- النظام الدستوري يودع حماية المال العام كـ"واجب على كل مواطن" بعد عقود من اعتناق المبادئ الاشتراكية
- التعامل مع الملكية العامة وفق الاتجاه الجديد يتطلب توازنا تشريعيا بين تقييد التقاضي وضمان الشفافية
- صفة المواطَنة وحدها لم تعد كافية للطعن على تصرفات الدولة في الأملاك العامة
- النصوص الجديدة صيغت على خلفية التخوف من استمرار أحكام بطلان الخصخصة وعقود بيع أراضي الدولة
- حكم الدستورية الأخير أوضح ما صدر من القضاء المصري دعما لاتجاه الدولة لجذب الاستثمار
بصدور حكمها الشهر الماضي بتأييد قانون تنظيم الطعن على عقود الدولة رقم 23 لسنة 2014 والمعروف إعلاميا بـ"قانون تحصين العقود" كرست المحكمة الدستورية العليا لتغيير قضائي كبير في التعامل مع مسألة الرقابة على المال العام وحمايته، مستندة إلى ما يمكن وصفه بـ"فلسفة دستورية جديدة" تتمثل في تغيير النصوص الدستورية المنظمة للملكية العامة ووسائل حمايتها والمحظورات المقررة بشأنها في دستور 2014 الحالي، قياسا بالدساتير السابقة، ما يمثل نقطة محورية في تاريخ مفهوم المال العام والتعامل معه في مصر، أوسع من مجرد التعامل مع قضايا بطلان الخصخصة وبيع أراضي الدولة التي أحدثت هزة منذ عام 2010.
ومن خلال حيثيات حكمها التي نشرت في الجريدة الرسمية مؤخرا؛ يتضح أن المحكمة الدستورية ساندت قانون عقود الدولة ودعمته من زوايا مختلفة، واقعية واقتصادية ودستورية وحتى الشرعية والدينية، مؤيدة بذلك قصر إمكانية الطعن على العقود التي تبرمها الدولة أو أحد أجهزتها والقرارات أو الإجراءات التي أبرمت هذه العقود استنادا لها، على أطراف التعاقد وأصحاب الحقوق الشخصية أو العينية على الأموال محل التعاقد، وإلزام المحاكم من تلقاء نفسها بعدم قبول الدعاوى أو الطعون المرفوعة من أشخاص أو جهات أخرى.
فمن الناحية الواقعية؛ رفضت المحكمة برئاسة المستشار بولس فهمي الدفع بعدم توافر حالة الضرورة لإصدار القانون في أبريل 2014 من رئيس الجمهورية المؤقت عدلي منصور في غيبة البرلمان الذي لم يكن قد تشكل بعد، فتعرضت للظروف الاقتصادية لمصر آنذاك في أعقاب ثورتي 2011 و2013 بتحولاتهما السياسية الكبرى قائلة: "كان الاقتصاد القومي بمرحلة دقيقة احتاج فيها إلى العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية، وتشجيع ضخ رأس المال الأجنبي لتعزيز قدرة البلاد على مواجهة تحديات تلك المرحلة، وحجب كل ما يزعزع الثقة في سلامة البناء الاقتصادي للدولة" فانتهت إلى توافر حالة "الضرورة التي لا تحتمل التأخير".

المستشار بولس فهمي، رئيس المحكمة الدستورية العليا
ومن الناحية الشرعية والدينية؛ أكدت المحكمة أن "الشريعة الإسلامية خلت من نص قطعي الثبوت والدلالة يمنع ولي الأمر من التصرف في المال العام، إذا ما كان هدفه تحقيق مصلحة عامة أو منفعة فضلى للمجتمع" معتبرة أن ذلك يدخل في إطار "تقرير مسئوليته الشرعية أمام الله عن حسن التصرف في المال العام، وأمام المجتمع وفقا لقواعد المسئولية المقررة دستوريا وقانونيا" مؤيدة بذلك ما ينتهي إليه القانون من إفساح المساحة للسلطة التنفيذية لإبرام عقود بشأن المال العام، وقصر الرقابة على السلطتين التشريعية والقضائية من خلال صلاحياتهما المقررة في الدستور، وعلى أصحاب الحقوق المباشرة الشخصية والعينية التي تمسها تلك التعاقدات.
أما من الناحية الدستورية؛ فقد أبرزت المحكمة تبني الدستور اتجاها جديدا يقوم على دعم الاستثمار المحلي والأجنبي والقطاع الخاص، وبحيث تهدف معالم النظام الاقتصادي للدولة إلى تحقيق الرخاء من خلال التنمية المستدامة التي تكفل رفع معدل النمو الحقيقي وكفالة الأنواع المختلفة للملكية، وتشجيع الاستثمار وتوفير المناخ الجاذب له، واعتبرت الاستثمار "قاطرة التنمية الاقتصادية، يتسع لمساهمة الوحدات الإنتاجية للدولة وللقطاع الخاص، بما مؤداه أن لكل من الاستثمارين العام والخاص دوره في التنمية، وليس لازما أن يتخذ هذا الاستثمار شكل وحدة اقتصادية تنشئها الدولة أو توسعها، ولا عليها أن تبقيها كلما كان تعثرها باديا، أو كانت الأموال المستثمرة فيها لا تغل عائدا مجزيا، أو كان ممكنا إعادة تشغيلها تحت يد القطاع الخاص لتحقيق عائد أفضل" منتهية إلى أن قانون عقود الدولة استهدف في ظل ذلك كله "إضفاء الاستقرار على معاملات الدولة وحماية الاستثمارين العام والخاص".
تمثل الفقرات السابقة من حيثيات المحكمة الدستورية أهم وأوضح ما صدر من القضاء المصري دعما لاتجاه الدولة لتشجيع الاستثمار، سواء بالتخارج من بعض الأنشطة أو تنويع صور الشراكة مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي، بهدف خدمة الاقتصاد الوطني من منظور واسع واستدامة المرافق وتنميتها، وليس من خلال الخصخصة أو عقود الالتزام فقط، بل أيضا عبر صور التعاقد المختلفة للإنشاء والإدارة والتشغيل والانتفاع، وهي صور منصوص عليها في تشريعات مختلفة أبرزها قانون مشاركة القطاع الخاص في مشروعات البنية الأساسية والمرافق العامة رقم 67 لسنة 2010 المعدل مؤخرا بالقانون 153 لسنة 2021.
كما تعطي هذه الفقرات دفعة قانونية هامة لوثيقة سياسة ملكية الدولة، التي صدرت بصورتها النهائية في ديسمبر الماضي، وتتضمن تشجيع جميع الصور الممكنة في الشراكة مع المستثمرين والتخارج من بعض المجالات بنسب معينة، بدأت الدولة الإعلان عنها الأربعاء الماضي بتحديد 32 شركة في 18 مجالا اقتصاديا للطرح في البورصة أو للمستثمرين الاستراتيجيين.
- تغير النظرة للمال العام والرقابة عليه:
لكن الأهم في الحيثيات أنها تعكس تغيرا جذريا في فلسفة تعامل الدستور مع المال العام، وليس فقط في التحول الكامل إلى اقتصاد السوق، فقد تم إلغاء معظم النصوص المنتمية للحقبة الاشتراكية في التعديلات الدستورية لعام 2007 على دستور 1971 ثم الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس 2011 ثم دستور 2012 لكن تم الإبقاء على النصوص الخاصة بدعم الملكية العامة وحمايتها وتفعيل الرقابة الشعبية عليها، الأمر الذي تغير في دستور 2014 بالمادة 34 إلى "للملكية العامة حرمة، لا يجوز المساس بها، وحمايتها واجب وفقا للقانون" مما يعني أن التشريعات هي التي تنظم كيفية حماية المال العام وتحدد دور كل من الدولة والمواطن في ذلك، فالرقابة الشعبية لم تعد حقا وواجبا مطلقا من كل قيد، بل مقيدة بما يجيزه ويحظره القانون.
كان دستور 1971 وفقا لأحدث تعديلاته عام 2007 ينص في مواده 29 و30 و33 على أن: "تخضع الملكية لرقابة الشعب وتحميها الدولة.." و"الملكية العامة هي ملكية الشعب.." و"للملكية العامة حرمة، وحمايتها ودعمها واجب على كل مواطن..".
وفي دستور 2012 كانت المادة 22 تنص على "للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجب وطني على الدولة والمجتمع" أي أنه بقي داعما لفكرة الرقابة الشعبية على الأملاك العامة لضمان حسن تصرف الدولة فيها، وظهر في ذلك تأثر الجمعية التأسيسية ومن خلفها مجلس الشعب والنخب السياسية باتهامات الفساد التي لاحقت رموز نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك وقتئذ، والتي ألقت بظلال من الشكوك على علاقة كبار رجال الأعمال بالسلطة التي ثار عليها الشعب.

مظاهرات لعمال إحدى الشركات المباعة للمستثمرين يعترضون على الصفقة
تُرجمت هذه النصوص الدستورية في جوهر الأحكام القضائية التي صدرت من مجلس الدولة ابتداء من عام 2009 في قضية تصدير الغاز لإسرائيل ثم قضايا بطلان خصخصة بعض شركات القطاع العام مثل عمر أفندي وطنطا للكتان وغزل شبين الكوم والمراجل البخارية وقضايا بطلان بيع أراضي الدولة للمستثمرين مثل مدينتي وبالم هيلز، والتي اتفقت جميعا على حق أي مواطن مصري بصفته شريك في الملكية العامة، في الرقابة على تصرفات الدولة، بل وواجبه في حماية المال العام، متى توافرت الشروط الواجبة لتلك الحماية كوجود شبهات فساد أو محاباة أو مخالفة لقواعد التصرف المنصوص عليها قانونا.
ولا أوضح في هذا السياق مما سطرته المحكمة الإدارية العليا في حيثيات حكم مدينتني الصادر في سبتمبر 2010: "الملكية العامة تتمثل فى الأموال المملوكة للدولة أو للاشخاص الاعتبارية العامة ومنها الهيئات العامة وأن هذه الأموال ملك الشعب بكل أفراده ملكية شيوع، الأمر الذي يجعل لكل مواطن من أفراد هذا الشعب حقا فى هذه الأموال، بل عليه أن يهب للدفاع عنها على وفق ما يقرره القانون أي بإتباع الإجراءات والرخص والوسائل التى قررها القانون لكفالة هذه الحماية ومنها اللجوء الي القضاء لاستصدار حكم قضائي يكون بمثابة السند التنفيذي الذى تتحقق به الحماية المنشودة".
في ظل تلك النصوص الدستورية توالت الأحكام القضائية التي وقفت إزاءها الدولة عاجزة عن التصرف، فمعظمها كان يصعب تنفيذه لاستحالة إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الخصخصة والبيع (كما في حالة عمر أفندي والمراجل البخارية) وبعضها كان متعلقا بأوضاع يجب الحفاظ عليها واستقرارها مراعاة لمصالح حسني النية (كما في حالة مدينتي) بينما تسبب بعضها في لجوء المستثمرين الأجانب للتحكيم الدولي (كما في حالة غزل شبين وإندوراما الهندية).
- كيف ولماذا تغير اتجاه البوصلة؟
وبعد انهيار حكم الإخوان بدأ سعي الدولة لجذب الاستثمارات الأجنبية، لا سيما الخليجية، وهنا أثار المستثمرون مخاوف عديدة من استمرار صدور أحكام بطلان الخصخصة، فصدرت تصريحات واضحة بين خريف 2013 وربيع 2014 من رجال أعمال خليجيين وغربيين لحث الدولة على تعديل قوانين الاستثمار لحماية المستثمرين من الملاحقة القضائية وتحصين تعاقدات الدولة معهم.
لكن وقبل ذلك التاريخ ببضعة أشهر ولدت فكرة تغيير فلسفة الدستور خلال مناقشات لجنة الخبراء العشرة لإعداد مشروع التعديلات الدستورية، وتحديدا في يوليو 2013، حيث تكشف المضابط ميلاد اتجاه للتخلص من بقايا الفلسفة الاشتراكية في الدستور، ودخل بعض الأعضاء في جدال طويل حول خطورة وجود نص يخضع الملكية لرقابة الشعب، وأنه يتوجب الابتعاد عن "الرؤية الشيوعية والاشتراكية" في الصياغات.

جانب من اجتماعات لجنة الخبراء العشرة
كان أبرز المتحدثين المستشار مجدي العجاتي، رئيس قسم التشريع بمجلس الدولة آنذاك ووزير الشئون القانونية والبرلمانية لاحقا، والذي نبه لخطورة استمرار النص الدستوري السابق الذي يجعل حماية الأموال العامة واجبا وطنيا على الدولة والمجتمع قائلا: "الدعوى القضائية وسيلة للحماية (المنصوص عليها دستوريا) وهذه المشاكل نعاني منها الآن في القضاء الإداري.. أحكام شركات قطاع الأعمال التي تم بيعها مطعون في شرعيتها لدرجة أنني طلبت وأنا في آخر أيامي في المحكمة الإدارية العليا عرض مسألة الصفة والمصلحة على دائرة توحيد المبادئ..".
واستطرد العجاتي منتقدا التوسع في المصلحة والرقابة الشعبية على تلك البيوع: "عقدت عقدا بيني وبينك من 15 سنة.. يأتي شخص يقول لي اليوم بصفتي مواطن ومن واجبي أحمي الملكية العامة أطالب بإبطال التخصيص الذي تم!! وتخرب الدنيا يعني!" ثم انتقد صدور حكم آنذاك بحبس رئيس الوزراء الأسبق هشام قنديل بحجة امتناعه عن تنفيذ حكم بطلان خصخصة شركة النيل لحليج الأقطان: "هذا المصنع تم تفكيكه وبيعت المعدات والأرض وتم تقسيمها.. مستثمر آخر بنى عليها عمارات.. كيف يعود العمال؟ وأين يعودون؟! لم يعد هناك مصنع من الأساس.. تم حبس رئيس الحكومة السابق غلط" ضاربا بذلك نموذجا لاستحالة تنفيذ بعض الأحكام وآثارها الضارة بالمستثمرين والمسئولين.
وفي الاتجاه ذاته تحدث المستشار عصام الدين عبدالعزيز، النائب الأول لرئيس مجلس الدولة آنذاك، داعيا للعودة إلى نص دستور 1971 مع قصر الحماية والرقابة على الدولة.
أما المستشار محمد عيد محجوب، الأمين العام لمجلس القضاء الأعلى آنذاك ورئيس محكمة النقض حاليا، فقد اقترح الإبقاء على عبارة "على الدولة حماية الملكية العامة" وحسب، وعدم اعتبار ذلك واجبا على المجتمع والمواطنين "حتى لا يكون بها تزيد". وأيده في ذلك المستشار حسن بسيوني، القاضي بمحكمة النقض آنذاك وعضو مجلس النواب لاحقا.
بينما اقترح د. حمدي عمر، عضو اللجنة، استخدام لفظ "الملكية العامة" بدلا من "الأموال العامة" لأنه أعم وأشمل، كما اقترح إلغاء لفظ "واجب" وأن تكون حماية الملكية العامة التزاما بالنسبة للدولة وحدها. وقال د. صلاح الدين فوزي، عضو اللجنة، إن ملكية الشعب عبارة غير قانونية، لأن الشعب ليس له شخصية اعتبارية، بل هي للدولة وحدها، وبالتالي لها ذمة مالية.
أما الصوت الوحيد الذي تمسك بالرقابة الشعبية على المال العام -وفقا لما توضحه المضابط- فكان المستشار محمد خيري طه، النائب الأول السابق لرئيس المحكمة الدستورية العليا، والذي اقترح العودة لنص دستور 1971 المعدل، بحيث تظل حماية المال العام واجبا على كل مواطن، معللا ذلك بأن "الاقتصار على دور الدولة وحدها لا يكفي، لأن الدولة قد تتغاضى لأسباب خاصة بها عن القيام بدورها (في الحماية) وهنا يجب أن يقوم الفرد باعتباره جزءا من الشعب الذي هو صاحب الملكية، بدوره في دعم هذه الملكية وحمايتها".
واستقر الأمر في النهاية على صياغة المادة "للملكية العامة حرمة لا يجوز المساس بها، وحمايتها واجب، وفقا للقانون" لضمان إلغاء الرقابة الشعبية المباشرة، وأن تسند هذه الصلاحية للجهات المختصة التي يحددها القانون.

منى ذو الفقار
وعلى خلاف النقاش الموسع في لجنة العشرة، درست لجنة الخمسين هذه المادة على عجالة، مركزة على عبارة "وفقا للقانون" حيث كان هناك اتجاه يتبناه رئيس اللجنة الأمين العام الأسبق للجامعة العربية عمرو موسى ونقيب المحامين السابق سامح عاشور لحذف تلك العبارة، وربما لو كانت حُذفت لفتحت بابا للتوسع في التفسير، وربما لأثر ذلك على حكم الدستورية، إذ أن واجب الحماية في تلك الحالة يكون مطلقا وقد يُفسر وكأنه واجب على الدولة والمجتمع كما كان في دستور 2012.
إلا أن عبارة "وفقا للقانون" المقيدة لكيفية ممارسة هذه الحماية، بقيت بتدخل محاميين شهيرين هما منى ذوالفقار وجابر نصار، نائبة رئيس اللجنة والمقرر العام على الترتيب، حيث قال نصار: "لابد أن يحدد القانون الوسيلة التي يحمي بها الملكية" وكان يقصد هنا ضرورة أن يميز القانون بين التصرفات والحماية في حالتي الملكية العامة والملكية الخاصة للدولة.
أما ذوالفقار فكانت تضع في حسبانها تفسير المحاكم للمادة، فقالت: "لابد من تنظيم القانون لهذه الحماية.. كيف؟ وماهي الحالات التي تستوجب تنظيم أو تغيير صفة الملكية.. كل هذا يجب أن ينظمه القانون. وفي حالات كثيرة جدا عندما لا نشير للقانون، المحاكم تأخذ موقفا متشددا" وبناء على ذلك عدل رئيس اللجنة عن رأيه السابق وقال: "لا ضرر من وجودها".
- من الآن.. صفة المواطنة لا تكفي:
بعد إقرار دستور 2014 رسميا بأقل من أربعة أشهر صدر قانون عقود الدولة، قاصرا إمكانية الطعن عليها على الفئات ذات المصالح المباشرة، مع إتاحة التحرك في أي وقت لضبط وقائع الفساد من خلال الجهات الرقابية والقضائية المختصة، وبمعنى آخر: إذا كان المواطن مواطنا فحسب، فلا صفة له للطعن على تلك التصرفات، مع منع المحاكم من تبني هذا الاتجاه المتوسع في المصلحة مرة أخرى.
وبعد ثمان سنوات انعكست الفلسفة الدستورية الجديدة على حيثيات حكم الدستورية أيضا، فاستقت منها اتجاه واضعي الدستور إلى أن "صفة المواطنة وحدها لا تقيم لصاحبها الحق في المخاصمة القضائية للتصرفات التي ترد على أملاك الدولة الخاصة، وأن تحديد من له حق إقامة الدعاوى بشأن تلك التصرفات منوط بالمشرع وحده".
وذهبت المحكمة إلى أبعد من ذلك باعتبار الدعاوى المقامة من مواطنين عاديين بشأن تلك التصرفات في مقام دعاوى الحسبة، قائلة: "المشرع بهذا التنظيم المتكامل.. يصرف بذلك عن الخصومة القضائية من توهم ضررا أراد دفعه، وغيرهم ممن توسل بتلك الخصومة لفرض سياسات اقتصادية لا تتفق مع توجهات الدستور القائم" وكأنها تعلن انفصام آخر العرى بين النظام الدستوري المصري ومبادئ الاشتراكية وفي القلب منها إيلاء الاهتمام الأعظم بالملكية العامة والقطاع العام وإشراك الشعب في الإدارة والرقابة بصورة مباشرة.
ويُذكر هنا أن المحكمة الدستورية كان لها السبق القضائي في النأي عن الاتجاه الاشتراكي والتمهيد للخصخصة، عندما أصدرت حكمها الشهير عام 1997 بتأييد قانون شركات قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991، في ظل قيام دستور 1971 بما يحمله من نصوص اشتراكية صريحة، واستندت المحكمة آنذاك إلى أن "النصوص الدستورية لا يجوز تفسيرها باعتبارها حلاً نهائياً ودائماً لأوضاع اقتصادية جاوز الزمن حقائقها، بل يتعين فهمها على ضوء قيم أعلى غايتها تحرير الوطن والمواطن سياسياً واقتصادياً".
- فكيف تكون الحماية والرقابة؟
وإذ حررت المحكمة الدستورية نفسها عام 1997 من ظاهر نصوص دستور اشتراكي ظل قائما لسنوات منفصلا عن واقع سياسي واقتصادي يتحرك في اتجاه معاكس نحو تحرير السوق وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي إعلاء لمقاصد الدستور في تحقيق الرفاهية والنمو، فثمة إشكالية تظهر حاليا في قانون عقود الدولة بعد حكم تأييده، ألا وهي غياب التنظيم المتكامل المتوازن لحماية الملكية العامة كواجب وهدف أسمى، فلا يجب أن يتوقف تفسير النص الدستوري عند ظاهره والاكتفاء بتقييد حق الطعن.
فالقانون يسمح للكافة بالطعن ببطلان العقود في حالة واحدة فقط هي صدور حكم بات بإدانة أحد أطراف العقد في جريمة من جرائم العدوان على المال العام إذا أبرم العقد استنادًا إليها، وبالتالي تظل الرقابة على تصرفات الدولة في الأموال العامة حكرا على السلطة التشريعية باستخدام أدوات المساءلة البرلمانية، والسلطة القضائية بتلقي البلاغات والتحقيق فيها وتوجيه الاتهام ثم المحاكمة انتهاء بالبراءة أو الإدانة.
ولا يبدو هذا التنظيم كافيا لتحقيق الالتزام الدستوري بحماية الملكية العامة باعتبار أن لها حرمة، نظرا لغياب العديد من العوامل عن قانون عقود الدولة، وخلوه من معالجة حالات التصرف التي لا تكون محلا لجرائم جنائية، فقد يشوبها عدم الشفافية أو عدم توخي الصالح العام أو إهدار فرصة أفضل للاستفادة من المال العام وغيرها من المشاكل الإدارية والتنفيذية، بل إن دعم الشفافية وتداول المعلومات وعلنية التعاقدات وفض المنازعات وغيرها من صور الحوكمة الرشيدة تعتبر من العوامل الجاذبة للاستثمار الجاد والمشجعة لتدفق رأس المال الأجنبي.
الأمر الذي يتطلب تنظيما تشريعيا جديدا أكثر صرامة وتوازنا في آن واحد، بحيث يحدد أسسا يتوجب على الدولة بجميع أجهزتها الالتزام بها عند التصرف في الملكية العامة، فإذا تخلف أحد تلك الأسس أصبح واجبا على الدولة والأفراد -على السواء- النهوض للحماية والمساءلة بمساعدة الجهات القضائية والرقابية.