اليوم التالي - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 12:58 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

اليوم التالي

نشر فى : الخميس 1 أكتوبر 2009 - 9:47 ص | آخر تحديث : الخميس 1 أكتوبر 2009 - 9:47 ص

 فى عام 1983 عرض فيلم أمريكى باسم The Day After. يحكى الفيلم عن قصف نووى سوفييتى تعرضت له الولايات المتحدة عقب تصاعد واحدة من أزمات الحرب الباردة الخطيرة، ويصف «اليوم التالى» حالة المدنية والبشر فى أعقاب ذلك القصف.

ولا أدرى لماذا قفز هذا الفيلم إلى ذهنى مع انتهاء شهر رمضان المبارك، فقد شعرت أن الشعب المصرى ــ ومعه بالتأكيد شعوب الأمة العربية ــ تعرض لقصف لا يقل خطورة عن ذلك القصف النووى الذى تعرضت له الولايات المتحدة فى الفيلم إن لم يكن أخطر، فقد طال القصف فى الحالة الأولى البشر ورموز حضارتهم فيما ركز القصف فى حالتنا على عقول أبناء الوطن. فى الحالة الأولى لم تكن للشعب الأمريكى حيلة فيما جرى، وفى الحالة الثانية بدا وكأننا نُقصف باختيارنا، غير أن هذا الحكم قد يبدو شكليا، فقد أصبح الإنسان العادى ألعوبة فى أيدى آلة الإعلام المتوحشة التى تحركها رأسمالية أكثر توحشا، بحيث إن الحديث عن الاختيار يصبح فى كثير من الأحيان بلا معنى.

أمطرت الفضائيات المرئية ــ ومعظمها خاص ــ الشعب المصرى والشعوب العربية بوابل من عشرات المسلسلات التى أجمع النقاد على أن معظمها جاء دون المستوى، تافها بلا معنى، يجتر مقولات قديمة، لا يحكمه ناظم ثقافى أو فكرى، وحتى عندما تعرض بعض المسلسلات لموضوعات جادة لم يصل إلى المستوى اللائق بجدية موضوعه. وإذا كان عدد من هذه المسلسلات قد أفلت من هذا الحكم فقد تكفلت الآلة الإعلانية ــ التى أصبحت السيد الأعلى فى الفضائيات ــ بتبديد أى أثر إيجابى لهذه المسلسلات التى تعد على أصابع اليد الواحدة. وتلك قضية أخرى لا مفر من العودة إليها فى هذا السياق.

غير أن القضية لن تتم فصولا بالحديث عن المسلسلات وحدها، فهناك فى مقابل عشرات المسلسلات نظيرها من عشرات الفضائيات الدينية التى يبدو للوهلة الأولى أنها صاحبة الحق الأول فى السيادة على عقل المشاهد فى رمضان، لكن المرء لا يحتاج سوى إلى دقائق قليلة كى يتبين أنها بدورها تضرب فى كل اتجاه، وأن ما يُبث فيها لا علاقة له بالضرورة بصحيح الدين، وأن الفتوى فيها صارت متاحة لكل من له قدرة على جذب المشاهدين بغض النظر عن علمه.

وإذا كانت آثار القصف المادى تبدو جلية واضحة فإن آثار قصف العقول يصعب تتبعها وقياسها، غير أن المرء يستطيع أن يقرر بداية باطمئنان أن استلاب عقول المشاهدين لمدة 24 ساعة يتتبعون فيها أنى شاءوا مسلسلات تليفزيونية تسم التفاهة معظمها هو بالتأكيد ليس بالأمر الإيجابى فى التكوين الثقافى لأمة تصل نسبة الأمية فيها إلى ما دون النصف بقليل إن لم تتجاوزه، وأحسب أن مناخا كهذا من شأنه أن يخلق مواطنا غافلا عن قضايا وطنه الحقيقية لحساب قضايا شديدة التفاهة.

أما إذا كان بعض هذه المسلسلات يحمل مضمونا فإن الناظم الفكرى يغيب، ويتشتت التأثير فى كل اتجاه. وقد يقول قائل ها أنت ذا تحاول الترويج لمجتمع شمولى ذى ثقافة واحدة، وأحسب أن ثمة فارقا كبيرا بين أن يكون هناك أساس قوى للبناء الذى نعيش فيه وبين أن يتفرد كل منا بتأسيس مكانه من هذا البناء على النحو الذى يريد.

فى الغارة على العقول فى رمضان كان القصف يتجه إلى أساس البناء أصلا.

والأخطر أن المواطن المصرى المسلم الذى أراد أن يتزود من الدين فى رمضان قد واجه المصير نفسه، بعد أن تشتّت الآراء وذهبت فى كل اتجاه. صحيح أن هؤلاء لم يكن بمقدورهم أن ينالوا من الأساس الصلب للدين الإسلامى، لكنهم كثيرا ما أفلحوا فى تفسيره على النحو الذى يريدون، أو فى الالتفاف عيه أصلا للحديث فى قضايا ما أنزل الله بها من سلطان لا توجد بشأنها أحكام محددة، ومن ثم صالوا وجالوا فى الحديث عنها دون ضابط أو رابط، ناهيك عن أن يكون بعضها قد نال من الوحدة الوطنية.

يعنى ما سبق أن القصف الذى وقع فى رمضان لعقل الأمة قد عزز من مكون «السطحية» والانشغال بتوافه الأمور فى هذا العقل من ناحية، وأصابه بالتمزق من ناحية أخرى فى مجتمع لا تنقصه أسباب التمزق، وسوف نفترض أن ثمة آثارا إيجابية محتملة لبعض المادة الإعلامية التى قدمت للمشاهد المصرى والعربى فى رمضان، وهنا لابد من إدخال عامل آخر فى التحليل له تأثيره الطاغى وهو «الإعلان التجارى»، وأذكر أن هذا الإعلان عندما تسلل فى البداية إلى شاشات التليفزيون كان يتكدس قبل إذاعة العمل الدرامى أو بعده مباشرة، وعندما كانت الخديعة تصل أقصاها كان يظهر فى نهاية حلقة مسلسل قبل أن يدرك المشاهد أنها انتهت، أما الآن فقد تتابع الإعلان داخل العمل نفسه على نحو يقوض أى تأثير إيجابى له، ولم تكن المشاهد الدرامية بين إعلانين تصل فى بعض الأحيان إلى خمس دقائق. فعن أى تأثير إيجابى يتحدثون؟ ولنفترض مثلا أن مسلسلا «كحرب الجواسيس» من شأنه أن يعزز الانتماء لدى مشاهديه، فهل يعقل مثلا أن يكون ذا تأثير يذكر على المشاهد وهو يتتبع مجريات المسلسل فى جرعات قصيرة تفصلها إعلانات بلهاء عن مياه غازية، أو دعوات مستميتة للحديث طوال الوقت فى الهاتف المحمول؟ أى عبث بعقل الأمة إذن؟

فى أعتى الدول الرأسمالية ــ وربما بسبب الظواهر السابقة ــ توجد قنوات تليفزيونية غير تجارية يكون هدفها الرقى بذوق المشاهد وثقافته، وهى مسئولية الدولة التى شاركت آلتها الإعلامية فى القصف السابق، وإن بدا أنها خسرت المعركة لصالح الفضائيات الخاصة. أى أن الدولة فى العموم حاولت أن تقاتل القبح على أرضه فخسرت المباراة، مع أنه كان من المفترض فيها أن تطرح الجمال بديلا عن القبح، وبالتأكيد كان من شأن هذا الطرح أن يجد أنصارا وأن يكون له تأثير، لكن السؤال يبقى عن قدرة الآلة الإعلامية للدولة على القيام بهذه المهمة فى ظل الظروف التى نعرفها جميعا.

فى «اليوم التالى» للقصف ــ أى فى أول أيام عيد الفطر ــ خرجت مضطرا فى مهمة عائلية، ومررت بقلب المدينة وبعض أماكنها الحية، وهالنى ما رأيت. حشود هائلة من المراهقين تتحرش بكل شىء تصادفه من أول بناتنا وأخواتنا إلى المحال التجارية المتلالئة بالأضواء المبهرة والمعروضات الثمينة، لم يكن ينقصهم سوى عود ثقاب، فالوقود وفير أصلا، ولو وجد عود الثقاب فإن شيئا لا يمكن أن يحول دون وقوع الكارثة، وكان رجال الشرطة يشغلون أنفسهم بتنظيم حركة السير فى وداعة ظاهرة، وحسنا فعلوا، فلو حاولوا أن يعالجوا أمراض مجتمع غارق فى عملية تنشئة شوهاء لحدث ما لا تحمد عقباه.

ومادمنا قد بدأنا بفيلم فلنختم بآخر. فى الفيلم الشهير «451 فهرنهايت» الذى عرض فى عام1966 ــ أى منذ قرابة نصف قرن ــ عشنا مع مجتمع معادٍ للثقافة التى جسدتها السلطة فى الكتاب. وبالتالى كانت عملية تنشئة هذا المجتمع تعتمد فقط على شاشات تليفزيونية عملاقة يجلس الناس العاديون أمامها مسلوبى الإرادة لكى تعرض عليهم توافه البرامج ما تعرض، وكانت المهمة الأولى لرجال الإطفاء هى إحراق الكتب، ومن هنا استمد الفيلم اسمه ــ حيث إن درجة حرارة احتراق الورق هى 451 فهرنهايت ــ فهل تقودنا رأسمالية الإعلان المتوحشة إلى هذا المصير دون حاجة إلى سلطة آمرة؟ لاشك أنه يتعين على الدولة أن تتصدى لمهمة حماية المجتمع من هذا المصير، وهى مهمة لا يمكن للدولة أن تنجح فيها إلا إذا كانت هى نفسها دولة سوية، وهذه قضية أخرى.

وإلى أن يحدث التغيير المنشود فإن المثقفين المصريين والعرب مدعوون إلى الاقتداء بسبل المواجهة التى بشر بها «451 فهرنهايت»، ففى الفيلم ظهر «أهل الكتاب» Book People الذين أخذ كل منهم على عاتقه أن يكون كتابا حيا، فهذا يحفظ «السياسة» لأرسطو، وذاك يحفظ «الجمهورية» لأفلاطون، وهكذا. وما أجدرنا بدورنا فى مواجهة هذه الهجمة الشرسة التى يتعرض لها العقل المصرى والعربى أن نكون من «أهل الكتاب» فنحافظ على تراث الكواكبى ومحمد عبده والطهطاوى وطه حسين والعقاد ومحفوظ والحكيم ومستجير وزويل، وغيرهم العشرات ممن وضعوا أساسا متينا لفكر مصر وثقافتها، وبنوا عليه صروحا نبتهل إلى الله ألا ينال منها شىء حتى ولو كان بقوة القصف الذى تعرض له العقل المصرى فى رمضان.

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية