة، فمصلحة فرد (أو مجموعة) تتصارع وتتعارض مع مصالح آخرين، ومع ذلك فإنه يمكن الوصول –من خلال عملية دمج الإرادات وتوافقها– إلى العناصر المشتركة بين الإراداة الفردية عندما نبتعد عن العناصر الصراعية. ويرى د. مصطفى محمود إن إرادة المجموع هى التى تملأ الفرد بالقوة حينما تنصب فيه.. وهى التى تعطيه القدرة التى يغير بها التاريخ. ويصفها بأنها اليد في القفاز. وهي إرادة عملية يمكن الوصول إليها من خلال انتخابات، وبرلمانات. وهي تمثل "إرادة الأكثرية"، ويمكن بسهولة – ما لم يتم معالجتها- أن تتحول إلى "طغيان الأغلبية".
أما الإرادة العامة، فهي الإرادة الثابتة لكل أفراد الدولة والإرادة العامة ليست إرادة الأغلبية، بل إرادة المجتمع، ويفترض بأن للمجتمع كياناً مستقلاً، تنبع إرادته من تاريخ الجماعة التي تسكنه وحاضرها وتطلعاتها، أي أن المجتمع ككل يخرج من سيطرة الأغلبية إلى وحدة مستقلة، فالإرادة العامة، تراعي الخير العام أو المصلحة العامة، وبفضلها –وفقاً لروسو- يصبح المواطنين أحرارا، وهم ويعبِّرون عن هذه الحرية من خلال القوانين، لذلك جعل روسو السلطة التشريعية في يد الشعب دون غيره، وكل قانون لا يقره الشعب هو قانون لاغ. ولهذا السبب كان التشريع هو الذي ينتج الحركية الديمقراطية، فنفس الفرد (المواطن) هو في نفس الوقت، وبشكل غير متمايز، واحد من الرعايا ومُشرع، وبهذا يجمع بين مفهوم الطاعة والسلطة التشريعية.
وهكذا فمن الإرادة الفردية للجميع تنبثق إرادة عامة هي شيء مختلف نوعيا عن إرادة الجميع، وتمتلك خصائص خارقة، ولا تتوافر الإرادة العامة في مجتمع ما إلا اذا توافرت آلية لِتَوَافق الجماعات، العرقية أو الدينية أو الأيديولوجية، في داخل المجتمع، لكي يتساوى أفراد السلطة وأفراد المجتمع أمام القانون، وبذلك يحلّ القانون محل كل غريزة، وتنجم الإرادة العامة عن مقتضيات العقد الاجتماعي. وعندما تمارس هذه الارادة العامة السلطة تُعرف بالسيادة الشعبية فقد اتصفت السيادة الشعبية بأنها كائن جماعي تمارس الإرادة العامة ولا تقبل التمثيل ولا يمكن نقلها الى أي كان، فهي التي تشكل العلاقة الاجتماعية وتمثل أصل تماسك الجسم السياسي ومصدر تكون الشعب واستمراريته ووجودها ضروري لإنشاء المجتمع وتحقيق المصلحة المشتركة.
وهي سيادة لا تتجزأ لنفس الأسباب التي تجعلها غير قابلة للتنازل، لأن الإرادة إما أن تكون عامة وإما ألا تكون كذلك: فهي إما إرادة الشعب في مجموعه، وإما إرادة جزء منه فقط (حتى لو كان أغلبيته). وفي الحالة الأولى تكون هذه الإرادة المعلنة عمل من أعمال السيادة ولها أن تسن القوانين، وفي الحالة الثانية ليست سوى إرادة خاصة أو عمل من أعمال الإدارة. والمشكلة الأزلية هنا في كيفية ترجمة الإرادة العامة (أو بلغة العصر إرادة الأمة) فحتى "روسو" رفض "الديمقراطية البرلمانية"، ولم يرض بأقل من ديمقراطية مباشرة وقال عن الديمقراطية النيابية في زمانه بأنها ممارسة للحرية "لحظة" انتخاب أعضاء البرلمان؛ وما إن ينتخب الأعضاء حتى يجري استعباد الشعب. فسيادة شعبية بلا ضوابط تخلق سلطة مطلقة تمارس البطش وتفرط في استعمال القوة في علاقة بالمجتمع وأن اعطاء الانسان كامل استقلاليته وحريته وحقوقه واحترام وجوده الشخصي وكرامته يؤدي الى وضع حد للسلطة التي تمارسها هذه السيادة. هكذا تمر السيادة من المجتمع إلى الأغلبية ولترتكز في فئة قليلة وبعد ذلك عند شخص واحد.
والتوفيق بين إرادة الجميع والإرادة العامة يتوقف على وضع ضمانات لتفادي طغيان الأكثرية وحفظ حقوق ومصالح الفئات المختلفة وأقلياتها وهو ذاته في التمييز بين القانون (الدستور) والتشريع (القرارات). فإذا كانت إرادة الجميع –ببرلماناتها- تضع تشريعات الدول، فإن القوانين المنظمة لشكل الدولة وتوازن وفصل سلطاتها وفصل الحكومة المركزية عن الإدارة غير المركزية، وغيرها من القوانين التى تضع عائقا أمام طغيان الأكثرية، يجب أن تخضع للإرادة العامة. وإلا انتقلنا من استبداد الفرد، إلى استبداد الأغلبية، وهذا الانتقال لا يضمن أي شيء، ولا يحقق الأهداف، فالديمقراطية التي تعتبر "طغيان الأكثرية" ميزة، لن تسعى لحلها بل إلى الدفاع عنها وتبريرها باعتبار أن محاولة معالجتها هو لجوء لسلطة من خارج النظام الديمقراطي، أي سلطة غير الشعب، أي سلطة مستبدة في النهاية. وطالما أنه لا يمكن معالجتها- إذا افترضنا أن هناك رغبة في المعالجة- فلابد من القبول بها... لا كأمر واقع فقط، بل كأمر شرعي لأنها "إرادة الأمة".
وهنا يجب إدراك متلازمة الإرادة والسلطة والقوة، فالباحث والناشد للإرادة الجمعية أو الإرادة العامة يهدف لاستحواذ السيادة الشعبية، والبحث عن السيادة هو تعبير عن إرادة القوة لدى الكائن، فيقول نيتشه "رأيت الخاضعين أنفسهم يطمعون إلى السيادة، لأن في إرادة الخاضع مبدأ سيادة القوى على الضعيف، فإرادة الخاضع تطمح إلى السيادة أيضا لتتحكم فيمن هو أضعف منها." وهذا يعنى أن الصراع بين إرادة المجموع والإرادة العامة هو صراع مستمر، ولحظات توازنه هي لحظات معدودة وغير محسومة. وهكذا فلا مبرر لجدلية البحث عن تفوق شرعية ميدان أم شرعية آخر، ويكفي أن نسعى للتوازن والتوافق وإعلاء المصلحة العامة بين شرعية البرلمان وشرعية الميادين كافة.