أسطول الحرية: الجريمة والعقاب - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:10 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

أسطول الحرية: الجريمة والعقاب

نشر فى : الخميس 3 يونيو 2010 - 9:59 ص | آخر تحديث : الخميس 3 يونيو 2010 - 9:59 ص

 عندما كنت أتابع مسيرة «أسطول الحرية» باتجاه قطاع غزة سعيا إلى كسر رمزى للحصار الجائر على أهلها كنت متأكدا أنه لن يصل إلى مينائها، وذلك بسبب المزاج الإسرائيلى الراهن بالغ التطرف، الذى تُنفذ فى سياقه جميع بنود جدول أعمال الصهيونية الكريهة فى الأراضى الفلسطينية دون خشية من حساب، فما بالنا بعمل يمثل تحديا لإرادة إسرائيل، ويريد أن يثبت لها أنها لا تستطيع أن تفرض على شعب بقرار منفرد حصارا يتنافى، وجميع الأعراف والقوانين الدولية.

كان توقعى إذن أن تقتاد سفن الأسطول إلى ميناء أشدود الإسرائيلى، ويحتجز مئات النشطاء الموجودين على سطحها تمهيدا لإعادتهم إلى أوطانهم ما لم تجد إسرائيل مبررا للاستمرار فى احتجاز بعضهم، وما أكثر مبرراتها! لكن ما حدث فاق خيالى فقد اختارت إسرائيل أن تهاجم سفن الأسطول بحرا وجوا، وكأنها فى معركة طاحنة مع إرهابيين، وليست فى مواجهة مع نشطاء حقوق الإنسان، وإذا بالأنباء تتواتر عن جرحى وقتلى يسقطون فى واحدة من أكثر المعارك خزيا لإسرائيل.

وأى خزى! آلة الحرب الإسرائيلية المعروفة لنا جميعا فى مواجهة مع سبع سفن تحمل أكثر من عشرة آلاف طن من المساعدات الطبية ومواد البناء والأخشاب، ومائة منزل جاهزة لإسكان عائلات هدمت منازلها فى العدوان على غزة 2008/2009، وخمسمائة سيارة كهربائية لاستخدام المعاقين حركيا، وسبعمائة وخمسين مشاركا من أكثر من خمسين دولة، بينهم أربعة وأربعون شخصية رسمية وبرلمانية وسياسية أوروبية وعربية. وفى حدود ما أعلم فإن هذه هى الجريمة الأولى من نوعها فى سجل إسرائيل المتخم بالجرائم، فالجريمة هذه المرة ترتكب بحق نشطاء حقوق إنسان ذوى أهداف إنسانية لا يضمون عربا فحسب وإنما شخصيات أوروبية وأمريكية.

صحيح أن لإسرائيل سوابقها فى ارتكاب جرائم بحق مقار للأمم المتحدة وعاملين فى هذه المنظمة الدولية، وصحيح كذلك أن أسنان الجرّافة الإسرائيلية الهمجية، التى انغرست فى جسد الناشطة الأمريكية راشيل كورى وهى تحاول التصدى لهدم منزل فلسطينى ما زالت شاهدة على الإمعان الإسرائيلى فى الاستخفاف بحياة الإنسان ناهيك عن كرامته، لكن إسرائيل فى كل هذه الجرائم وغيرها كانت تستطيع الادعاء بأنها وقعت عن طريق الخطأ، وكان بمقدورها فى كل مرة أن تقدم اعتذارا، وأن تعلن عن تحقيق سوف تجريه ــ عادة ما يثبت وجهة نظرها ــ وينتهى الأمر.
أما فى الجريمة الحالية فإن شبهة العمد ثابتة، ولا تستطيع إسرائيل الادعاء بأن من فقدوا أرواحهم فى عملية الاقتحام قد قتلوا على سبيل الخطأ، فنحن إزاء قرار اتخذ على أعلى مستوى سياسى فى إسرائيل، ولم يكن بمقدور أى عاقل أن يتخيل أن عملية تنفيذه سوف تكون نظيفة مائة بالمائة، ولذلك فإن إسرائيل تجد نفسها ــ ولو مؤقتا ــ فى موقف بالغ الحرج يعكسه التعتيم التام على أسماء القتلى والجرحى بعد يوم من إتمام الجريمة لعلها تتمكن من تدبير أمرها، وتظهره العصبية الزائدة فى ملامح المسئولين، الذين تولوا مهمة الدفاع عن وجهة النظر الإسرائيلية، وهو موقف يشبه مع خلاف فى الدرجة بطبيعة الحال الموقف الذى وجدت إسرائيل نفسها متورطة فيه بعد واقعة اغتيال القيادى الفلسطينى محمود المبحوح.

ولذلك أعدت إسرائيل قائمة من المبررات التى تريد أن تلوى بها عنق الحقائق يأتى فى مقدمتها أن الوضع الإنسانى فى قطاع غزة لا يحتاج إلى مثل هذا العمل، ولا يدرى المرء متى يكون الوضع الإنسانى فى مكان ما مترديا إن لم يكن كذلك فى غزة، وهو ما أجمعت عليه جميع التقارير الدولية على أى حال، ثم تقول إسرائيل ثانيا إنها عرضت على منظمى مسيرة «أسطول الحرية» تفريغ المساعدات فى ميناء أشدود وإيصالها إلى غزة متناسية أن الهدف ليس هو تقديم المساعدات فى حد ذاته، وإلا لقبل المنظمون ما قيل إنه عرض مصرى مشابه، وإنما الأساس فى مسعى «أسطول الحرية» هو الكسر المعنوى للحصار على غزة وليس تأكيده من خلال اعتبار إسرائيل البوابة الأساسية لإيصال المساعدات إلى أهل غزة.

تركز إسرائيل بعد ذلك فى دفاعها عن جريمتها على حقيقة أن «حماس» منظمة إرهابية، وأن المتطرفين الإسلاميين هم أصحاب الكلمة العليا فى أسطول الحرية، وهى بهذا تتخبط على نحو يظهر مدى ارتباكها إزاء هذا الأسلوب من أساليب المقاومة، فالسياسة الإسرائيلية القائمة على ترهيب الفلسطينيين وتجويعهم ناهيك عن إبادتهم موجودة من قبل أن تولد حماس، وهى تنسى أن «حماس» قد وصلت إلى الحكم من خلال انتخابات نزيهة مما يعنى، بافتراض صحة وجهة نظر إسرائيل عنها، أنها هى التى أوصلت الشعب الفلسطينى بسياساتها إلى أن يجد فى حماس طريق الخلاص من سجن الاحتلال.

ناهيك عن أن آلة الدعاية الإسرائيلية تتغابى مضطرة فتصور أن «أسطول الحرية» يخضع لقيادة الإسلاميين المتشددين ناسية أنه بفرض صحة هذا الادعاء فكيف تمكن هؤلاء من إقناع مئات النشطاء من أكثر من خمسين دولة بمشاركتهم هذا العمل «الإرهابى» ما لم يكن الإمعان الإسرائيلى فى انتهاك حقوق الشعب الفلسطينى قد بلغ مبلغه؟
هذا عن الجريمة الإسرائيلية فماذا عن العقاب؟ تعودت إسرائيل أن تفلت بكل جرائمها وعلى رأسها الجريمة الكبرى المتمثلة فى اغتصاب فلسطين وتشريد شعبها، وللأسف فإن ثمة مؤشرات على أن ذلك يمكن أن يحدث هذه المرة أيضا على الرغم من بشاعة الجريمة.

على الصعيد العربى من الواضح أن النظام الرسمى العربى قد أحرج إحراجا شديدا فى هذا الصدد، فهو لم يؤيد مسيرة «أسطول الحرية» أصلا، ويبدو أنه ــ أى النظام العربى الرسمى ــ كان مستكينا لفكرة أن مصير الأسطول سوف يؤول فى هدوء إلى الأيدى الإسرائيلية، ولا مانع فى هذا الحال من بعض عبارات للاستنكار والإدانة، لكن الجريمة فاجأت الجميع فأدرك النظام العربى أن عليه أن يفعل شيئا تفاديا للحرج. هكذا خرجت تصريحات تتراوح بين الاستنكار والإدانة من عديد من الدوائر المسئولة فى الدول العربية، وحرص بعضها على الزهو بأنه كان صاحب مبادرة دعوة مجلس الجامعة العربية للانعقاد، وتشدد البعض فطالب بسحب المبادرة العربية لعام 2002 ودعم المقاومة. والمشكلة أن جميع هذه المواقف لا تعنى فعلا عربيا اللهم إلا دعم المقاومة الذى تقف أهوال دون أن تتبناه الدول العربية بالفعل، وأغلب الظن أن الاجتماعات الرسمية العربية سوف «تندد بشدة» بالجريمة، وقد تلوح برفق باتخاذ خطوات لن تعنى كما سبقت الإشارة أى قدرة على الفعل كما فى الحديث عن سحب المبادرة العربية، وقد تطالب كما فعلت فى سنوات بكسر «فورى» لا يحدث أبدا للحصار على غزة.

لكن المؤشر الأخطر يتعلق بردود الفعل الشعبية. صحيح أن تحركات نخبوية وجماهيرية قد تمت فى معظم الأقطار العربية، ولكنها حتى الآن محدودة تحمل مطالب مألوفة تتجه إلى حكومات يعرف من يشارك فى هذه التحركات أنه لن تتم الاستجابة لها، بل إن بعض القوى السياسية غير الرسمية والشعبية قد استخدمت مفردات النظم الحاكمة نفسها بخصوص ضرورة «وضع الأمم المتحدة» أمام مسئولياتها، ولا بأس من المطالبة بوضع أى طرف آخر أمام مسئولياته دون أن يدرى المرء لماذا ينظر العرب إلى قضيتهم من علٍ، ويطالبون بتحمل الآخرين مسئولياتهم ولا يتحملون هم الحد الأدنى من المسئولية؟ بل لقد طاب لعديد من ممثلى القوى «الإسلامية» فى الوطن العربى فى سياق الإعجاب بالموقف التركى أن يتحدثوا عن «دولة الخلافة» تحديدا، وأن يستحضروا التاريخ العثمانى فى هذا الموقف، فأى خلط وارتباك فى فهم الأمور قد أصابنا.. وأى تقاعس جسيم عن تحمل مسئولياتنا بات يتهددنا؟

وقد ينقلنا ذلك إلى بروز الدور التركى فى مواجهة هذه الجريمة كما فى مواقف أخرى سابقة، وهو ما بات يمثل حضورا تركيا متزايدا فى الشئون العربية، ولعله يبرر لدى البعض الخلط والارتباك السابقين، فقد انفردت تركيا بأكثر المواقف حدة من الناحية اللفظية، وإلغاء مناورات عسكرية كانت مقررة مع إسرائيل، والتهديد بعواقب وخيمة من جراء ما فعلته إسرائيل. أما على الصعيد الدولى فلا جديد تحت الشمس كما هو الحال على الصعيد العربى، فالإدارة الأمريكية تأسف لسقوط قتلى فى العملية، أى أنه لا بأس من عملية مماثلة على أن تكون نظيفة، والاتحاد الأوروبى يطالب بتحقيق فورى، وكأن ما وقع لا يكفى لإثبات الاستهتار الإسرائيلى بكل قيم العالم المتحضر وقوانينه، وكأنه ــ أى الاتحاد الأوروبى ــ لا يعلم مصير مطالبات التحقيق السابقة، وفرنسا لا تجد مبررا لاستخدام كل هذا العنف فى العملية، أى أن عنفا أقل قد يصلح المعدة، أما الأمين العام للأمم المتحدة بان كى مون ومبعوث اللجنة الرباعية إلى الشرق الأوسط تونى بلير فهما «مصدومان»، وقد سبقت إصابتهما بالصدمة غير مرة من جراء الأفعال الإسرائيلية، لكنها كانا يتعافيان بشكل سريع وفعال. وفى العموم غاب الجديد، الذى يناسب بشاعة الجريمة عن المواقف الدولية.

وللأمانة فإن ردود الأفعال الدولية بالذات قد تتسع بعد أن نعلم المزيد عما تم، وبعد أن يعود الناجون من النشطاء إلى أوطانهم فيروون حقيقة ما حدث، وقد تضيف الجريمة إلى الرصيد السلبى الكئيب للصورة الإسرائيلية فى الساحة الدولية، لكن هذا كله لا يمكن التعويل عليه، فالقضية قضيتنا، والجريمة فى التحليل الأخير وقعت فى شأن خاص بنا، ولذلك فما لم نمسك قضيتنا بين أيدينا لن يكون ثمة سبيل للخلاص، وقد بُحَت الأصوات منذ سنوات بعيدة فى وصف هذا السبيل. لكن الجميع ــ فلسطينيا وعربيا ــ يبدو مستكينا إلى الوضع الراهن الذى يجلب المنافع الضيقة الجزئية والوقتية على حساب قضايا الأوطان والأمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية