قبل أربعين عاما من الآن لم يكن أوسع الناس خيالا فى مشرق أو مغرب، عدوا كان أم صديقا ليصدق ولو للحظة أننا قادرون بمفردنا على إعادة ترتيب صفوفنا وانتشال جنودنا من أوحال هزيمة نفسية موجعة قبل أن تكون حسية مفجعة، لنتمكن من تخطى أصعب الموانع العسكرية فى التاريخ متجاوزين كل فوارق تقدم العدو التقنى والمادى علينا، ومتغلبين على كل حلفائه من الدول الكبرى.. كل هذا باقتصاد على شفا الانهيار، وجبهة داخلية غير مستقرة بل تموج بمشاعر الغضب من قيادتها تارة والإحباط واليأس تارة أخرى.. يالله! كانت معجزة بشرية بحق!
معجزة فى التخطيط والكتمان، معجزة فى التمويه والخداع، معجزة فى الضربة الخاطفة ومعجزة فى حساب ردود الأفعال واستثمارها جيدا، و..و.. القائمة تتسع لتشمل الكثير.
فلسفة انتصارنا فى أكتوبر تحتاج أن يسلط عليها الضوء بالدراسة أكثر من اهتمامنا بتمجيد الصنيع نفسه فعجلة الدنيا وحركة التاريخ من حولنا تهدر إلى الأمام بغير توقف، وما أشبه واقعنا الليلة فى التعقيد والتأزم بالبارحة.. فلا يمكن تصور حدوث طفرات فى التاريخ وتطور أمم وانتقالها إلى مصاف القوى الكبرى بالهوى المجرد عن العمل الدءوب الشاق والتخطيط المحكم والصبر على الثمرة.
ومن تصاريف القدر أن تختلط ذكرى النصر هذا العام بأفضل أيام الله سبحانه، أيام العشر الأُول من ذى الحجة، فيلفت انتباهنا التوجيه النبوى الكريم لاستغلال فضل تلك الأيام بشكل عملى بالانشغال بمعالى الأمور» ما من أيام ٍالعمل الصالح فيها أحب إلى الله سبحانه من أيام العشر ــ يقصد هذه الأيام» «...ونتذكر كيف أن المصريين ما نجحوا فى قهر المستحيل يوم السادس من أكتوبر إلا لما أخلصوا اللجوء إلى ربهم سبحانه وتعالى وأتبعوا ذلك بالتخطيط الدقيق لخداع العدو والإعداد المكثف بما توافر من إمكانيات محدودة والاعتماد على توفيق المولى أولا ثم على سواعد أبنائنا دون انتظار إذن أو مساعدة من شرق أو غرب ثم المصابرة والمرابطة على الثغور لست سنوات كاملة قدم الوطن خلالها مئات الشهداء وآلاف الجرحى فى معارك استنزاف العدو قبيل الموقعة الحاسمة.
كان مزيجا فريدا إذ يختلط صوم رمضان وصيحات التكبير من الحلوق المؤمنة مع الدماء الطاهرة الزكية بالشجاعة النادرة والكفاءة القتالية المذهلة فكان أن لُقنت الدنيا بأسرها درسا بليغا مازالت أصداؤه تتردد إلى الآن ما بين أروقة أعظم الأكاديميات العسكرية حول العالم.