ليس الدور كالتأثير، فالدور سياسة مقصودة لترتيب الأوضاع فى البيئة الخارجية لصاحب الدور وربما لمن يعمل لحسابه أو بالتحالف معه، وهو يتطلب لكى يكون فاعلا مقومات مادية ومعنوية مثل القيام بعمل عسكرى أو تقديم عون اقتصادى لتفعيل الدور، كذلك لابد من توافر رؤية سياسية تجذب القوى التى ينصرف إليها الدور، وقد يكون الدور مستقلا يهدف إلى تحقيق مصالح القائم حصرا، وقد يكون تابعا لقوة كبرى أو عظمى يحقق مصلحتها وبالتوازى تحقيق مصالح للقائم بالدور. أما التأثير فأمر مختلف، فهو يحدث دون أن تتعمد الدولة المعنية ذلك ويرجع إلى عمق تاريخى أو تجربة ناجحة فى السياسة أو الاقتصاد أو رؤية جاذبة للآخرين، وواضح أن مقومات الدور والتأثير تتشابك لكن الفارق يبقى هو السياسة العمدية فى حالة الدور وحدوث التأثير دون قصد من الدولة، وبالتالى يصعب أن يكون التأثير لحساب الآخرين.
•••
عرفت مصر اعتبارا من ثورة 23 يوليو الدور الناجح وانتكاساته، والتأثير الإيجابى أو السلبى فى محيطها العربى بصفة خاصة. فى البدء كانت دوائر عبدالناصر الثلاثة (العربية والأفريقية والإسلامية) وتصوره لدور مصر فيها، والأهم أن هذه الرؤية وُضعت موضع التطبيق، فلعبت مصر دورا قياديا بارزا فى كل من الوطن العربى وأفريقيا ارتكز على إنجاز مهمة التحرر الوطنى فيها، ووصل «تأثير» هذا الدور إلى آسيا وأمريكا اللاتينية. وقد بدأ عهد السادات بالحفاظ على تقاليد دور مصر العربى فى عهد عبدالناصر، وبلغ ذلك الدور ذروته فى حرب أكتوبر 1973، غير أن مشروعه للتسوية مع إسرائيل أهدر هذا الرصيد كله، وفقدت مصر دورها العربى خاصة وقد أصبح واضحا أن السياسة الخارجية المصرية تعمل لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، أو على الأقل تحرص على عدم الاختلاف معهما، غير أن اللافت أن «التأثير» المصرى استمر بشكل سلبى إذا جاز التعبير، ذلك أن مشروع التسوية بدأ يتغلغل بالتدريج داخل النظام العربى. أما مبارك فقد نجح فى ترميم شبكة علاقات مصر العربية مستفيدا من التطورات الإقليمية التى جسدت الخطر الإيرانى على الخليج العربى بل وعلى الوطن العربى كله، لكنه بالمقابل أمعن فى التماهى مع السياستين الأمريكية والإسرائيلية، ومن ثم تفاقم تراجع الدور المصرى عربيا.
•••
بدأ العهد الحالى برؤية مشابهة لرؤية عبدالناصر فى «فلسفة الثورة»، على الأقل من حيث منظور الدوائر الثلاثة، لكن الفارق أنه باستثناءات قليلة لم تترجم هذه الرؤية إلى دور عربى فاعل. صحيح أن مصر غيرت موقفها من حصار غزة، لكن الالتزام بمعاهدة السلام مع إسرائيل بقى على حاله، بل لقد تم تجاهل المطلب الملح للبدء فى اتخاذ إجراءات تعديل المعاهدة، وتبنت مصر موقفا مؤيدا للثورة السورية لكن مبادرتها بالدعوة إلى لجنة رباعية للنظر فى الأزمة السورية باءت بالفشل الذريع، إذ انطوت هذه اللجنة على تناقضات أساسية بين أعضائها، وظلت السياسة العربية لمصر شديدة التأثر بدول الخليج خاصة السعودية وقطر فيما لم تتخذ هذه السياسة أى مبادرة خلاقة تجاه دول الربيع العربى أو غيرها من الدول العربية.
لكن اللافت هنا أن «تأثير» التطورات المصرية فى الوطن العربى قد تصاعد بشكل كبير. والواقع أنه منذ اللحظة الأولى للإطاحة بالرئيس السابق كان واضحا أن هذا التأثير سوف يكون طاغيا. لم تكن لحظات الفرحة الأولى بإعلان تنحى مبارك قد اكتملت عندما فوجئت بمكالمة هاتفية من واحد من تلامذتى فى صنعاء يقول فيها إنه بمجرد إعلان خبر التنحى خرج اليمنيون من كل شارع وحارة وشق فى صنعاء فى اتجاه ميدان التحرير وتجمعوا بعد أن غلبتهم الحماسة التى عبروا عنها فى ترديد الأهازيج وأداء الرقصات اليمنية التقليدية، وبالذات فى ميدان التحرير (لصنعاء أيضا ميدان تحريرها وله ذكريات عزيزة فى ثورة 1962، وإطلاق الاسم فى حد ذاته دليل على التأثر بما يجرى فى مصر)، وأردف قائلا إن المشهد برمته يوحى بأن ميدان التحرير فى صنعاء جزء من ميدان التحرير فى القاهرة. لم أكد أفرغ من هذه المكالمة حتى تلقيت غيرها من آخر مكان أتوقعه: بعض من طلبتى من مدينة العيون بالصحراء فى أقصى المغرب العربى يهنئون بنجاح الثورة وهم فى حالة فائقة من الحماسة، ويعربون عن أن مصر بسبيلها إلى استعادة دورها وفيه نهضة للعرب جميعا وعلامات الخلاص من الاستبداد. تكررت المكالمات بعد ذلك من فلسطين والجزائر والمشرق والخليج. كان واضحا أن الجميع يرون فى نجاح الثورة الشعبية فى مصر تجسيدا لحلمهم بالانعتاق والطموح إلى مستقبل أفضل. لم أشعر بمعنى «التأثير» العربى لمصر كما شعرت به فى ذلك اليوم الخالد.
•••
وثمة مؤشرات على أن هناك اهتماما واسعا وقلقا فائقا فى الوطن العربى بأكمله سواء على الصعيد الرسمى أو الشعبى بالتطورات المصرية، والمنطق واضح أن ما يجرى فى مصر يرسم مستقبل العرب جميعا، فوجئت بمحدثى السعودى وهو من نخبة الصف الثانى فى الحكم فى بلاده يبادرنى بأسئلة متلاحقة عما يجرى فى مصر، ويبدو أنه لاحظ الدهشة على وجهى فقال: إن مستقبل بلادى يُصنع الآن فى مصر التى كانت دائما صاحبة تأثير طاغٍ على السياسة السعودية، ففى أعقاب ثورة 23 يوليو تكون لدينا تنظيم للضباط الأحرار، وعندما تمكن النظام من مواجهته ظهر «الأمراء الأحرار»، وبذل الحكم جهودا فائقة لصد موجات التغيير القادمة من مصر، وكان هذا فى حد ذاته نوعا من «التأثير» غير المباشر، والآن يبدو «التأثير» مختلفا، فلا نجاة لبلادى من حكم الإخوان المسلمين إلا إذا أوقف الشعب المصرى وقواه السياسية تجربتهم فى مصر.
أتاحت لى زيارة عمل إلى تونس أن ألتقى عديدا من المسئولين والمثقفين العرب. وفى هذا السياق بادرنى مثقف كويتى بارز بالسؤال عن تقديرى لما آلت إليه الأوضاع فى مصر، ولاحظت أنه ملم مثلى بتفاصيل هذه الأوضاع فقلت مازحا: يبدو أنه أنا الذى يجب أن أسأل وأنت تجيب، فرد على قائلا: «دعك مما يحدث فى بلادى وغيرها من البلدان العربية على أهميته، فمستقبلنا جميعا يبدأ من مصر وما يحدث فيها. هل تصدقنى إذا قلت لك إننى أعرف عن الأوضاع فى مصر أكثر مما أعرفه عن الأوضاع فى بلادى؟ أعود من عملى فلا أشاهد طول الوقت إلا الفضائيات المصرية حتى ضاق أولادى ذرعا». أما فى تونس نفسها فحدث ولا حرج، وهى صاحبة تجربة مشابهة لمصر، والقوى الحاكمة فيها من نفس عينة مثيلتها فى مصر، واللافت أنه ما من مواطن تونسى عادى يعرف أنك مصرى وإلا ويبادرك من فوره بالسؤال عما يجرى فيها. قد لا يملك هذا المواطن القدرة على التحليل ولكن منطق اهتمامه الفائق يبدو شديد الوضوح، ولا أنسى عاملة خفيفة الظل فى أحد المحال وهى تعلق بعد أن اعتصرتنى أسئلتها عن الأوضاع فى مصر: «نحن وأنتم دخلنا فى حائط»!.
•••
لا أقول ما سبق فى معرض حديث «أكاديمى» عن تأثير مصر فى الوطن العربى وإنما أتمنى أن تكون فيه رسالة صادقة إلى جماعة «الإخوان المسلمين» الحاكمة فى مصر: إن ما تفعلونه فى مصر الآن لا يلقى تأييدا عربيا خارج نطاق أنصاركم، بل إنه يثير لديهم إحساسا فائقا بالخطر، دعكم من الزهو بالأرقام والنسب التى تمررون بها سياساتكم، فالكل يعلم أنها حتى لو كانت صحيحة تماما لا تعبر إلا عن أقلية قليلة من الشعب المصرى بسبب العزوف عن «الصناديق»، ولن ينفعكم إعلان دستورى يقيل نائبا عاما، أو دستور ينزل إلى مستوى التخلص من عدد من القضاة الذين تصدوا لانقضاضكم على القانون، وإنما تصلح أموركم بالعمل على بناء ديمقراطية يشارك فيها الجميع أولا وتحتكم إلى الصناديق ثانيا، فإن لم تفعلوا ــ وأشك أن يكون فى مقدوركم ذلك بسبب الزهو بالسيطرة ــ فإنكم سوف تعودون إلى نقطة الصفر وتكلفون مصر والوطن العربى ثمنا باهظا.