كتبت د. لطيفة سالم أن دستور 1923حد من بعض الحريات مثل حرية الصحافة وحرية الاجتماعات، فى حين أن المادة رقم 15نصت على «الصحافة حرة فى حدود القانون. والرقابة على الصحف محظورة. وإنذار الصحف أو وقفها أو إلغائها بالطريق الإدارى محظور كذلك إلا إذا كان ذلك ضروريا لوقاية النظام الاجتماعى» هذا هو النص الحرفى بشأن حرية الصحافة. فهل يُفهم منه أية إشارة إلى تقييد حرية الصحافة؟ وكيف يكون ذلك
حرص المُشرّع على التأكيد على أن «الرقابة على الصحف محظورة» وأنه لا يجوز وقف الصحيفة أو إلغاؤها بالطريق الإدارى؟ وأعتقد أن نص تلك المادة يتفق مع أغلب الدساتير الديمقراطية، حيث ينزع من سلطة الدولة المُستبدة آلية البطش بالصحف سواء بالمصادرة أو الإنذار بواسطة القرار الإدارى، وأكثر من ذلك نزعَ النص الدستورى آلية أخرى من آليات الاستبداد عندما نص على «الرقابة على الصحف محظورة». أما حديث سيادتها عن الحد من حرية الاجتماعات، فيجافى ما نصت عليه المادة رقم 20: «للمصريين حق الاجتماع فى هدوء وسكينة غير حاملين سلاحا. وليس لأحد من رجال البوليس أنْ يحضر اجتماعهم ولا حاجة بهم إلى إشعاره. لكن هذا الحكم لا يجرى على الاجتماعات العامة فإنها خاضعة لأحكام القانون. كما أنه لا يُقيد أو يمنع أى تدبير يُتخذ لوقاية النظام الاجتماعى»، وإذا كنتُ أتفق مع د. لطيفة فى أن الجزء الأخير من نص تلك المادة محل نقد، حيث يسمح لسلطة الدولة باستخدام عصا البطش تحت حجة «وقاية النظام العام»، إلا أننى أتوقف أمام حقيقتين، الأولى أن هذا النص تمتْ صياغته تحت سلطة الاحتلال البريطانى، وفى وجود سلطة حكم أوتوقراطية مُستبدة. الحقيقة الثانية هى الجزء الأول من نص المادة، إذ إننى أعتبر أن هذا الجزء خطوة شديدة الأهمية فى مسار الحريات العامة لأنه نص بكل وضوح على «حق الاجتماع»، وليس هذا فقط، وإنما لا يجوز لقوات البوليس حضور الاجتماع. والأكثر أهمية أن النص أعفى المجتمعون من شرط الحصول على إذن مُسبق من البوليس. وإذا تذكرنا أن ذلك النص مكتوب فى عام 1923، وإذا راعينا أن شعبنا بعد يوليو 1952 وحتى 25 يناير 2011 لم يكن له حق الاجتماع إلا بعد الحصول على إذن مسبق من وزارة الداخلية، تأكد لنا أن دستور 1923حصن الديمقراطية عندما أطلق حرية الاجتماع، وغل يد سلطة الدولة الممثلة فى جهازها القمعى أى الشرطة.
وأرى أن من يكتب عن دستور 23 عليه أن يذكر إيجابياته وسلبياته والظرف التاريخى فى صياغة مواده. فمن الإيجابيات النص على أن «حرية الاعتقاد مطلقة» (مادة رقم 12)، لكن تنسفها المادة رقم 149التى نصّت على «الإسلام دين الدولة»، فتصدى التيار الليبرالى لتلك المادة والدستور مجرد مشروع مثلما فعل محمود عزمى الذى كتب مقالا فى صحيفة الاستقلال عدد 22 سبتمبر 1922 ندد فيه بهذا النص «الذى سيجر على البلاد ارتباكا قد ينقلب إلى شر مستطير. وقد يأتى على سكان مصر وقت فتقطع الأيدى والأرجل من خلاف والسن بالسن والعين بالعين إلخ»، ومن الإيجابيات النص على «جميع السلطات مصدرها الأمة» (مادة رقم 23) فيكتب محمود عزمى: «أن الدستور جاء هجينـا يجمع بين الشىء ونقيضه. فالأمة مصدر السلطات والملك له الحق مع المجلس النيابى فى التشريع. ويُوازن بين سلطة الملك الأوتوقراطية وبين سلطة الأمة ذات المضمون الديمقراطى».
أما عميد الثقافة المصرية طه حسين فكتب مقالا فى مجلة الحديث عدد أمشير/فبراير1927 ذكر فيه أن النص فى الدستور «على أن الإسلام دين الدولة مصدر فرقة، لا نقول بين المسلمين وغير المسلمين فقط، وإنما نقول إنه مصدر فرقة بين المسلمين أنفسهم، فهم لم يفهموا الإسلام على وجه واحد». ومن الإيجابيات نص المادة رقم 3 على أن «المصريين لدى القانون سواء. وهم متساوون فى التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة لا تمييز بينهم فى ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدين. وإليهم وحدهم يُعهد بالوظائف العامة مدنية كانت أو عسكرية»، ومعنى ذلك أنه من حق أى مصرى شغل أى وظيفة بغض النظر عن ديانته.
والمادة رقم 13 التى نصّتْ على «تحمى الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقا للعادات المرعية فى الديار المصرية على ألا يخل ذلك بالنظام العام ولا يُنافى الآداب» وأرى أن أهمية تلك المادة تعود إلى وعى من صاغها بمجمل الثقافة القومية لشعبنا، ذاك الوعى الذى ترجمه فى تلك الصياغة الموفقة التى جمعتْ بين مسئولية الدولة فى حماية حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد، وبين العادات المرعية فى الديار المصرية، وكل ذلك فى جديلة واحدة. فإذا كان من بين العادات فى ذاك الزمان (وحتى وقتنا الراهن البائس) الاحتفال بالأولياء والقديسين (ظاهرة الموالد) وكذا طريقة دفن الموتى والاحتفال بسبوع الطفل وأربعين المتوفى، فعلى مجمل المناخ الثقافى والسياسى احترام تلك التقاليد، وبالتالى لا يحق لأحد تكفيرها أو الازدراء بها. ومن الإيجابيات النص على أن «حرية الرأى مكفولة. ولكل إنسان الإعراب عن فكره بالقول أو الكتابة أو بالتصوير أو بغير ذلك فى حدود القانون» (مادة رقم 14).
والنص على أن «التعليم الأولى إلزامى للمصريين من بنين وبنات، وهو مجانى فى المكاتب العامة» (مادة رقم 19).
وكذا «للمصريين حق تكوين الجمعيات» (مادة رقم 21). وفى حالة عقد معاهدات دولية «لا يجوز فى أى حال أن تكون الشروط السرية فى معاهدة ما، مُناقضة للشروط العلنية» (مادة رقم 46). و«لا يلى الوزارة إلا مصرى. ولا يلى الوزارة أحد من الأسرة المالكة» (المادتان 58، 59).