ثمة دعوة شائعة منذ مدة بين القوى السياسية فى الساحة المصرية تطالب بتسليم المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة فورا للمدنيين، وأهم الحجج التى تُساق فى هذا الصدد هو الخوف المشروع من أن تفضى المرحلة الانتقالية إلى إدامة حكم العسكر الذى عرفته مصر بشكل أو بآخر منذ 1952، بالإضافة إلى حجج أخرى أهمها الأخطاء المنسوبة للمجلس واتهامات التقصير الموجهة له. تأخذ هذه الدعوة أحيانا شكلا غير مقبول من بعض القوى الناشطة على المسرح السياسى المصرى فترفع شعارات مسفة بخصوص المجلس ورئيسه، وكأن المجلس لم يكن له أى دور فى الثورة، وكأنه متآمر عليها وليس حاميا لها. وعيب هذا المسلك أنه يحرف النقاش إلى دروب فرعية لا شأن لها بالمسألة الأصلية وهى التحول من الحكم العسكرى إلى الحكم المدنى.
●●●
من حيث المبدأ فإن هذه الدعوة لابد وأن يكون مآلها هو الاستجابة لها، فطبيعة الأمور أن تتولى القوى السياسية شئون الحكم وتختص المؤسسة العسكرية بحماية أمن الوطن خاصة وأن الدعوة تُرفع فى أعقاب ثورة شعبية فى جوهرها رفضت القوات المسلحة أن تتدخل لقمعها. لكن المسألة لا تتعلق بالمبدأ فحسب وإنما بأمور أخرى كثيرة تنبثق من فكرة الملاءمة، ويعنينا منها هنا سلامة التوقيت، فإلى من يسلم المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلطة فى هذه الحالة من الانقسام التعيس بين القوى السياسية التقليدية وانفراط عقد شباب الثورة حتى أصبحوا شخوصا ثانوية فى المشهد السياسى، وأحيانا غائبة لحساب قوى كان لها دورها المعروف فى النظام القديم، ومساهمتها فى إضفاء نوع من الشرعية على ادعاءات الديمقراطية فيه.
وإذا كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة متهما بنقص فى الخبرة فإن التهمة يمكن أن ترتد إلى القوى السياسية ذاتها، ولا ذنب لأحد فى هذا أو ذاك فقد جرف النظام السابق كل الخبرات المتميزة التى كان يمكن أن تدير دفة الحكم باقتدار، وإذا كان هناك من يعترض من القوى السياسية على هذا التحليل الذى يشير إلى انقسامها الكبير فلتحاول هذه القوى تشكيل مجلس واحد يمثلها. لقد نادى معظم هذه القوى بتشكيل مجلس رئاسى مدنى، فلتجرب أن تشكل هذا المجلس وأن تعطيه صلاحية تمثيلها وتقديم العون والمشورة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة أو معارضته. يضاف إلى ما سبق حالة الانفلات الأمنى التى تفاقم معها معضلة استعادة الشرطة إمكاناتها وهيبتها فى سياق ديمقراطى جديد، ومن الواضح أن العون الذى تقدمه القوات المسلحة لمواجهة هذه الحالة ليس كافيا، وقد يقال إن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يتعمد استمرار حالة الانفلات الأمنى ليديم حكمه، مع أن هذا الاستمرار على العكس يقوض بالتدريج من شرعية إدارته للمرحلة الانتقالية.
●●●
هل يعنى ما سبق أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لا يتحمل أية مسئولية عن الوضع الراهن؟ الإجابة بطبيعة الحال هى النفى، فثمة تقصير وأخطاء وتضارب فى الأداء يمكن أن تُنسب إليه، ويعود بعض الأسباب فى هذا إلى عوامل خارجة على إرادة المجلس، وبعضها الآخر إلى عوامل يتحمل مسئوليتها. أما العوامل الخارجة على الإرادة فتشير إلى أن إعداد القوات المسلحة أصلا لا شأن له بالممارسة السياسية، ومن هنا نقص الخبرة بتعقيدات السياسة المصرية والقوى المختلفة الفاعلة فيها، أما العوامل الأخرى التى يتحمل المجلس مسئوليتها فهى عدم تأسيسه نظاما متكاملا لتقديم المشورة مما أدى إلى ترتيب خاطئ للأولويات (الانتخابات قبل الدستور) وتضارب فى القرارات أحيانا (تعديل دستورى ثم إعلان دستورى جديد) وعدم فاعلية بعضها (تجريم الاعتصامات وعدم القدرة على مواجهتها). وبخصوص تأسيس نظام متكامل لتقديم المشورة أعود إلى مطالبة عديد من القوى السياسية بمجلس رئاسى مدنى تنتقل إليه السلطة، وهى فكرة مستحيلة التنفيذ سواء لغياب التوافق الوطنى حولها أو لأن القوات المسلحة قد تجد نفسها مدعوة لحماية تنفيذ قرارات وخطوات خطيرة يتخذها المجلس الرئاسى دون أن تكون شريكة فيها.
بالمقابل فإننى أطرح فى هذا الصدد أن يبادر المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى تشكيل مجلس استشارى يعبر عن جوهر الاقتراح الخاص بالمجلس الرئاسى دون تهميش للقوات المسلحة، ولكى تكون لهذا المجلس قيمة وصدقية فى الأوساط السياسية المصرية يجب أن يكون ممثلا لجميع ألوان الطيف السياسى والفاعليات الاجتماعية والخبرات القانونية والسياسية والاقتصادية. بعبارة أخرى فإن مجلسا كهذا لابد وأن يضم ممثلا للتيار الدينى وآخر للقوى المدنية وثالثا لشباب الثورة ورابعا للفاعليات النقابية مع عدد من الخبرات القانونية والسياسية والاقتصادية وغيرها. وسوف يكون عمل هذا المجلس هو تقديم المشورة السليمة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة بما يعكس أكبر قدر ممكن من التوافق الوطنى، فإن لم يتمكن من هذا يمكن أن يطرح على المجلس بدائل سياسات وقرارات فى القضايا الكبرى بل والمشكلات اليومية. ولن يرضى تكوين هذا المجلس الجميع بطبيعة الحال، ولكن اتباع أقصى قدر من الموضوعية فى تكوينه سوف يكون موضع إدراك من الرأى العام ونخبته الفكرية والسياسية، وكما حكم معظم هؤلاء على تشكيل لجنة تعديل الدستور بأنه معيب وغير متوازن سوف يكون ممكنا إصدار حكم إيجابى على تشكيل المجلس الاستشارى طالما روعيت صفته التمثيلية بأكبر درجة ممكنة. أعلم أن فكرة تكوين مجلس استشارى لن تروق للكثيرين، وأن البعض سوف يقول على الأقل إنها جاءت متأخرة للغاية مع أن المشهد السياسى المصرى مقبل على تعقيدات هائلة فى عملية الانتخابات القادمة وما بعدها.
وبعيدا عن هذا كله سوف يتعين على المجلس الأعلى للقوات المسلحة أن يواجه بحزم حالة الانفلات الأمنى قبل إجراء الانتخابات، وتقع فى صلب هذه المواجهة مهمة إعادة الفاعلية والهيبة لدور الشرطة، وعلينا فى هذا الصدد أن نسترشد بتجارب غيرنا، وأن تتم عملية تطهير حقيقى لجهاز الشرطة، وأن نعيد إليه من أحالهم العادلى ورجاله إلى الاستيداع لتميزهم أو عدم انسياقهم وراء سياساته، وأن نُطَعِّم جهاز الشرطة على نحو سريع بجامعيين يشاركون فى حمل رسالة الشرطة بعد توفير التدريب المناسب لهم، وأن نتوقف عن تجنيد «الفرز الثالث» من الأميين فى جهاز الشرطة، فهم يسيئون ــ منذ ما قبل ثورة يناير 2011 ــ إلى صورة الشرطة بإمكاناتهم الذهنية والبدنية المحدودة، وأن نضع تصورا جديدا للدور السياسى للشرطة يقوم على أساس حماية المظاهرات لا ضربها شريطة أن يطلب منظمو هذه المظاهرات إذنا بتنظيمها وبيانا بمسارها كما يحدث فى أية دولة ديمقراطية، وساعتها سوف يمكن التصدى للمظاهرات التى لا تهدف سوى للتخريب، وتستخدم ممتلكات الشعب العامة فى الابتزاز من أجل الاستجابة لمطالب المشاركين فيها، ولن يكون هذا التصور الجديد ممكنا دون تغيير حقيقى فى منظومة القيم التى تعمل الشرطة تحت لوائها، ويُنشّأ عليها أفرادها، وكذلك دون قيادات واعية تستطيع أن تعيد الضبط والربط إلى جهاز لا يمكن أن يعمل بالكيفية نفسها التى تعمل بها النقابات المهنية أو العمالية على سبيل المثال.
●●●
ثمة حاجة إلى بناء مؤسسى حقيقى إذن قبل أن نتحدث عن نقل فورى للسلطة إلى المدنيين، وقد يرى البعض فى هذا الرأى حجة وتسويغا لإطالة أمد الحكم العسكرى، وهو رأى أحترمه لكن الرد عليه سهل: فقد أصبح من الصعب خداع الشعب المصرى، وبات هذا الشعب قادرا على أن يميز بين القيام بأعمال «بهلوانية» والعمل الجاد فى خدمة الوطن، ولتطول المرحلة الانتقالية قليلا تحت الرقابة الشعبية الصارمة طالما كان المقابل هو حماية الثورة أما الاكتفاء بالإلحاح على شعار ثورى يطالب بتسليم فورى للسلطة إلى المدنيين فى غياب الملاءمة السياسية والأمنية فقد يكلفنا ما بقى من ثورة يناير التى روى الشهداء شجرتها بدمائهم.