فجأة وبلا أى مقدمات قد ينهض الإنسان من نومه ويبدأ تلقائيا فى ممارسة طقوس الصباح التى تعودها فتفاجئه مشاعر مباغتة لا يتبينها لكنها تعصف بتوازنه تدور به الدنيا فيترنح تحت وطأة المفاجئة القاسية وقد يسقط قبل أن يمكنه تدارك الحدث الذى داهمه. إنه الدوار الذى قد يظل الإنسان يعانى من الخوف من تكراره أكثر مما يحدثه من أثر فيبقى هاجسا يلازمه كانتظار البلاء الذى هو أشد وطأة من وقوعه.
• يحدث الدوار نتيجة خلل ما فى التوافق بين سيال الإشارات المستمر الصادر عن الأذن الداخلية المسئولة عن توازن الإنسان وجهاز البصر والجهاز الحسى الموزع بين الجلد والعضلات والمفاصل. بمعنى آخر هو خلل فى منظومة الحركة التى تلعب فيها الأذن الداخلية دور قائد الأوركسترا لفريق يضم العين والجلد والعضلات والمفاصل فتضطرب النغمات ويعلو اللحن النشاز. لكن اللحن الأساسى سرعان ما يعود بفضل تدارك ذكى من قائد الأوركسترا.
• يظل الدوار مشكلة حقيقية للكثيرين رغم أنه نادرا ما يتم عن مرض إذ إنه طبيا يقع فى قائمة الأعراض لا الأمراض. لكن ما ينجم عنه من أخطار كالسقوط المفاجئ وما يتبعه من إصابات خاصة لكبار السن أو من يعيشون بمفردهم وهم كثيرون فى المجتمعات الغربية يجعل منه عرضا مهما يجب علاجه.
• تختلف حدة نوبات الدوار وفقا لأسبابها وملامساتها فهناك أنواع قد يلازمها مشاكل متعلقة بالسمع أو تنتهى بفقدان الوعى تماما منها أيضا ما يتعلق بالمكان لذا فعلاج الدوار يعتمد فى المقام الأول على دقة تشخيص السبب الذى يؤدى إليه ومنها:
١ــ دوار البحر: الدوار الذى ينتاب الإنسان بمجرد صعوده إلى السيارة أو الطائرة أو المركب يمكن تداركه بتفادى تناول وجبة طعام عالية السعرات قبل السفر وتفضل عليها السوائل والفاكهة ومحاولة تركيز الانتباه فى النظر إلى الأمام ومقاومة الشعور بالدوار فإذا لم تفلح الوسائل الطبيعية يمكن اللجوء لعقار الدرامامين.
٢ــ دوار الارتفاعات الشاهقة وينتج الدوار هنا من تناقص الرسائل الواردة للعين لكنها مشاعر سرعان ما تزول إذا ما تمكن الإنسان من مخاطبة نفسه بأنها دوخة مؤقتة ستزول. أما الدوار الذى يحدثه تسلق الأماكن العالية كالجبال فهو ناجم عن نقص الأكسجين فى البيئة المحيطة وبالتالى فى دم الإنسان الوارد للمخ.
٣ــ قد يصاحب الدوار أعراض أخرى لأمراض الجسم عامة مثل حالات قصور وفشل الكبد والكلى وحالات الأنيميا وارتفاع أو انخفاض نسبة السكر فى الدم والتهابات وإصابات فقرات العنق.
يصاحب الدوار أيضا أعراض عدم انتظام ضربات القلب أو قصور عمل شرايين المخ وتصلبها الذى يؤدى بدوره إلى تناقص كميات الدم المحملة بالأكسجين الواردة للمخ.
لذا فعلاج الدوار هنا علاج للسبب الأصيل المرضى ومع علاجه تتحسن نوبات الدوار وقد تختفى بشفاء المريض.
٤ــ لا تخلو أسباب الدوار من مرض وراثى يصيب عائلات دون غيرها وهو تصلب عظمة الركابة فى الأذن الوسطى (المعروف أن الأذن تقسم لمناطق ثلاث: الخارجية، الوسطى، الداخلية) وفيها يعانى المريض من تأثر السمع فى الناحية المصابة ويصاحبه دوار.
٥ــ كل ما يسبب اضطرابات فى مسار الإشارات العصبية الصادرة من الأذن الداخلية إلى المخ ينتج عنه دوار يتكرر بتكرار الاضطرابات أو وجوده بصفة مستمرة مثل أورام المخ أو مسببات الصرع والسكتة الدماغية أيضا الصداع النصفى الناشئ عن خلل فى الدورة الدموية للمخ.
٦ــ هناك أيضا الدوار الذى يرتبط بحركة الرأس وهو معروف لدى كبار السن إذ إن حركة مفاجئة للرأس فى اتجاه اليمين أو اليسار قد تسفر عنها نوبة دوار قوية قد تستمر لدقائق يستعيد بعدها الإنسان ثباته. وقد يفيد فى علاج هذا النوع من الدوار جلسات تدريبية تمارس لفترة طويلة يحرك فيها الإنسان رأسه بتؤده بجهة اليمين واليسار بالتبادل مع العودة للوضع الأساسى الطبيعى للإنسان الجالس مستقيم الظهر فى مقعد مريح.
٧ــ عدوى الأذن الداخلية والوسطى والتهابها وانسداد قنوات السمع من أكثر الحالات المرضية التى يصاحبها الدوار كعرض ربما ظهر قبل الإحساس بالألم أو الطنين الذى يدل على مصدر العدوى لذا فعلاج التهابات الأذن بالمضاد الحيوى المناسب وما يصاحبه من علاج للألم انما هو علاج للدوار أيضا.
٨ــ إصابة عصب التوازن بالالتهاب يصحبه الدوار وان صاحبته أعراض أكثر قسوة مثل الطنين المستمر فى الأذن والألم الحاد الذى ينتشر فى نصف الوجه من الناحية المصابة والصداع أو ضعف الرؤية وربما فقدان الوعى.
٩ــ يظل مرض ما يثير أحد الأسباب المهمة لنوبات الدوار الطويلة نسبيا رغم أن أسبابه إلى الآن مجهولة. يعرف بمتلازمة الأعراض الثلاثة الطنين والدوار ونقص السمع. ويداهم المرض الإنسان بلا مقدمات مرضية تشير إلى احتمال حدوثه إلا أعراض منها الإحساس بأن هناك ما يملؤ الأذن وهو إحساس محير يبعث على الضيق وعدم احتمال أى صوت حول الإنسان وربما صداع بالرأس وإحساس بثقلها. تطول النوبات من دقائق إلى ما يقرب الساعتين زمنا بعدها تهدأ العاصفة وتعود الأمور لنصابها كأن شيئا لم يكن لكن تكرار النوبات بصورة مستمرة فى البداية يحيل صفاء الأيام إلى شقاء ويعيش الإنسان فى حالة ترقب دائم مما يجعله عرضة للقلق وربما مشاعر الكآبة.
يلزم مرض ماينير (الذى سمى باسم الطبيب الذى وصفه لأول مرة) الإنسان فلا يعفيه من صحته إلا بعد سنوات طويلة تقل فيها حدة النوبات وزيادة حدوثها إلى أن تختفى مع الوقت بصورة تلقائية.
• علاج الدوار باستخدام الأدوية التى يبدو مفعولها فى تخدير أعصاب التوازن على المدى الطويل قد تؤجل الشفاء التلقائى الذى يحدث عادة فى النهاية وان كانت تدعم حالة المريض النفسية إذ إنها تقلل من حدة الأعراض.
• زيارة طبيب متخصص للأنف والأذن ممن يهتمون بشأن التوازن من أهم الأمور التى يجب أن يلجأ إليها من يعانى من الدوار بعد تشخيص سليم لسبب الدوار الرئيسى. تمارين التوازن تعيد الأمر إلى نصابه وتعجل بالشفاء التلقائى من الدوار.
يظل الدوار عرضة لمرض يجب أن يرصد بعناية ويتم الكشف عنه وتشخيصه ليعود للإنسان اتزانه وللأرض ثباتها من حوله وتحت قدميه.