الحزب الوطنى ورئاسة الجمهورية: وقفة واجبة مع النفس - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:29 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

الحزب الوطنى ورئاسة الجمهورية: وقفة واجبة مع النفس

نشر فى : الخميس 2 سبتمبر 2010 - 9:46 ص | آخر تحديث : الخميس 2 سبتمبر 2010 - 9:46 ص

 كثيرة هى الوقفات التى يحتاجها الحزب الوطنى الحاكم مع النفس، لكن أخطرها ما يتعلق بمسألة الترشح لرئاسة الجمهورية، إذ أحدثت سياسة (أو لا سياسة الحزب) فى هذا الصدد بلبلة واسعة فى أوساط الرأى العام لخطورة الموضوع بالنسبة لمستقبل مصر، فأحيانا تكون المؤشرات قوية على نية الرئيس مبارك الاستمرار فى موقعه، كما يدل على ذلك قوله فى إحدى خطبه ما يفيد أنه لن يتخلى عن مسئولياته طالما بقى فيه نفس يتردد أو عرق ينبض،

ونشاطه الدافق من حين لآخر فى متابعة العمل اليومى وحل مشكلاته والتخطيط للمستقبل، وأحيانا أخرى يبدو وكأن الساحة تعد لترشيح السيد جمال مبارك فى هذا الموقع، كما يظهر من نشاطه الحزبى اللافت، والطريقة التى تتم تغطية هذا النشاط بها، خاصة أن الأمانة التى يتولاها داخل الحزب (أمانة السياسات) تبدو «مطبخا» تعد فيه سياسات يلتزم بها الحزب، ومن ثم مجلس الوزراء، ناهيك عن أنصار «الفكر الجديد»، الذين انتشروا فى عديد من المواقع التنفيذية إذا استثنينا المواقع السيادية.

لكن سياسة الحزب استقرت على أن مرشحه للرئاسة هو الرئيس مبارك إلا إذا لم تكن لديه الرغبة، وهنا يكون لكل حادث حديث. والحقيقة أن هذا أول ما يحتاج إلى «الوقفة مع النفس»،

لأنه يسبب بلبلة لدى الرأى العام بالنسبة لهذا الموقع الحساس، ويفجر طاقات الغضب لدى المعترضين على استمرار الحكم فى أسرة الرئيس مبارك، فالسياسة الصحيحة للحزب ــ طالما أن ثمة اتفاقا على ترشيح الرئيس مبارك لفترة رئاسية جديدة ــ كان ينبغى أن تكون أن مرشح الحزب فى الانتخابات الرئاسية القادمة هو الرئيس الحالى. أما التحسب بأنه فى حالة كذا سوف يكون لكل حادث حديث فهو تحسب مربك، لأننا لا نقول مثلا إننا سنوفر خمسة ملايين فرصة عمل إلا إذا..

لأنه إن حدث تراجع فى تنفيذ سياسة ما فإن تبريره ممكن طالما أنه يستند إلى مسببات حقيقية. ولا شك أنه قد زاد البلبلة عدم صدور أى نفى قاطع لنية جمال مبارك الترشح للمنصب سواء منه أو من غيره، كما أن الرئيس مبارك عندما سئل فى مايو الماضى من قبل صحفى ألمانى عن نية الترشح لمدة رئاسية جديدة أجاب بقوله: «ربنا وحده هو الذى يعلم»، وأشار بإصبعه إلى فوق!

لكن الجديد الذى طرأ على هذه المسألة الملتبسة منذ بدايتها هو «الحملات الشعبية» لدعم ترشيح جمال مبارك لسدة الرئاسة، ففى اليوم نفسه (الخامس والعشرين من يوليو الماضى)، الذى نعتت فيه إحدى القيادات الكبيرة فى الحزب المتحدثين عن مرشحه فى الانتخابات الرئاسية المقبلة بسوء الأدب ظهرت أولى الحملات «الشعبية» لدعم ترشيح جمال مبارك للمنصب الرئاسى.

ولم يكن هناك من تفسير لهذه الحملات سوى أمرين: إما أنها مدعومة بعناصر فاعلة ونافذة داخل الحزب ترى أن مصالحها فى ظل حكم جمال مبارك سوف تكون فى مأمن أكثر مما هى عليه الآن، وهنا يمكن استحضار ما نسب إلى أحد كبار رجال الأعمال فى مصر بخصوص تمويل الحملة، وقد نفى الرجل ذلك، لكنه لم يخف موقفه من أنه يناصر رئاسة جمال مبارك إذا لم يترشح والده، وهو امتداد «للا سياسة» التى تميز دوائر الحزب العليا. ويلاحظ أن السيد صفوت الشريف الأمين العام للحزب الوطنى قد انتظر شهرا بأكمله ــ ولهذا مغزاه ــ حتى صرح فى 26 أغسطس الماضى بأن هناك إجماعا حزبيا على اختيار الرئيس مبارك مرشحا فى الانتخابات الرئاسية المقبلة، مضيفا ما يفيد استمرار السياسة أو «اللا سياسة» السابقة: «نحن فقط ننتظر قرار الرئيس نفسه، فنحن لا نفتئت ولا نجترئ على رغبته»،

وهو ما يعنى عودة إلى الحلقة المفرغة: أن مرشحنا هو الرئيس إذا أراد، ولا أعتقد أن ذلك من حسن الفطن. وفى ديمقراطية كالديمقراطية الأمريكية تكون رغبة الرئيس الموجود فى سدة الحكم فى الاستمرار مفروغا منها (لأن الحكم مقيد بمدتين أصلا)، وتظهر رغبة المنافسين من الحزب الآخر قبل موعد الانتخابات ربما بسنوات ثلاث حتى يمكن بناء قاعدة تأييد حقيقية لهؤلاء المنافسين، وهو ما لا يبدو أننا نحتاج إليه فى السياق المصرى!
هذا ما يتعلق بالتفسير الأول.

أما التفسير الثانى فهو أن تكون الحملات شعبية فيبدو منافيا للعقل، وحتى إذا أثبت القائمون على هذه الحملات أنها تتم بوازع من اقتناعهم الجازم بجدارة جمال مبارك عن والده بحكم مصر فى المدة الرئاسية المقبلة فإننا نعلم أن مثل هذه الحملات تحتاج تمويلا، وهو بالتأكيد يتجاوز ما قيل عن «تبرعات» الأفراد المنضوين تحت لوائها، فأبسط الحسابات يشير إلى أن هذه الحملات تحتاج تمويلا «حقيقيا» من ذلك النوع الذى نسب للملياردير المصرى المعروف ونفاه. أما أن يستخف منظمو هذه الحملات بعقولنا فهو أمر لا يمكن قبوله.

غير أن اللافت استمرارا لسياسة «اللا سياسة» أن أول تعليق صدر عن دوائر الحزب بشأن هذه الحملات قد أشار إلى أن السيد جمال مبارك لا علاقة له بها ولكنه لا يوقفها، ولم يكن مطلوبا أن يوقفها طالما أنها «شعبية»، لكن المطلوب كان أن يعلن بنفسه هذا مضافا إليه أن المرشح الرئاسى للحزب هو والده فحسب، لأنه لا يدرى كم أساءت إليه هذه الحملات، فهى أولا تتم من قبل شخصيات ليس من مصلحته على الإطلاق أن تتبنى حملته الرئاسية ــ حتى ولو بغير إرادة منه ــ ومسئولية هذه الشخصيات عن أى حملة رئاسية لكائن من كان تصغر من شأنه وشأن المنصب كثيرا.

من ناحية ثانية كانت هذه الحملات مناسبة لعديد من المنافقين للإدلاء بدلوهم فى الموضوع، وكم كان مثيرا للشفقة والضحك معا ذلك المسئول السياسى الصغير فى إحدى المحافظات، الذى اختلطت عليه الأمور فأعد لافتات فيها أهرامات ثلاثة، وأعطى للرئيس مبارك هرم خوفو، وللسيدة قرينته هرم خفرع، وللابن جمال هرم منقرع، ونسى المسكين أن ثمة عضوا رابعا فى الأسرة الرئاسية ربما كان يستحق أبا الهول! مثل هذا النفاق الرخيص الممزوج بالارتباك الشديد يصغر من شأن حملة رئاسة مصر أيا كان المرشح فيها.

ويبقى ثالثا وأخيرا أن المضمون غاب تماما عن هذه الحملات، اللهم إلا وقوع بعض المنافقين أيضا فى «المحظور» بإعلانهم أن جمال مبارك هو أصلح من يواجه الفساد الذى عم البلاد، وهو اعتراف خطير بالإضافة إلى أنه يشير إلى مسألة غاية فى الأهمية وهى أن جمال مبارك لم يبلور لنفسه مشروعا للتغيير يمكن أن يبنى عليه حملته الرئاسية.

صحيح أن ثمة حديثا عن «فكر جديد»، لكنه فكر يمتد بجذوره الراسخة فى الوضع الراهن، ولقد كان من الأمور المحزنة أن تستخدم أغنية تحمل عبق مشروع وطنى يعود إلى خمسينيات القرن الماضى (يا جمال يا حبيب الملايين) لإعطاء زخم لحملات تأييد جمال مبارك. لم يكن الأمر بالنسبة لى مساسا لا يليق بحقبة تاريخية عزيزة فحسب وإنما دليل إفلاس.

يحتاج الحزب الوطنى إذن إلى أن يحزم أمره، ويبلور سياسة ينطبق عليها بحق معنى السياسة بشأن مسألة تتعلق بمستقبل مصر لسنوات مقبلة، وليس من صالح الحزب أو صالح مصر بأى حال أن تبقى الأمور على ما هى عليه.

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية