ثلاثة أحداث تفصل بينها عشرة أيام، شهدتها عاصمة فرنسا ومن بعدها مدينة جنيف السويسرية الشهيرة والعاصمة الدنماركية فى المدة الواقعة بين يومى 22 سبتمبر و2 أكتوبر2009. قد تبدو هذه الأحداث الثلاثة للوهلة الأولى منفصلة لا رابط بينها، لكن إمعان النظر فى دلالاتها يظهر أنها شديدة الترابط. فى الحدث الأول جرت الجولة الحاسمة لانتخابات مدير عام جديد لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، يوم الثانى والعشرين من سبتمبر الماضى، فى مدينة باريس التى تحتضن مقر المنظمة.
وفى الحدثين التاليين اللذين وقعا فى يوم واحد (2 من أكتوبر الحالى) أرجأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والذى يتخذ من جنيف مقرا له، التصويت على مشروع القرار الخاص بالموافقة على تقرير القاضى ريتشارد جولدستون ورفعه إلى مجلس الأمن فى بداية مسار قد ينتهى بإحالته إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو على الأقل بمزيد من فضح جرائم إسرائيل فى عدوانها الهمجى على غزة أواخر 2008 ومطلع 2009، وفى اليوم نفسه صوتت اللجنة الأوليمبية الدولية إبان اجتماعها فى العاصمة الدنماركية كوبنهاجن لصالح استضافة مدينة ريو دى جانيرو البرازيلية دورة الألعاب الأوليمبية عام 2016.
وجه الترابط الذى قد لا يبدو واضحا للوهلة الأولى بين الأحداث الثلاثة أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت حاضرة وبقوة فى مواجهة «الجنوب» أو «العالم الثالث» أو أية تسمية قد تروق للقارئ. مثلت مصر ومن ورائها المجموعتان العربية والإسلامية وإلى حد ما المجموعة الأفريقية الجنوب فى الحدث الأول، وفى الحدث الثانى ــ مناقشة تقرير جولدستون فى مجلس حقوق الإنسان ــ مثلت المجموعات العربية والإسلامية والأفريقية أيضا «الجنوب». أما فى الحدث الثالث فقد اضطلعت البرازيل بالمهمة فى مواجهة الولايات المتحدة واليابان وإسبانيا.
فى الحدث الأول، أخفق المرشح الذى تقدمت به مصر لشغل منصب المدير العام، وإن جاء إخفاقه بعد منافسة شرسة مع الفائزة بالمنصب، إذ لم تحسم النتيجة إلا فى الجولة الخامسة ــ الأخيرة ــ للانتخابات، ولم يتعد الفارق بينه وبين منافسته أربعة أصوات بعد أن كانا متعادلين فى الجولة قبل الأخيرة. تعددت الاجتهادات فى تفسير النتيجة، وبالذات فى أوساط النخبة المصرية المثقفة خاصة والعربية عامة، لكنه كان من السهولة بمكان أن يرصد المراقب اتجاهين أساسيين فى التفسير، أولهما يركز على البعد الداخلى (أى المصرى) للإخفاق، فيذكّّر بطبيعة النظام الذى يمثله المرشح المصرى، وتراجع الدور الخارجى لهذا النظام، وانقسام النخبة المصرية المثقفة حول مدى أهلية فاروق حسنى لتولى هذا المنصب الثقافى الدولى الرفيع، وثانيهما يفسر الإخفاق صراحة بالضغوط الأمريكية الهائلة التى مورست ضد انتخاب المرشح المصرى، سواء كان ذلك رفضا من حيث المبدأ لتولى عربى مسلم هذا المنصب، أو مخافة تداعيات فوزه على مخططات إسرائيل لتهويد التراث المقدسى خاصة والفلسطينى عامة، أو استخفافا بمصر ونظامها بحد ذاته. وهكذا سجل الحدث الأول انتصارا واضحا ــ وإن بمشقة كبيرة ــ للإرادة الأمريكية.
اختلفت الصورة فى الحدث الثانى جذريا، فقد رفعت المجموعات العربية والإسلامية والأفريقية داخل مجلس حقوق الإنسان الرايات البيضاء بغير مبرر اللهم إلا الخوف من الغضب الأمريكى، ذلك لأن التلويح بأن الموافقة على تقرير جولدستون ورفعه إلى مجلس الأمن سوف يدمران فرص السلام لا يمكن أن يكون سوى فكاهة سخيفة، فلا سلام فى الأفق، وإنما تهديد حقيقى وخطير للمسجد الأقصى، وتسارع مخيف فى استيطان استجدى أوباما ومعه قادة عرب ورئيس السلطة الفلسطينية نتنياهو أن يوقفه فلم يفعل سوى العكس. وبرر المندوب الباكستانى فى المجلس طلب تأجيل التصويت بأنه من أجل «بحث شامل وواسع للتقرير»، وكأن الدول التى رعت مشروع القرار فاقدة عقلها، وتبارى معه مسئولو السلطة الفلسطينية فى الادعاء بأن الطلب إنما جاء من أجل حشد مزيد من التأييد للتقرير، ولا يدرى المرء أى تأييد فى محفل دولى يموج بتيارات متناقضة يمكن أن يكون أوسع من أغلبية الثلثين التى يجمع المراقبون على أنها تمثل الحد الأدنى لنسبة من كانوا سيوافقون على مشروع القرار لو كان قد طرح للتصويت. هكذا عززت الإرادة الأمريكية هيمنتها دون منازع فى الحدث الثانى تاركة كل من تورط فى هذه الفضيحة غير المسبوقة من العرب والفلسطينيين فى حالة اضطراب وارتباك عظيمين.
لكن المفاجأة وقعت فى كوبنهاجن فى اليوم نفسه، ووجه المفاجأة أن الحدث الثالث تفرد عن سابقيه بأنه يتضمن مصلحة أمريكية مباشرة، وليست مصلحة بالوكالة عن إسرائيل، بل إن ثمة بعدا «شخصيا» فى الموضوع وهو أن مدينة شيكاغو التى نافست على استضافة دورة الألعاب الأوليمبية فى 2016 هى مسقط رأس الرئيس الأمريكى الذى ذهب إلى كوبنهاجن بنفسه برفقة زوجته، كما فعل منافسوه، واستخدم ما يتصور أنه ثقله العالمى للتأثير على نتيجة التصويت التى أتت مخيبة للآمال الأمريكية على نحو غير متوقع، فقد خرجت شيكاغو وطوكيو من دورة التصويت الأولى، وبقيت مدريد وريو دى جانيرو لتفوز الأخيرة بالسباق. ومن الطريف أن النخبة السياسية والإعلامية فى الولايات المتحدة الأمريكية قد دخلت بعد هذا الإخفاق التام فى جدل واسع ــ كحال نظيرتها المصرية- حول أسباب الفشل، وأن هناك أيضا من ركز على البعد الداخلى ــ أى أن الخيبة خيبة أوباما ــ فى مقابل من ركزوا على أن الفشل يعود إلى الكراهية المتأصلة للولايات المتحدة من قبل محيطها الخارجى.
يبدو إمعان النظر فى «واقعة كوبنهاجن» مفيدا لنا، فمن المؤكد أن الضغوط الأمريكية كانت فى اتجاه التصويت لصالح شيكاغو تماما كما كانت الضغوط نفسها تمارس ضد المرشح المصرى فى باريس، وضد التصويت على تقرير جولدستون فى جنيف، لكنه بينما حالف النجاح الولايات المتحدة فى باريس وجنيف فإنه فارقها على نحو مؤلم لها فى كوبنهاجن. ويجمع المراقبون على أن «ملف» ريو دى جانيرو قد أعد بعناية، وأن الأهم من الملف هو المشروع الوطنى للنظام البرازيلى ورئيسه لولا دى سيلفا الذى يضع التنمية والعدالة الاجتماعية والعدالة الدولية فى القلب منه، والذى يتبع نهجا مغايرا للنهج السائد فى الدول العظمى والكبرى، الأمر الذى جعله يتفاءل على أكبر نحو ممكن أثناء الأزمة الاقتصادية العالمية.
إنه رجل يؤمن بمشروعه الوطنى، ومن هنا السعى لتحقيق الأهداف الجزئية فى إطار هذا المشروع، فقد جعل استضافة بلاده دورة الألعاب الأوليمبية فى صدارة أولوياته فى كل تحركه الخارجى. لم يقدم تنازلات، وإنما كان يطرح حق بلاده بقوة فى تنظيم الدورة باعتبارها ممثلة لأمريكا الجنوبية التى لم تستضف أى دورة للألعاب الأوليمبية عبر تاريخ هذه الألعاب، وهو يدرك معنى إسعاد شعبه، ولذلك يصرح بعد الفوز بأنه يستطيع أن يموت مرتاحا عقب النجاح فى تحقيق هذا الإنجاز، وهو يرقص فرحا غير قادر على أن يغالب دموعه، ولا ينسى فى غمرة فرحه الطاغى أن يعلق تعليقا يليق بالمشروع الذى يحمله على كتفيه مخاطبا منافسيه من «الشمال المتقدم»: «لدى رسالة لصديقى رئيس وزراء إسبانيا.. ثاباتيرو، ولباراك أوباما الذى أعول عليه كثيرا. أعذرانى لأننى سعيد وأنتما حزينان، لكن لطالما كنتما أنتما سعيدين ونحن فى شدة الحزن».
هل يمكن لنا أن نستفيد فى النقاش الجارى سواء حول معركة اليونسكو أو المعارك المتعلقة بمستقبل مصر بصفة عامة مما جرى فى كوبنهاجن؟ لعل أول الدروس ــ مع الاعتراف بضراوة التدخل الخارجى ضدنا ــ أن العبرة «بالملف» و«بالمشروع الوطنى»، وبطبيعة التحرك من منطلق الرؤية والحق وليس بمنطق المساومات التجارية من قبيل الإيماءات التطبيعية وشراء الأصوات بوعود المناصب وما إلى هذا. من ناحية أخرى لعل معركة اليونسكو تمثل الإنذار الأخير لنا بأنه قد آن أوان تغيير «الوجهة». لا نستطيع بطبيعة الحال تجاهل حقائق القوة فى عالمنا، ومن ثم ليس بمقدورنا إسقاط الولايات المتحدة وأوروبا من اهتماماتنا، لكن النهج الأمثل للتعامل مع هذه القوى ليس استجداؤها أو الاستسلام لمناوراتها وأكاذيبها، وإنما ببناء أساس راسخ لدور مصرى فاعل فى الوطن العربى والعالم الإسلامى وأفريقيا نستطيع استنادا إليه أن نواجه قوى العالم الكبرى من موقع الندية كما فعل لولا دى سيلفا.