حقق الحزب الديمقراطي فوزًا تاريخيًا في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، مستعيدًا السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في أكبر انتكاسة للحزب الجمهوري منذ نحو نصف قرن، وسط تراجع شعبية الرئيس دونالد ترامب وغضب الناخبين من سياساته الاقتصادية والخارجية.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، أظهرت النتائج الأولية تقدم الديمقراطيين في عدد من الولايات التي لم يحققوا فيها انتصارات مماثلة منذ عقود، إذ فازوا بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية كانساس للمرة الأولى منذ عام 1932، وحققوا انتصارات على مستوى الولاية في تكساس للمرة الأولى منذ عام 1994، وجورجيا للمرة الأولى منذ عام 1998.
ورأت الصحفية أن «الناخب الأمريكي قد وجه صفعة تاريخية للرئيس دونالد ترامب على نطاق لم يشهده العالم منذ عام 1974».
وامتد التحول الانتخابي لصالح الديمقراطيين إلى فئات عمرية واجتماعية مختلفة، إذ أظهرت استطلاعات الناخبين عقب التصويت تراجعًا في تأييد الجمهوريين بين الناخبين من أصول لاتينية والكاثوليك والشباب دون الثلاثين عامًا، مقارنة بانتخابات عام 2024.
وفي المقابل، سجل الجمهوريون انخفاضًا ملحوظًا في معدلات المشاركة الانتخابية بين مؤيديهم، بينما أظهرت نتائج استطلاع أولية أن 60% من الناخبين غير راضين عن أداء ترامب، وأن 81% من هذه الفئة صوتوا لصالح الديمقراطيين.
- الاقتصاد والحرب مع إيران وراء تراجع الجمهوريين
كشف استطلاع للرأي أن الاقتصاد والرعاية الصحية والحرب مع إيران تصدرت اهتمامات الناخبين، في ظل تزايد الضغوط المعيشية وتراجع الثقة في قدرة الإدارة الأمريكية على معالجة الأوضاع الاقتصادية.
ولم تقتصر المكاسب الديمقراطية على أصحاب الشهادات الجامعية، إذ أظهرت النتائج تقدمهم بنسبة 49% مقابل 47% بين الناخبين غير الحاصلين على شهادات جامعية، بعدما كانت هذه الفئة من أبرز الكتل المؤيدة لترامب. كما حققوا تقدمًا محدودًا بين الرجال، الذين منحوا ترامب تأييدًا بنسبة 55% مقابل 43% في الانتخابات السابقة.
وأظهرت استطلاعات أخرى أن الديمقراطيين استقطبوا جزءًا من الناخبين الذين دعموا ترامب في انتخابات 2024، إلى جانب ناخبين لم يشاركوا في التصويت آنذاك. ففي ولايات أيوا وكانساس وكارولاينا الشمالية وتكساس، صوت نحو واحد من كل عشرة ناخبين سبق أن أيدوا ترامب لصالح المرشحين الديمقراطيين.
ومن المتوقع أن تفتح هذه النتائج الباب أمام مواجهة سياسية واسعة داخل الكونجرس، إذ يعتزم الديمقراطيون عرقلة عدد من سياسات ترامب، إلى جانب إجراء تحقيقات بشأن ملفات إدارته، بما يشمل شئون عائلته وسياسات الهجرة والملفات المرتبطة بالممول الراحل جيفري إبستين.
- ترامب يتنصل من المسئولية ويلوح باستخدام حق النقض
في أول تعليقاته على النتائج، حاول ترامب النأي بنفسه عن الخسائر الجمهورية، مؤكدًا أنه لم يكن مرشحًا في الانتخابات، كما ألقى باللوم على شخصيات جمهورية أخرى، ولوح باستخدام حق النقض الرئاسي للضغط على الديمقراطيين وإجبارهم على تقديم تنازلات.
وقال ترامب، في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، إنه لا يعتبر النتائج هزيمة شخصية له لأنه لم يكن مدرجًا على بطاقات الاقتراع، رغم دعوته المتكررة خلال حملات المرشحين الجمهوريين إلى التصويت وكأنه يخوض الانتخابات بنفسه.
كما أشار إلى أن الحرب مع إيران كان لها تأثير سلبي على أجواء الانتخابات، معتبرًا أنه سيتحمل مسئولية قراراته التاريخية، رغم أن تداعياتها جعلت ليلة الانتخابات غير مريحة بالنسبة إليه.
- خسائر انتخابية رغم الإنفاق الجمهوري القياسي
لم ينجح التفوق المالي للجمهوريين في إنقاذ مرشحيهم، رغم ضخ مبالغ ضخمة في الحملات الانتخابية. فقد أنفقت اللجان السياسية الداعمة لترامب ما لا يقل عن 380 مليون دولار، إلى جانب أكثر من 400 مليون دولار قدمها الملياردير إيلون ماسك.
وبحسب تقديرات شركة متخصصة في رصد الإنفاق الإعلاني، تجاوز إجمالي الإنفاق على الإعلانات الانتخابية 10 مليارات دولار، لتصبح انتخابات التجديد النصفي الأغلى في التاريخ، إذ أنفق الجمهوريون نحو 5.45 مليار دولار، مقابل 5.02 مليار دولار للديمقراطيين.
وكانت انتخابات مجلس الشيوخ في تكساس بين الجمهوري كين باكستون والديمقراطي جيمس تالاريكو من أكثر السباقات تكلفة، إذ تجاوز الإنفاق عليها 500 مليون دولار. وتقدم تالاريكو بنحو 11 نقطة بعد فرز 88% من الأصوات، مستفيدًا من تأييد نحو ثلثي الناخبين المستقلين.
وفي كانساس، فاز الديمقراطي آدم هاميلتون على الجمهوري روجر مارشال بفارق يقارب خمس نقاط، بعدما حصل على تأييد نحو 70% من الناخبين المستقلين.
وقال زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، إن استعادة السيطرة على المجلس، التي بدت مستحيلة قبل عام، أصبحت واقعًا، معتبرًا أن النتائج تعكس تحولًا كبيرًا في الخريطة السياسية الأمريكية.
- الانتخابات بين مخاوف التدخل والجدل السياسي
جرت الانتخابات بسلاسة في معظم الولايات، رغم مخاوف ديمقراطية من احتمال استخدام السلطات الفيدرالية للتأثير في العملية الانتخابية لمصلحة الجمهوريين.
وتقدم مسئولون انتخابيون في ولايتي ميشيغان ونيو مكسيكو بشكوى إلى وزارة العدل، بشأن ما وصفوه بسلوك غير معتاد من مراقبين انتخابيين فيدراليين انتشروا داخل مراكز الاقتراع، فيما لم تنشر وزارة الأمن الداخلي ضباط الهجرة في تلك المراكز.
وفي ألاسكا، طالب ترامب باستبعاد المرشحة الديمقراطية ماري بيلتولا من سباق مجلس الشيوخ، عقب تقرير صحفي تحدث عن مساعدة ناشطين مؤيدين لها في استقطاب مرشح مستقل يحمل اسمًا مطابقًا لاسم السيناتور الجمهوري الحالي دان سوليفان.
وخلال الأسابيع الأخيرة من الحملة، ركز ترامب على التأكيد أن الاقتصاد الأمريكي يشهد ازدهارًا، رغم تزايد شكاوى المواطنين من ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، وشن هجمات متكررة على الديمقراطيين، واصفًا إياهم بعبارات حادة.
كما أثارت تصريحاته بشأن عدد من المرشحين الديمقراطيين جدلًا واسعًا، إذ هاجم المرشح لمجلس الشيوخ عن ميشيغان عبد السيد، والنائبة إلهان عمر، والمرشحة ماري بيلتولا، مستخدمًا أوصافًا مسيئة، إلى جانب سخريته من منافسه جيمس تالاريكو في تكساس.
وفي ليلة الانتخابات، تابع ترامب النتائج من البيت الأبيض برفقة عدد من مسئولي إدارته ومستشاريه، ووجه انتقادات متكررة إلى التغطية الإعلامية، قبل أن يعلن عبر منصته للتواصل الاجتماعي أنه لم يكن مرشحًا في الانتخابات، مضيفًا أنه كان سيحقق فوزًا ساحقًا لو ظهر اسمه على بطاقات الاقتراع.
- انتكاسة تاريخية تضع إدارة ترامب أمام تحديات جديدة
تعيد هذه النتائج إلى الأذهان انتخابات عام 1974، حين عاقب الناخبون الأمريكيون الحزب الجمهوري على خلفية فضيحة ووترغيت التي انتهت باستقالة الرئيس ريتشارد نيكسون. وخسر الجمهوريون آنذاك عددًا كبيرًا من المقاعد، مقابل مكاسب واسعة للديمقراطيين في مجلسي الكونجرس ومناصب حكام الولايات.
وعادة ما يخسر الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس مقاعد خلال انتخابات التجديد النصفي، لكن تراجع الجمهوريين هذه المرة ارتبط بصورة مباشرة بعدد من قرارات ترامب، وفي مقدمتها فرض الرسوم الجمركية، والحرب مع إيران، وموقفه من نشر ملفات وزارة العدل المتعلقة بإبستين.