دعوة لتقبل المهاجرين ونبذ القوميات المتطرفة.. كتاب جديد يجيب عن سؤال كيف ساهم المهاجرون فى تشكيل الثقافة البريطانية؟

آخر تحديث: الجمعة 4 أبريل 2025 - 6:17 م بتوقيت القاهرة

منى غنيم

فى أوائل الأربعينيات من القرن الماضى، أطلقت دار نشر «كولينز» - وهى واحدة من أكبر دور النشر بالعالم - سلسلة كتب بعنوان «بريطانيا فى صور»، وهى مجموعة من المجلدات الرشيقة كانت تدور حول مواضيع بريطانية أصيلة مثل لعبة «الكريكيت»، وحانات الشوارع ، والساعات الإنجليزية، والمستكشفين البريطانيين، وقد كتبها أدباء إنجليزيون بارزون على غرار: جون بيتجمان، وإديث سيتويل، وجورج أورويل.

وبالرغم من أن هذا المشروع يبدو «إنجليزيًا» حتى النخاع، ولكن المفارقة كانت أنه كان فى مجمله مشروعًا أوروبيًا مركزيًا بالكامل؛ وذلك بسبب مساهمة اللاجئين الأوروبيين الضخمة به، والتى كان لها بالغ التأثير فى صياغة الثقافة البريطانية.

ومن أجل تبيان المساهمة الهائلة للاجئين الأوربيين فى تشكيل الثقافة البريطانية، أصدر الصحفى البريطانى ، أوين هاثرلى ، كتابًا جديدًا بعنوان «تأثير الاغتراب» استهله بالحديث عن ذلك المشروع سالف الذكر؛ مبينًا أن معظم العاملين فى تصميم وتحرير وطباعة هذه الكتب كانوا من النساء اللاجئات اللاتى هربن من الدول التى سقطت تحت قبضة الفاشية، بل إن بعضهن كان قد أُطلق سراحهن من معسكرات الاحتجاز فى جزيرة مان خصيصًا للعمل فى هذا المشروع.

وأشار الكاتب إلى أن شركة «أدبرنت»، التى تولت إنتاج وتغليف السلسلة، أسسها الناشران النمساويان وولفجانج فوجيس ووالتر نيورات، والأخير شارك لاحقًا فى تأسيس دار النشر الشهيرة Thames & Hudson مع زوجته إيفا.

ولم يكن هذا المثال سوى واحد فقط من بين العديد من الحالات التى سلط عليها «هاثرلى» الضوء فى كتابه؛ حيث ناقش كيف أعاد اللاجئون الذين وصلوا إلى بريطانيا فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى ترتيب المشهد الثقافى البريطانى، وقال إن بعضهم وصل إلى شواطئ مقاطعة «كنت» فى قوارب هشة - تمامًا كما يفعل بعض المهاجرين اليوم - وبمرور الوقت، أصبح لهم تأثير عميق فى السينما والفن والعمارة والتخطيط المدنى والنشر والبث الإذاعى وأدب الأطفال والتصوير الفوتوغرافى.

بل إن بعض أبرز المعالم الثقافية البريطانية اليوم تعود، جزئيًا أو كليًا، إلى هؤلاء المهاجرين: مثل قاعة المهرجان الملكية، ودار نشر «بنجوين هاوس» والتى تعود أصولها للشركة الأمريكية «راندوم هاوس» التى اندمجت عام 2013 مع مجموعة بنجوين لتشكيل «بنجوين راندوم هاوس» المملوكة لمجموعة «بيرتيلزمان» الإعلامية الألمانية، وحتى كتاب الأطفال الشهير «النمر الذى جاء ليشرب الشاى» مؤلفته جوديث كير ألمانية الأصل.

كما أشار «هاثرلى» أيضًا إلى إنجازات أقل شهرة ولكنها مذهلة: مثل جداريات مركز نيوبورت المدنى، التى وصفها بأنها «كنيسة سيستين للاشتراكية البلدية»، والتى صممها الفنان الألمانى المولود فى فرانكفورت هانز فيبوش بالتعاون مع الفنانة فيليس براى.

وسعى «هاثرلى» عبر صفحات كتابه الجديد إلى استكشاف مسارات المهاجرين من أوروبا الفنية والمجتمعية وتكريم محاولاتهم فى بناء مجتمع أكثر عدلًا واستنارة بعد الحرب العالمية الثانية، ولكنه أيضًا سلط الضوء على كيفية تجاهل إسهاماتهم أو تقليل قيمتها، كما أنه قدم رسالة مهمة حول الحاضر للمجتمع البريطانى؛ ألا وهى: «المهاجرون الذين تخشونهم أو تحتقرونهم بلا داع غالبًا ما يصبحون من أكثر الفئات تأثيرًا فى المجتمعات التى تستقبلهم».

وقد واجه هؤلاء المهاجرون صعوبات شتى فى حياتهم الجديدة آنذاك؛ فبينما وجدوا فى بريطانيا ملاذًا آمنًا، إلا أنهم صُدموا ببرودة الطقس والتحفظ الثقافى والركود الذى كان يهيمن على شوارع بريطانيا فى الثلاثينيات من القرن الماضى.

وقد قادت الصحافة اليمينية حملات كراهية واسعة ضدهم؛ فعلى سبيل المثال؛ هاجم الصحفى جراهام جرين حينها أعداد المهاجرين العاملين فى صناعة السينما عبر مجلة «ذا سبيكتاتور»، بينما نشرت صحيفة «ذا ديلى ميل» مقالات غاضبة تحذر من تدفق اليهود الذين وصفتهم بأنهم «عديمو الجنسية» من ألمانيا إلى جميع موانئ البلاد؛ بل إن أحد القادة العسكريين فى مدينة إيستبورن اقترح أن يُجبر اللاجئون على ارتداء شارات تعريفية، فى حين طالب آخرون باعتقال «الأجانب الخطرين»، مما أدى إلى احتجازهم فى ظروف قاسية أحيانًا.

وقال الكاتب إن اللاجئين واجهوا هذا العداء بطرق مختلفة؛ فبعضهم غادر بسرعة إلى الولايات المتحدة مثل المعماريين فالتر جروبيوس ومارسيل بروير حيث وجدوا فرصًا أفضل، بينما قرر آخرون المكوث وتبنى الثقافة البريطانية حتى أصبحوا من أبرز المدافعين عنها، مثل الأكاديمى الألمانى، نيكولاس بيفسنر ، الذى نشر سلسلة «مبانى إنجلترا»، وكتب دراسة شغوفة بعنوان «الطابع الإنجليزى للفن الإنجليزى».

غير أن هناك فئة قليلة منهم لم تخلع عباءتها، وقررت التمسك بجذورها الراديكالية والسعى لإعادة زراعتها فى التربة البريطانية رغم كونها غير مشجعة أحيانًا. وهؤلاء هم الشخصيات التى وجدها «هاثرلى» الأكثر إلهامًا؛ فذكر على سبيل المثال الفنان الطليعى الروسى ، ناوم جابو، الذى وصفه بأنه «نموذج للحداثى الذى يسهل حبه»، كما وصفه بكونه حلقة وصل حقيقية بين الثورة البلشفية وبرلين الفوضوية من جهة، ولندن وسانت آيفز من جهة أخرى.

وتحدث «هاثرلى» أيضًا عن المصورة النمساوية إديث تيودور-هارت، التى وثقت حياة عمال مناجم الفحم فى ويلز وأحياء لندن الفقيرة، بالتزامن مع عملها لصالح حركة العاطلين عن العمل الشيوعية، وربما حتى لصالح جهاز المخابرات السوفيتية.

وأشار الكاتب إلى أنه ربما كان المثال الأكثر رمزية على تأثير اللاجئين هو مجلة «بيكتشر بوست» التى أسسها الصحفى اليسارى المجرى ستيفان لورانت، الذى كان قد سُجن سابقًا على يد النازيين؛ حيث احتوت المجلة على صور فوتوغرافية مؤثرة لمصورين لاجئين مثل الألمانى بيل برانت، الذى وثق التناقض الصارخ بين الفقر والثراء، والتقط صورًا شهيرة لشوارع الشمال الإنجليزى والاحتفالات القروية والمهرجانات الشعبية.

وقد ساهمت هذه الصور فى خلق مناخ سياسى مهّد لانتصار حزب العمال الكاسح فى انتخابات 1945. وأشادت صحيفة الجارديان بكتاب «هاثرلى» الجديد - والذى اشتهر بكتاباته بصفة عامة عن العمارة - وذلك لسلاسة انتقاله بين السينما والتصميم الطباعى والفن ليقدم كتابًا غنيًا بالمعلومات، وذكرت برغم أنه ليس سهل القراءة، إلا أنه فى مجمله تحليل حاد، ومصدر ثرى بالمعلومات، ورسالة مؤثرة عن الإبداع فى مواجهة المحن. كما أنه رد قوى على الخطابات القومية المتطرفة التى تحصر الهوية الوطنية فى إطار ضيق، متجاهلة التأثير العميق الذى تركه القادمون الجدد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved