وما أدراك ما الستينات؟ - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:27 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

وما أدراك ما الستينات؟

نشر فى : الخميس 9 مايو 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الخميس 9 مايو 2013 - 8:00 ص

فى أول وآخر خطاب له بميدان التحرير بعد انتخابه رئيساً للجمهورية وقف الدكتور محمد مرسى بين جماهيره يستعرض مراحل التاريخ المصرى المعاصر، وعندما وصل إلى عقد الستينات من القرن الماضى استخدم تعبير «وما أدراك ما الستينات؟». فهم الجميع الإشارة فقد كان عقد صدام حاد بين عبدالناصر و«الإخوان المسلمين»، وإن كانوا هم المسئولون قبل غيرهم عن هذا الصدام بعد أن كان عبدالناصر قد أفرج عنهم ضمن غيرهم ليشاركوا فى بناء مصر الجديدة، لكنهم اختاروا أن تكون مشاركتهم عبر استمرار الصدام مع عبدالناصر، ومع ذلك فقد ذكر تعبير «وما أدراك ما الستينات؟» بما يوحى بأن ثمة ظلماً بيناً قد حل «بالإخوان» فى ذلك العقد، ولم يكن معروفاً لماذا اختار رئيس الجمهورية ذلك العقد فقط مع أن عقد الخمسينات قد شهد بعد سنوات قليلة من قيام الثورة صداماً مروعاً بين عبدالناصر و«الإخوان».

 

لكن الأمور لم تسر بعد ذلك على الوتيرة نفسها، ففى القمة الأفريقية الأخيرة، والتى جاءت تالية مباشرة لانتخاب الدكتور محمد مرسى رئيساً للجمهورية كان مستحيلاً من الناحية السياسية أن يتجاهل دور مصر فى أفريقيا فى عهد عبدالناصر، لكنه لم يكن مستعداً بعد لذكره بالاسم، فاكتفى بالإشارة إلى أنه كما كانت مصر داعماً لحركات التحرر والاستقلال فإنها عازمة على أن تكون محور ارتكاز قوى وفاعل لدعم أشقائها فى أنحاء القارة، وأن تكون سنداً لهم على طريق تحقيق الاستقرار والتنمية والتقدم، وهى إشارة غير منصفة لدور مصر فى أفريقيا فى عقدى الخمسينات والستينات من القرن المنصرم. ثم تقدم مرسى خطوة مهمة فى خطابه أمام قمة عدم الانحياز الأخيرة، وكان من الصعوبة بمكان تجاهل الدور المؤسس لمصر فى الحركة عامة ودور عبدالناصر خاصة، وقد كان أحد ثلاثة اضطلعوا بمهمة التأسيس (بالإضافة إلى جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند والرئيس اليوغسلافى جوزيف بروز تيتو)، لذلك جاءت كلمة د.محمد مرسى أمام القمة صريحة وواضحة فى هذا الخصوص، إذ أشار إلى دور مصر المؤسس فى الحركة وكذلك دور عبدالناصر بقوله: «ولعل بدايات حركة دول عدم الانحياز كانت أيضًا بمشاركة فاعلة من مصر بقيادتها حينذاك التى كانت تعبر عن شعبها فلقد كان عبدالناصر يعبر عن إرادة الشعب فى كسر الهيمنة الخارجية على إرادة الشعوب الناهضة فى ذلك الوقت»، والإشارة هنا أكثر من واضحة وإيجابية فهو يعبر عن الشعب وعن إرادته فى كسر الهيمنة الخارجية على إرادة الشعوب الناهضة فى ذلك الوقت.

 

 •••

 

غير أن نقلة نوعية حدثت فى الأيام الأخيرة فى هذا الصدد، فقد اختار رئيس الجمهورية أن تكون إحدى الفعاليات الأساسية فى الاحتفال بعيد العمال الأخير فى أحد رموز مشروع عبدالناصر لبناء تقدم صناعى عامة وصناعة ثقيلة خاصة وهو مجمع الحديد والصلب بحلوان والمتعثر حالياً بسبب تداعيات عقود طويلة من الخصخصة وإهمال القطاع العام، ولم يترك مجالاً لشك أن الاختيار مقصود. ووصف مجمع الحديد والصلب بأنه قلعة تمتد لأكثر من 21 مليون متر مربع، وأنها ليست مصنعاً، ولكنها رمز الصناعة الوطنية والإرادة المصرية، وتابع رئيس الجمهورية حديثه قائلاً: «من هنا أكمل ما بدأه الرئيس عبدالناصر والمهندس عزيز صدقى والنخبة التى حملت على عاتقها تأسيس صناعة وطنية واستراتيجية»، ولم ينس أن يشيد بتكامل مجمع الحديد والصلب، حيث تم بناء خط سكك حديدية من أسوان حتى حلوان للربط بين المنجم ومصنع المنتج النهائى وأن يتحدث عن وقف سياسة تشريد العمال. ما هو وجه النقلة النوعية فى الحديث عن عبد الناصر وتجربته؟ فى المرتين السابقتين لم يكن فى مقدور رئيس الجمهورية أن يتجاهل فى محفلين دوليين مهمين السياسة المصرية الداعمة لحركات التحرر الوطنى الأفريقية أو المؤسس والقيادى فى حركة عدم الانحياز، كما أنهما كانتا مناسبتين دوليتين، أما هذه المناسبة الأخيرة فهى داخلية وكان رئيس الجمهورية يستطيع أن يتفادى الحديث أصلاً عن عبد الناصر، ويتحدث بالمعنى نفسه عن خططه المستقبلية، فما الذى حدث؟ هل أصبح رئيس الجمهورية المنتمى «للإخوان المسلمين» أصحاب الثأر التاريخى مع عبد الناصر يسير فجأة على طريقه؟ فى الواقع أن التحليل السياسى لا يمكنه أن يتعامل مع هذه الظاهرة ببساطة وسطحية، وثمة تفسيرات ثلاثة محتملة لهذا التطور.

 

 أما التفسير الأول فهو حرص رئيس الجمهورية على ملاءمة خطابه السياسى لجمهور مستمعيه سعياً إلى تفادى معارضتهم وكسب تأييدهم، ولما كان العمال من أهم الطبقات التى استفادت من سياسات عبدالناصر فلا بأس من الدخول إلى عقولهم وقلوبهم بهذه الطريقة التى تفترض استخفافاً بالسامعين وعجزهم عن معرفة الفارق بين الحقيقى والزائف فيما يسمعون. أما التفسير الثانى فهو أن يكون رئيس الجمهورية قد قام بعملية مراجعة حقيقية لتجربة عبد الناصر خلص منها إلى هذه النتيجة الإيجابية، وهو تفسير مستحيل كما سبقت الإشارة نظراً لحقيقة الثأر التاريخى بين «الإخوان المسلمين» ــ التنظيم الذى ينتمى إليه رئيس الجمهورية ــ وبين عبدالناصر، بالإضافة إلى أن مرسى لا يمكن أن يكون قد تحرر تماماً من ضغوط حزبه الذى لا شك أن دوائر عديدة فيه قد أصابها الارتباك بسبب ما قاله مرسى، على الأقل لأنه ينزع الشرعية عن خلاف «الإخوان» مع عبد الناصر. أما التفسير الثالث فهو ذو طابع منهاجى أكثر منه سياسى ويتعلق بما يعرفه التحليل السياسى عن «نظرية الدور»، وهى تعنى ببساطة أن شاغلى الأدوار المعنية ــ السياسى منها وغير السياسى ــ لا يؤدون أدوارهم وفقاً لتوقعاتهم الفردية فحسب، وإنما كذلك وفقاً لتوقعات الآخرين، ولا يستطيع شاغلو الأدوار أن يتجاهلوا تماماً جمهورهم أو البيئة المحيطة بهم، ويفترض أن يكون عمر مثل هذا النموذج (تجاهل توقعات الآخرين) إن وجد قصيراً، وفى البلاد الديمقراطية ــ ولسنا منها والحمد لله ــ يختار الآخرون شاغلى الأدوار المؤثرة فى حياتهم بناءً على اتساق توقعات الطرفين، وهو ما لم يحدث لدينا أيضاً فى الانتخابات الرئاسية، وفى حالة وجود عدم اتساق فى الرؤى بين توقعات «الخارجيين» وبين شاغلى الأدوار يحاول هؤلاء الاقتراب من هذه التوقعات خاصة إذا كانوا يمرون بأزمة، وفى هذا تفسير محتمل لسلوك رئيس الجمهورية فى عيد العمال الأخير، فالعمال يريدون أن يطمئنوا إلى انتهاء سياسات تشريدهم وبيع القطاع العام وهذا ما فعله رئيس الجمهورية بحديثه الإيجابى عن عبد الناصر، وأنه بسبيله إلى إكمال ما بدأه فى تجربته الصناعية.

 

 •••

 

 يعنى ما سبق أننا لسنا فى كل الأحوال إزاء تطور حقيقى فى سياسات رئيس الجمهورية، فهو تطور سياسى فى التحليل الأخير القصد منه تفادى أزمة أو التخفيف منها أو كسب المساندة، ولذلك لا يجب أن نعول على ذلك التطور فى كثير أو قليل باعتباره جزءاً من تكتيكات الحركة السياسية وليس معلماً استراتيجياً فى تطور تجربة الرئيس محمد مرسى فى الحكم، وربما تكون قيمته الوحيدة أنه يلقى ضوءاً كاشفاً على الطبيعة المراوغة للسياسة والحكم، ويريحنا ولو إلى حين من «تغريدات» د.عصام العريان ومن سار سيره.

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية