مصطفى جمال المعيد الكفيف.. خطوات على طريق طه حسين

آخر تحديث: السبت 11 أكتوبر 2014 - 4:38 م بتوقيت القاهرة

عزة جرجس

على رصيف أحد الشوارع القريبة من مقر صحيفة «الشروق»، كان ينتظر مصطفى جمال المعيد الكفيف بكلية الألسن جامعة عين شمس، والذي لم يتبقَ أمامه سوى أيام معدودة قبل أن يرحل إلى مدريد فى منحة لدراسة الماجستير.

تواصلت معه هاتفيا لمعرفة مكانه بالتحديد، أجاب قائلا إن صوت السيارة الذي يسمعه عبر الهاتف هو ذاته صوت السيارة التي مرت بجواره الآن، وأنني حتما في الجهة المقابلة منه، رفعت نظرى ناحيته فرأيته، ولكنه كان قد رآني قبل أن أراه.

الحديث مع مصطفى جمال له طابع خاص، فالطالب ذو الاثنين والعشرين ربيعا، درس في مدرسة طه حسين للمكفوفين في الزيتون، مقررا أن يسير على درب طه حسين، عميد الأدب العربي، هكذا كان يرى طريقه مبكرا.

مر بالمرحلة الابتدائية بهدوء قبل أن يعتنق منذ الإعدادية أنه لا فرق بينه وبين أي طالب مبصر، إلا أنه كان عليه أن يضاعف المجهود قليلا، فراح يتصدر قائمة الأوائل على مدرسته، حتى أصبح من أوائل الجمهورية في الثانوية العامة على مستوى المكفوفين، ثم من المتفوقين الأوائل في دراسته الجامعية.

مصطفي جمال مع والديه بعد حفل تكريم أوائل جامعة عين شمس

"ستصبح سعيدا.. هكذا تقول لك الحياة، ولكنها ستعلمك أولا كيف تصير قويا".. جملة قالها مصطفى و يعتبرها مبدأه في حياته، فهو يعرف أن «المطبات» في طريقه ستؤلمه، حتى يكتسب خبرة في تخطيها، ثم يصل إلى هدفه في نهاية المطاف.

بدأت أولى العقبات الحقيقية في الظهور مع المرحلة الجامعية، خاصة مع تبلور حلمه في أن يصبح أستاذا بالجامعة، التحق بكلية الألسن رغم معارضة والديه، اللذان رغبا في أن يلتحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.

"ماما كانت بتقول لي مش هعرف أذاكرلك لو دخلت ألسن".. هذا ما قاله مصطفى، لكنه كان يعشق اللغات، وخاصة الإسبانية، إذ كان مدرس الموسيقى في مدرسته الثانوية ــ الذي علمه عزف الكمان ــ يحدثه عنها دوما.

في الجامعة لم يجد مصطفى كتبا دراسية مطبوعة بطريقة «برايل» الخاصة بالمكفوفين، وهو ما كان متاحا في مرحلة المدرسة، لذا كان عليه أن يندمج مع الطلاب الآخرين، وظهرت أزمة أخرى في أن الكتب تصل للطلبة في موعد متأخر قبل الامتحان بشهرين، فكان عليه أن يقضى وقتا مع والدته ليحاولا معا طباعة الكتب مرة أخرى على طريقة برايل، أو تحويلها لنص «وورد Word» على الحاسب الآلي، ومع الوقت بدأت والدته فى إتقان اللغة الإسبانية التي درستها مع ابنها لأربعة أعوام. حسبما يوضح مصطفى في حديثه.

يتحدث عن إحباطاته المستمرة، ويقول: "طالبنا الجامعة كثيرا بتوفير كتب دراسية للمكفوفين، أو حتى نظام امتحان أفضل، لكن كان كل ذلك دون جدوى". لم يحصل على أقل حقوقه في أن يكون الكتاب الجامعي مطبوعا بطريقة «برايل» الخاصة بالمكفوفين، وفي الامتحانات كان يجلس بجواره طالبا يكتب ما يمليه عليه.

"كنت أنسى أحيانا ما أريد أن أمليه على الطالب الذي يكتب إجاباتي، بسبب طلبه إعادة الإملاء" هكذا يصف مصطفى معاناته في أداء الامتحانات وشعوره أنه لا يمتلك زمام «قلمه».

مع الوقت ضاعف مصطفى من مجهوده، وكان يخرج كل عام بتقدير امتياز، واستطاع أخيرا بعد وصوله للدراسات العليا أن يقنع المسؤولين بأن يمتحن الطلبة على أجهزة كمبيوتر، وكان هو أول طالب كفيف يؤدي امتحانه على جهاز حاسب آلي.

مكفوفون ضد التهميش

رحلاته الدراسية لإسبانيا في صيف كل عام من فترة الجامعة، جعلته يشعر بالفرق بين الحياة هناك وهنا، ففي مصر "المعاقون ليس لديهم أي حقوق"، على حد قوله، مشيرا إلى اجتماعه ذات مرة بأحد المسؤولين عن المعاقين في وزارة التضامن الاجتماعي، ووجده لا يعرف عدد المعاقين بالتحديد في مصر، ناهيك عما يتعرض له المعاقين في طرق تفتقر لإشارات مرور خاصة بالمكفوفين أو أتوبيسات مخصصة لهم.

«درش»، كما يناديه أصدقاؤه، عضو بصفحة «مكفوفين ضد التهميش» على موقع فيسبوك، وهي صفحة نشطة يتابعها حوالي 11 ألف مشترك. دائما يرى المشكلة الرئيسية التي تواجهه هي «عدم وعي» الناس بكيفية التعامل معهم.

"الناس لما بتشوفنا في المترو بيفضلوا يتعاملوا معانا وكأننا مرضى ومينفعش نخرج من البيت أصلا"، يقول مصطفى إنه لا فرق بينه وبين أي شخص آخر، سوى أنه يحتاج فقط لمن يمسك بيديه عندما يعبر الطريق. "في مرة طلبت من أحد المارة أن يعبر بي الطريق، فما كان منه إلا أن حاول أن يحملني على كتفه لعبور الشارع". ويضيف ضاحكا: "إحنا مش عاجزين".

غياب الكتب المطبوعة بطريقة «برايل»

وعن القراءة، يتحدث عن أن الكتب المطبوعة بطريقة «برايل» في المكتبات الكبرى مثل مكتبة الإسكندرية " قديمة جدا" ولم يتم طبع كتب جديدة، لافتا إلى أنه كثيرا ما يرغب في قراءة كتب وروايات عربية، لكنه لا يجدها.

ولدى مصطفى اشتراك في مكتبة إكسفورد البريطانية ومكتبة قرطبة في الأرجنتين، وقرأ الكثير من الكتب بالمكتبتين، فأغلب الكتب متوفرة للمكفوفين، لذا قرأ كتبا بالإنجليزية والإسبانية أكتر مما قرأ بالعربية.

"كنت أرغب في قراءة الموضوع الذي ستكتبونه عني في الجريدة»، يقول متوجها إلينا قبل أن نخبره بأن لدينا تطبيق «اقرأ لي» على «بوابة الشروق»، وأنه يمكنه سماع الموضوع فعلق قائلا: "بس أنا بحب أقرأ ومن حقي أقرأ"، يصمت قليلا ثم يستكمل: "الصحف في إسبانيا متوفرة بطريقة برايل للمكفوفين".

يودعنا مصطفى قائلا: "مبسوط أني شوفتكم"، وقد بدت عليه السعادة، مرجحا أنه لن يتمكن من قراءة هذا الموضوع الصحفي.. ليس فقط لأننا لن ننشره بطريقة «برايل»، ولكن أيضا لأن يوم نشره في الصحيفة، سيكون قد انتقل إلى إسبانيا ليبدأ رحلة تعليمية جديدة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2025 ShoroukNews. All rights reserved