إذا كان النافذون فى عملية صنع القرار فى مصر قد رأوا لسبب لا أعرفه يقينا حتى الآن تغيير وزارة الدكتور حازم الببلاوى، الذى يستحق منا كل تحية لتحمله المسئولية فى ظروف بالغة الصعوبة، فإن شعورا بالتفاؤل قد ساد لما عُرف عن رئيس الوزراء الجديد من قدرة على الإنجاز، لكن الملابسات التى ارتبطت بعملية تشكيل الوزارة الجديدة تستحق وقفة دون شك، وأول هذه الملابسات أن ثلثى وزارة الببلاوى باقون فى مواقعهم وهو ما قد يعنى أن المقصود بالتغيير هو شخص د. الببلاوى نفسه، لأن التغيير الذى وقع كان من الممكن أن يتم فى إطار تعديل وزارى واسع نسبيا. وثانيها هو التراجع عن عدد من الاختيارات التى استقر عليها رئيس الوزراء الجديد، وأهمية هذه المسألة أنها تعكس حالة مجتمعية منذ نجاح ثورة يناير فى خلع الرئيس الأسبق، حيث أصبحت الجماهير والنخب تعتقد أن من حقها أن تختار أعضاء السلطة التنفيذية، وهو أمر محل نظر وقد يفتح الباب لنوع من الفوضى. وتبدو حالة الدكتور أسامة الغزالى لافتة فى هذا الصدد.
•••
استقبل رئيس الوزراء المكلف الدكتور أسامة، وبعد اللقاء أدلى الدكتور أسامة بتصريح مؤاده أنه مُكلف بوزارة الثقافة وأضاف كلمات قليلة عن نواياه فى هذا الصدد، وبعد حوالى ساعة عرفنا نبأ التراجع عن هذا الترشيح لأن بيانا صدر عن المثقفين يرفض هذا الاختيار. وبداية لا أحد يعلم تحديدا ما عدد هؤلاء المثقفين ومن هم؟ وربما كان الاسم الوحيد الذى عرفناه هو شاعرنا الكبير عبدالرحمن الأبنودى، الذى اعتب عليه أنه اعتبر تكليف د. أسامة بوزارة الثقافة منطويا على إهانة للثقافة والمثقفين، وقد لا يعرف المعترضون أن الدكتور أسامة الغزالى قد قضى خمسة عشر عاما من عمره عضوا بلجنة الثقافة بمجلس الشورى، وأنه أعد بصفته هذه مع الأستاذ الكبير صلاح منتصر والمناضلة البارزة سكينة فؤاد تقريرا شاملا عن الثقافة المصرية، يعد بمثابة استراتيجية مستقبلية تؤسس لبعث ثقافى جديد.
•••
قيل أيضا أن أسامة الغزالى من «الفلول»: ولا أدرى ألا يعلم أصحاب هذا القول إنه وإن تعامل كآلاف غيره مع النظام السابق إلا أنه لم يتورط فى أى ممارسة مشينة لذلك النظام، كما كان الوحيد فى حدود ما أعلم الذى صوت بالاعتراض فى مجلس الشورى ضد إرادة النظام وأدار ظهره للجنة السياسات، وكون حزبا معارضا وكان وقتها قاب قوسين أو أدنى من منصب رفيع فى مؤسسة الأهرام. قيل كذلك أنه ليس ابنا لوزارة الثقافة، وهو معيار جديد لاختيار الوزراء أن يكونوا جزءا لا يتجزأ من بيروقراطية الوزارة، ثم إننا لم نسمع أن أحدا من الذين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها إلا بعد الإطاحة بترشيح أسامة الغزالى قد اشتكى، أو حتى تأفف من وزير الثقافة الحالى وهو أستاذ تاريخ بارز فى جامعة الأزهر لم يحظ يوما بشرف الانتماء إلى بيروقراطية الوزارة. ما حدث مع أسامة الغزالى تكرر، ونجح فى وزارتى العدل والتعليم العالى مع خلاف فى التفاصيل وتكرر ولم ينجح فى وزارتى العمل والكهرباء.
سمة أخرى من سمات عملية التشكيل الوزارى ربما تكون قد حدثت للمرة الأولى وهى «دفاع الوزراء عن مناصبهم». تحضرنى فى هذا السياق واقعة مسارعة وزير الرى بمغادرة وزارته إلى مقر رئيس الوزراء واعتصامه بمكتبه ثلاث ساعات حتى قابله، وأطلعه على مخالفات المرشح الجديد لوزارة الرى. ما أذهلنى أننى أعلم أن الأجهزة الرقابية تستشار عادة قبل اختيار الوزراء. فهل استُشيرت وأجازت الترشيح بما يعنى أن المتهم برىء، أم أنها لم تستشر أصلا؟ ولماذا لم يفضح وزير الرى ممارسات خليفته المحتمل قبل ورود الأنباء عن اختياره وزيرا؟ ويبقى أنه ليس أمرا إيجابيا أن يكون عدد من الوزراء فى التشكيل الجديد قد احتفظ بمنصبه لمجرد العجز عن إيجاد بديل له. ظنى أن رئيس الوزراء الذى أكن له كل تقدير بحاجة إلى مستشار سياسى رفيع لا مانع من أن يكون د. أسامة الغزالى الذى يعرفه رئيس الوزراء جيدا، وأنا لا أمزح وإن كانت شهادتى بحق أسامة مجروحة لأنه صديق عُمر رغم اختلافنا فى التوجهات.
•••
رغم كل ما سبق من الإنصاف أن نشير إلى سمات إيجابية فى التشكيل الوزارى الجديد، منها مثلا، أنها أول وزارة تضم أربع وزيرات، بما يعنى أن تمثيل المرأة فى السلطة التنفيذية يتحسن وهو المعنى الذى غاب عن تصريحات السفيرة مرفت التلاوى رئيسة المجلس القومى للمرأة التى أبدت بحق عدم رضاها عن نسبة تمثيل المرأة فى الوزارة الجديدة، ومنها كذلك أنها تضم ثلاثة وزراء مسيحيين فى وزارات مهمة، وبالتالى ينطبق على أقباط مصر ما ورد بشأن تمثيل المرأة. وأخيرا فإن مناخ العمل العام صار كئيبا، فقد كانت الحملات الإعلامية ضد حازم الببلاوى شديدة القسوة بسبب وبدون سبب، وبمجرد أن عُرف أن محلب سوف يخلف الببلاوى بدأ هجوم ضارٍ عليه. فهو أولا «فلول». ليس هذا فحسب وإنما هو لا يصلح للمنصب لأنه ليس كل من نجح فى إدارة شركة يصلح رئيسا لوزارة، مع أن النجاح مفهوم تراكمى: من مدير إلى وزير إلى رئيس وزارة، وهو مبالغ فى طموحه بحديثه عن الإنجاز فى عدد من الملفات التى يعجز رئيس للجمهورية أمضى مدتين فى الحكم عن أن ينجز واحدا منها، وكأننا بحاجة إلى رئيس للوزارة فاقد للطموح يصرح بأنه لا يعرف رأسه من قدميه، وهو أخيرا يركز على العمل الميدانى بينما يفترض أن يجلس فى مكتبه لاتخاذ قرارات ويترك لمساعديه مسئولية متابعتها، مع أننا كنا نسمع دائما أن آفة المسئولين هو البعد عن الواقع والانفصال عن المعاناة اليومية للناس. فلنكن جميعا أكثر موضوعية وأحسن عملا، فإن لدينا وطنا يستحق منا ذلك، ولنترك فرصة للوزارة الجديدة نعينها إن أحسنت ونقومها إن أساءت.