خالد محمود يكتب: في ذكرى ميلاده الـ71.. الساحر رضوان الكاشف.. واقعية تستفز الخيال

آخر تحديث: السبت 5 أغسطس 2023 - 11:01 م بتوقيت القاهرة

يبقى المخرج رضوان الكاشف، الذى نحتفى بذكرى ميلاده الـ 71 اليوم، أحد مبدعى السينما ومغامريها الكبار رغم قلة إنتاجه بها «ثلاثة أفلام فقط». ينتمى إلى السينما الجديدة التى حاولت أن تغير من مفاهيمها الشائعة تأليفا وإخراجا ليجىء بنفحة جديدة من الواقعية فيها نوع من السحرية كامتداد مهم لجيل الثمانينيات الموهوب من المخرجين الكبار أمثال عاطف الطيب ومحمد خان وداود عبدالسيد والذى أطلق عليهم جيل الواقعية.

وقفت عند ثلاثيته «ليه يا بنفسج، عرق البلح، الساحر» أتأمل عوالم شخصياته ونظرتهم لأنفسهم ونظريتهم للحياة «البهجة فى عز الألم.. والسعادة تولد من رحم المعاناة»، وجدت أن أهم ما يميز الكاشف هى تلك السينما الحقيقية التى سعى لتقديمها وفلسفته فى الطرح والصورة وتعبيره بجملة الحوار واختيار ممثليه بوضعهم فى أدوار تزيد من بريقهم وتقربهم من جمهورهم كبشر مثلهم يتنفسون هواجسهم وأحلامهم، كشخصية جميلة «شريهان» فى عرق البلح ومنصور «محمود عبدالعزيز فى الساحر، وعيد «حسن حسنى فى ليه يا بنفسج».

تخرج الكاشف من معهد السينما بفيلمه القصير (الجنوبية) وحصل به على جائزة العمل الأول من وزارة الثقافة عام 1988، ليعمل مساعد مخرج فيما يقرب من عشرين فيلما مع يوسف شاهين ورأفت الميهى وداود عبدالسيد، وأيضا مع علاء محجوب، وحيد مخيمر قبل أن يخوض تجربة اﻹخراج فيما بعد ليعبر عن أفكاره ورؤيته للعالم على الشاشة بحرية، وكانت البداية بفيلم «ليه يا بنفسج»، الذى يبهج واقعا أليما ومع ذلك فاضت المشاعر بكل مشهد تنبض بفض الاشتباك بين اليأس والامل. فى الذى احتل المركز 55 فى قائمة أفضل 100 فيلم فى ذاكرة السينما المصرية ورقم 90 ضمن قائمة أفضل 100 فيلم فى السينما العربية، تطرق به مع المؤلف سامى السيوى لعالم هموم ومصائر وإنسانية ودنيا الفقراء والمهمشين الذين يعيشون على حافة المدينة عبر مجموعة حكايات صغيرة لشخصيات تتنافس من أجل لقمة العيش أو المأوى.. تنفذ بصدقها إلى قلوبنا وتخلق فى نفوسنا تعاطفا وجدانيا مع بيئتهم بوصفها جزءا من واقعنا، حيث صور الفيلم حالة من الشجن والإحباط ووأد الأحلام وهو انعكاس للواقع الأليم. ورغم الصراع مع الايام يحتفظون بأرق وأصفى ما فى أرواحهم وجدوا فيها أملا واعدا ولا ننسى كيف صور الكاشف الحارة التى جسدها مهندس المناظر أنسى أبوسيف فى تجسيد الحارة مجتمعا وروحا.

مع فيلم الكاشف الثانى عرق البلح 1998 الذى أصبح من الكلاسيكيات وموضوعه المرأة فى الصعيد الأم المكافحة، الفتاة الحالمة، المرأة المقهورة، الخادمة فى القاهرة، وتبدو تقاليد المجتمع ضاغطة، مع تلك النماذج التى جسدتها شريهان ومحمد نجاتى وعبلة كامل وحمدى أحمد، حاول الكاشف أن يجرب كسر كل أشكال السرد فى الأفلام المصرية كما كتب الناقد سمير فريد الذى نشر له فى كتالوج المسابقة العشرين للأفلام الروائية والتسجيلية حيث عرض الفيلم فى الافتتاح دراسة حول الفيلم أوضح فيه أن المكان الصعيدى شرط يعبر من خلاله رضوان الكاشف عن رؤيته للحياة والعالم.. هنا القرية الصعيدية التى تجمع بين التقاليد الصارمة والفقر الشديد وبين وجودها فى زماننا المعاصر وبعدها عن كل مظاهر الحداثة فى القرن العشرين، ويرى البناء الدرامى للفيلم أقرب إلى التراجيديا الكلاسيكية ـ مقدمة ـ وتمهيد ثم ذروة ونهاية أسلوب الإخراج يحول الواقع إلى أسطورة وهو ما يتناسب مع رؤية الفنان.. يختم بقوله: إننا أمام عمل فنى يثير الفرحة بالجمال، ويعوض عن النقص الكامن فى الحياة. وأذكر أن الدكتور خليل فاضل استشارى الطب النفسى اعتبر فيلم «عرق البلح» أهم فيلم فى السينما المصرية خلال العشرين سنة الأخيرة، وأنه استفاد من تجارب سينمائية أدبية واجتماعية هامة للجنوب المصرى وأنه يقع فى دائرة الأفلام ذات الثقافة الخاصة، ليس بمعنى التغرب أو السحر ولكن بمعنى شدة الخصوصية من تلك المساحات الضوئية والمكانية والمعمارية، الزمانية والعبقرية، وهذا يضيف إلى روعة مخرجه، فخرج لنا بلغة سينمائية خاصة وعالمية، قوية ومتماسكة، معبرة عن الداخل والخارج ـ الوعى واللاوعى ـ عن الماضى والحاضر والمستقبل، لغة متعادلة تغزل وتنسج وتحيك لوحات جميلة تدفع الدمع إلى العين والصرخة إلى الحلق. الفيلم جرىء إلى أبعد الحدود استخدم كل عناصر التعبير السينمائى التقليدى والحديث فى تمكن وهدوء وبلاغة لا يحسد عليها.. ويتمحور حول الجنس، الجنس البشرى والجنس كعلاقة.. عن علاقة الإنسان بجسده.. علاقة المرأة برغباتها.. فيلم عن الهجرة المؤقتة والدائمة.. حدوتة الذى يذهب ولا يعود، أو يعود مضطربا موجوعا متألما.. عرق البلح.. حصد جوائز كثيرة فى مهرجانات محلية وعربية ودولية.. لكنه لم يصل إلى جمهوره.

وفى فيلمه الأخير «الساحر» 2001، اعتمد الفيلم منطقا مغايرا للواقع ولمنطق الأحلام وفق نظرية البهجة حيث تسير الأحداث فى مسار اللاشعور، فالساحر منصور بهجت يجسده محمود عبدالعزيز، يريد أن يدخل البهجة على حياة المهمشين.. بيوت الحى المتداعية تتساند على بعضها بعضا، يتكاتف أبطال الساحر «منصور ونور وشوقية» كى تسير الحياة بحسب شهادة ناقدنا الكبير كمال رمزى ويملأون الفيلم بحرارة الانفعالات المتدفقة بسلاسة.. الفيلم يفيض بالتسامح معبقا بالرحمة، نماذجه تتكئ على بعضها بعضا، كى تتواصل، وتستكمل مسيرة حياتها، وتحقق بهجة الروح ونشوة العقل بين السبب والنتيجة. أحداث الفيلم من وجهة نظر الحلم الذى يسير وفقا لمتطلبات اللاشعور تكتسب تبريرها، ومن خلال هذا المنطق الخاص المثير بالخيال والقابل للتجاوب، يحقق الفيلم للمشاهدين المتعة وكان أداء أبطاله محمود عبدالعزيز ومنة شلبى ملهما.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved