أفرزت الأزمة الأخيرة فى العلاقات المصرية ــ الجزائرية عددا من الموضوعات من أهمها ما أثير عن الكراهية العربية لمصر والمصريين، وهو موضوع خطير لأن البعض رتب عليه مطالبة باستقالة مصر من العرب والعروبة. طرح الموضوع من البداية بنهج غير علمى لا يجب أن نستدرج إليه، فمن قال أصلا إن الدول العربية كافة أو أن العرب كلهم يكرهون مصر؟
من المؤكد أن هناك نظما عربية مختلفة مع مصر، وقد تتنافس معها على دور أو آخر فى النظام العربى، بل وقد لا تخلو المنافسة من «ضرب تحت الحزام». ومن المؤكد أيضا أن قطاعات من العرب لا تستريح لحضور مصر العربى، وقد تكره لذلك مصر والمصريين.
ولكن من قال إن هذا الحكم يطول جميع النظم العربية أو يشمل العرب كلهم؟
وما دامت الأزمة قد نشأت بسبب «مباراة كرة» فلنبدأ محاولة الإجابة عن الأسئلة السابقة بأمثلة كروية. حدثنى مسئول عربى تولى منصبا رفيعا بأنه كان فى تونس العاصمة يوم المباراة النهائية فى كأس الأمم الأفريقية الأخيرة التى فازت بها مصر،
وأنه فوجئ أثناء وجوده بالفندق بدوى هائل ناجم عن أصوات بشرية. نظر من نافذة غرفته فلم ير بشرا أصلا، وعلم لاحقا أن الدوى أعقب إحراز مصر هدف الفوز فى المباراة، وأن خلو الشوارع المحيطة بالفندق يرجع إلى تفرغ التوانسة لمتابعة المباراة.
أضاف المسئول أنه عندما روى الواقعة لمسئول سعودى ضحك بشدة، وأخبره أنه كان حينذاك يحضر اجتماعا برئاسة أحد كبار رجال الأسرة الحاكمة، وأن سكرتير الأخير دخل عليه أثناء الاجتماع وهمس فى أذنيه ببعض الكلمات، التى انفرجت أساريره بعدها، ثم بادر إلى القول: «عملوها المصريين وفازوا بالكأس الأفريقية».
ولن ينسى مصرى واحد من المولعين بالكرة ذلك المعلق العربى فى إحدى الفضائيات، الذى كان يذوب عشقا فى مصر، وهو يصف المباراة إلى أن أحرز فريقها هدف الفوز فكاد يبلغ حد الجنون فرحا.
أمضيت حياتى المهنية كلها متخصصا فى الشأن العربى مما سمح لى بزيارات متواترة لجميع البلدان العربية، ولم أشعر أبدا أننى محاط بالكراهية. ربما كان الطابع الرسمى يغلب على بعض المعاملات فى دول بعينها، لكنك فى هذه الدول نفسها تجد أيضا قطاعات واسعة من النخبة والرأى العام تتفاعل معك بحب وتقدير.
وفى باقى الدول العربية كثيرا ما تجد محاولات «التماهى» مع اللهجة العامية المصرية، التى يفهمها معظم العرب بسبب المسلسلات التليفزيونية والأفلام السينمائية التى يقبلون عليها بشغف واضح.
وفى عديد من العواصم العربية تجد اهتماما بالفن المصرى وتكريما له، فهل ينكر أحد موقع أم كلثوم وغيرها فى الحياة الفنية التونسية على سبيل المثال؟ وهل يعلم الكثيرون أن أمواج شاطئ بيروت لا تسمع أحيانا إلا أشهر الأغنيات المصرية ــ وبعضها بالغ الرداءة ــ فيما تنتمى هامات عملاقة كفيروز وماجدة الرومى إلى هذا البلد الجميل المسمى لبنان؟ ولن أنسى يوما أننى فى زيارة للمغرب كنت كلما دخلت متجرا أتلقى واجب العزاء فى وفاة الممثل القدير شكرى سرحان، ولم أكن أعرف بوفاته أصلا،
وعندما عدت إلى مصر ورويت ما حدث لصديق سألنى بدهشة: هل مات شكرى سرحان؟ أما الشعب السورى فحدث عن مشاعره المحبة للمصريين ولا حرج، وغيره فى ذلك شعوب كثيرة فى المشرق والمغرب والجزيرة. بل حتى فى الجزائر، التى يتحدثون الآن عن نكرانها جميل مصر أستطيع أن أسوق عشرات الأمثلة على عرفان أساتذتها وطالبى العلم فيها بالدور الذى لعبته مصر يوما هناك،
ولا أنسى أن الطلبة الجزائريين الملتحقين بمعهد البحوث والدراسات العربية كانوا يبدون دهشتهم وفخرهم بأسماء الأساتذة، الذين سوف يدرسون لهم قائلين: لقد عرفناهم فى بلادنا على أغلفة الكتب، فهل من المعقول أن يدرس لنا هؤلاء الكبار؟
غير أن ما سبق لا يعنى أن ظاهرة «الكراهية» غير موجودة، مع التحفظ على أن اللفظ قد لا يكون دقيقا فى كل الأحيان، وهى ظاهرة جزئية بالتأكيد، وعلينا أن نحاول تحديد نطاقها بدقة، والأهم من ذلك معرفة اتجاه تطورها: أهى آخذة فى التمدد أم الانكماش.. ولماذا؟ لأن الرد عليها لن يكون بالاستقالة من العروبة، لأن العروبة صارت مصالح تجمع كل المصريين، وليست مجرد أيديولوجية يمكن أن تفرقهم. وإذا كان تحديد نطاق الظاهرة واتجاه تطورها يحتاج جهدا علميا حقيقيا وليس مجرد انطباعات فإنه من الممكن أن نحاول تحرى الأسباب، التى تطرح لهذه الظاهرة. ويركز التحليل التالى على أسباب أربعة.
أما السبب الأول فمفاده أن العرب لديهم عقدة تجاه مصر، لأنها كانت مصدر الدعم فى تحررهم ثم تنويرهم. ولا تخلو السياسة بطبيعة الحال من التحليلات النفسية، غير أن صحة هذا السبب تفترض أن العرب كلهم معقدون نفسيا، وهذه حالة مستحيلة علميا ناهيك عن أنها تتنافى مع الواقع، فالطلب على الدور المصرى فى هذين المجالين تحديدا ما زال ملحا: أى المساعدة فيما تبقى من معارك تحررية وفى المضى قدما فى نشر التعليم فى الوطن العربى، والأهم من ذلك كله أن المرء يسمع من المواطن العربى العادى فى عديد من البلدان العربية تقديرا صادقا لهذا الدور.
يركز السبب الثانى على مبالغة المصريين فى الحديث عن دورهم بنهج أقرب إلى المنّ، مع أن هذا الدور قد أصابه ما أصاب غيره من تحولات بسبب التغير البنيوى فى الوطن العربى بعد عدوان 1967، سواء تمثل هذا التغير فى تلقى مصر للمرة الأولى فى تاريخها المعاصر مساعدات مالية عربية للمساهمة فى إزالة آثار العدوان، أو تحول المشروع السياسى العربى لمصر بعد وفاة عبدالناصر، أو طفرة أسعار النفط التى أوجدت مراكز قوى عربية جديدة، أو اندفاعة اليمين الأمريكى فى العقد الأول من هذا القرن نحو الهيمنة بل والاحتلال فى الوطن العربى مما جعل الجميع يتحسبون لهذا المتغير فى ممارستهم أدوارهم.
والواقع أن الدور المصرى وفضله عربيا حقيقة، لكنه لم يأت من أجل المنّ على أحد، وإنما كان دافعه تصورا استراتيجيا كامنا أو معلنا لدى القيادة المصرية بأن مصر لا تستطيع أن تتجاهل محيطها، أو تتركه فريسة للأطماع الخارجية أو التخلف، فقوتها من قوته كما أن قوته من قوتها. وبالمناسبة فإن هذا الدور قد بدأ ثقافيا وسياسيا وعسكريا قبل ثورة يوليو وإن اتخذ منحى وزخما آخرين بعدها، وهو ما يدل على أنه كان ويجب أن يبقى محورا للحركة المصرية الخارجية.
غير أن هذا كله شىء والحديث عنه شىء آخر، ولقد شاهدت وسمعت بنفسى كيف أن مسئولين مصريين من الصف الثالث وما دونه ناهيك عن مواطنين عاديين يتحدثون عن هذا الدور بطريقة تنقصها الكياسة، وهى طريقة ألفناها فى الأزمة الأخيرة، وهذا تحديدا ما ينفر بعض العرب على الأقل من حديث الدور المصرى.
ثالث الأسباب أن الكثيرين منا لا يدركون أن ما يتحدثون عنه من «كراهية» قد يعود إلى التغير الذى ألم بالمشروع العربى لمصر.
كان ذلك المشروع فى خمسينيات القرن الماضى وستيناته جامعا للعرب حول قضية التحرر الوطنى، ولذلك حظى بتأييد عربى غلاب، وحتى عندما بدأ هذا المشروع يتجه إلى تغيير الواقع العربى ظل يحظى بدعم جماهيرى ظاهر، وإن استعدى فى حينه النخب الحاكمة فى البلدان العربية التى كانت هدفا لهذا التغيير.
أما الآن فإن المشروع العربى لمصر ليس جامعا، ففى مقابل العلاقة الحميمة بالولايات المتحدة هناك من يرفض هذه العلاقة، بل ويعتبرها ناسفة لدور مصر أصلا، فلو أن لهذه الدولة العظمى كل هذا التأثير لماذا ينبغى على الدول العربية أن تمر إليها عبر البوابة المصرية؟ وفى مقابل التسوية السياسية للصراع العربى ــ الإسرائيلى هناك من يرى أن التسوية كانت وستبقى عقيمة طالما بقيت موازين القوى على ما هى عليه، ومن ثم فإنه فى مقابل تحفظ مصر على الدور الذى يمكن أن تلعبه مقاومة الاحتلال الآن هناك من يرى أنها النهج الوحيد الممكن، وفى مقابل الالتزام الصارم بالمعاهدات والاتفاقيات ــ كما فى حالة بيع الغاز المصرى لإسرائيل وسياسة مصر تجاه معبر رفح ـ هناك من يرى أن السياسة الإسرائيلية تتطلب نهجا مختلفا بل ممكنا دون خرق خطير للالتزامات القانونية، وهو خرق تمارسه إسرائيل على أى حال بإغاراتها على المناطق المتاخمة لحدود مصر من قطاع غزة فى انتهاك واضح لمعاهدة السلام.
هكذا فإن المسألة ليست «كراهية» بقدر ما هى خلاف حول السياسات، تماما كما كنا نقول عن علاقتنا بالولايات المتحدة فى عهد بوش الابن، ومن البديهى أن المواطن العربى العادى يمكن أن يخلط بين السياسات الرسمية والمواطنين المصريين، الذين قد لا يكونون بالضرورة من مؤيدى هذه السياسات.
أما رابع الأسباب فيتعلق بالطريقة التى ندير بها أزماتنا العربية، وفى الحالة الأخيرة انحدر بعض من أجهزة إعلامنا إلى مستوى الإسفاف الذى ساد قطاعا من الإعلام الجزائرى فأصبحت الجزائر فجأة مصدرا للكراهية والعنف الإرهابى بل والعاهرات، وظهر علم الجزائر فى مواقع إلكترونية مصرية فى صورة قطعة من الملابس الداخلية، واتخذت فضائية مصرية خاصة خروفا يرتدى علم الجزائر يهم جزار يرتدى علم مصر بذبحه مشهدا يتكرر فى الفواصل بين فقراتها فى عيد الأضحى، ووُصفت الحكومة الجزائرية بالرقاعة، وشعبها بأنه البدو الصحراويون الجبناء الذين صارت لهم بلد، وكلها أقوال وأفعال لا تحتاج من فرط بذاءتها تعليقا، وانتهى الأمر بالانقلاب على العروبة أصلا. وفى حوار مع إحدى طالباتى التى تعيش فى السعودية سألتها عن «الكراهية» فأجابت: كان جميع العرب فى المملكة وعلى رأسهم السعوديون يشجعون مصر، ويؤيدونها فى هذه الأزمة، وعندما وصل الأمر بالردود المصرية إلى هذا المستوى انقلبت الأمور جذريا. ثمة افتراض مضاد إذن بأننا نحن الذين نصنع الكراهية.
أحب أخيرا أن أذكر أولئك، الذين ينفخون فى نيران «الكراهية» حتى تكاد أنفاسهم تتقطع لأنه منذ مدة قصيرة قيل فى مصر عقب إخفاق وزير ثقافتها فى الفوز بمقعد مدير عام اليونسكو إن الدول الأوروبية والولايات المتحدة تآمرت علينا، وإن الدول الأفريقية خذلتنا، والآن يقولون إن الدول العربية تكرهنا، فمن يبقى لنا فى هذا العالم إذا ظل تفكيرنا يجرى على هذا المنوال، الذى يرفض مبدأ النظر فى النفس لاستخلاص ما قد نكون قد ارتكبناه من أخطاء؟