السياسة الخارجية المصرية فى رحاب (أبوالهول) - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:46 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

السياسة الخارجية المصرية فى رحاب (أبوالهول)

نشر فى : الخميس 1 سبتمبر 2011 - 8:48 ص | آخر تحديث : الخميس 1 سبتمبر 2011 - 8:48 ص

 عندما وقع العدوان الإسرائيلى الأخير على السيادة المصرية كان طبيعيا أن تستفز قوى ثورة يناير من جماهير ومسئولين إلى أقصى الحدود، مع فارق جوهرى هو أن الجانب الرسمى مكبل بقيود قانونية وسياسية، وبالذات ما يتصل منها بترتيب البيت المصرى من الداخل الذى يبدو وكأنه يوشك أن ينقض، فعلى المستوى الشعبى طرحت البدائل من أدناها إلى أقصاها: من سحب السفير المصرى فى تل أبيب إلى إلغاء المعاهدة ودخول الحرب دفاعا عن الكرامة المصرية. أما الجانب الرسمى فاقتصر رد فعله على الاحتجاج وطلب التحقيق والاعتذار وإبداء التسامح الواجب مع الجماهير التى طوقت السفارة الإسرائيلية فى القاهرة. والحقيقة أن كلا من ردود الفعل على هذين المستويين يحتاج إلى ترشيد.

أما الجانب الشعبى فمعذور لأنه لم يجد المبادرة الرسمية التى يتحلق حولها، ومن هنا أطلق العنان بلا حدود لمطالباته، وهذا إيجابى ومطلوب فى إدارة الصراع، على أن يدرك الجميع أن قضايا الحرب والدخول فى مواجهات قانونية وسياسية بسبب تنكر مصر لالتزاماتها الدولية أعقد من أن تترك للشارع السياسى وحده، كما أن جماهير الثورة تستحق اللوم لأن استجابتها للحدث فى تقديرى ضعيفة للغاية إذا قورنت بجسامة دلالته بالنسبة للوطن، بل إن الحضور الجماهيرى المحدود أصلا والآخذ فى التناقص والحافل بالمظهرية من بعض القوى السياسية من شأنه أن يبث طمأنينة ما فى إسرائيل التى تستطيع أن تدعى أن مطالب الوطنيين الشرفاء فى عموم مصر هى مطالب قلة قليلة لا تفسد للعلاقات قضية، فلو كانت الجماهير قد تصرفت على النحو الذى أجبر مبارك على التنحى أو حتى وفقا لما جرى فى «مليونيات استعراض القوة» لما استطاع أحد أن يتجاهل إرادتها.

وعلى المستوى الرسمى لا يمكن الزعم بأن السياسة الخارجية المصرية الراهنة هى سياسة خارجية لثورة، وحتى الآن تشبه ردود الأفعال للعدوان الإسرائيلى مثيلتها فى ظل النظام السابق، ولم يكن هناك أقل من استدعاء السفير المصرى فى إسرائيل إلى أن تتعلم إسرائيل الدرس، والإصرار على المشاركة فى التحقيق باعتبار أن العدوان قد وقع على أرض مصرية، واستخلاص النتائج الواضحة من هذا العدوان، وهو أن إسرائيل تنتهك المعاهدة ومن ثم سيادة مصر، وهو أمر يجب التوقف عنده قانونيا وسياسيا، وعلى الأقل فإن الشهداء المصريين الخمسة لا ذنب لهم إلا محاولة الدفاع عن شرف السيادة المصرية بأسلحة خفيفة وفق مقتضيات المعاهدة الظالمة فيما كانت القوة الإسرائيلية تعربد بالمروحيات. وأقل القليل أن تعتذر إسرائيل ــ ولن تفعل ــ وتدفع التعويضات الواجبة، كذلك كان أبسط مقتضيات المجاملة لأسر الشهداء أن تبادر السفارة المصرية بمقاطعة حفل إفطار الخارجية الإسرائيلية أو تؤمر بذلك.

تأتى بعد ذلك المطالب الأخرى مثل إلغاء دخول الإسرائيليين سيناء دون تأشيرة، والتوقف عن تصدير الغاز لإسرائيل، وطلب تعديل المعاهدة، وليس من صالح مصر اتخاذ هذه الخطوات كرد فعل على العدوان أو كعقوبة لإسرائيل، لأن كل هذه الخطوات من أبجديات حقوق السيادة المصرية، ويحتاج الأمر إلى دراسات قانونية عميقة حتى يمكن اتخاذ هذه الخطوات فى أسرع وقت ممكن. أما إلغاء المعاهدة فله حساباته المعقدة على المدى الأطول.

يبقى أخيرا أن السياسة الخارجية المصرية ما زالت تواجه تحدى الانتقال من سياسة خارجية محافظة إلى أخرى ثورية، وإن كان المنطق الذى تدار وفقا له حتى الآن لا يطمئن كثيرا، فقد امتنعت مصر عن تأييد الثورة فى ليبيا فى الوقت المناسب بحجة وجود عدد هائل من المصريين هناك «يخشى عليهم»، ولو كان دبلوماسيو الوزارة الأكفاء فضلا عن عناصر الأمن القومى المتخصصين قد طُلب منهم تقدير موقف لعرف الجميع أن النصر للثورة وإن طال الانتظار، ولو سلمنا بهذا المنطق فأين هم يا ترى هؤلاء المصريون فى سوريا الذين يمنعنا الخوف عليهم من القيام بدور واجب تجاه ما يجرى فيها؟ لقد عادى الرئيس السابق سوريا بالباطل لسنوات أفلا تستطيع مصر الثورة أن تقول كلمة حق يحتاجها الجميع الآن؟ وهل يعقل أن تسبق مصر الثورة دول محافظة ــ أيا كانت أهدافها ــ فى تأييد الثورات العربية. المشكلة واضحة إذن وهى أن السياسة الخارجية المصرية الآن كأبى الهول لها جسد ثورة ورأس نظام سابق، وبالتالى فإن المعضلة أوسع بكثير من إسرائيل، ويقتضى حلها عملية إعادة بناء حقيقية.

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية