أوهام تفاوضية - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:51 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

أوهام تفاوضية

نشر فى : الخميس 9 سبتمبر 2010 - 9:49 ص | آخر تحديث : الخميس 9 سبتمبر 2010 - 9:49 ص

 لست من «المشككين» فى جدوى المفاوضات المباشرة التى انطلقت بين الفلسطينيين والإسرائيليين فى الثانى من هذا الشهر، وإنما أنا من الذين يقطعون بإخفاقها فى التوصل إلى حل نهائى، وأولئك ليسوا فقط كثيرين وإنما هم أيضا ذوو وزن لا يمكن تجاهله. يجب ألا ننسى بداية أن قطاعا يعتد به داخل فتح لم يكن يؤيد دخول هذه المفاوضات، ناهيك عن حماس والفصائل الفلسطينية الأخرى. ثم إن الوفد التفاوضى الفلسطينى مازال يعلق استمراره فى التفاوض على تمديد تجميد الاستيطان، وهو ما يؤكد نتنياهو استحالته بالنظر إلى معارضة شركائه فى الائتلاف الحكومى. صحيح أن الإدارة الأمريكية حاضرة بحلول وسط، وصحيح أيضا أن تلك الإدارة لا يمكن أن تسمح بانتهاء مفاوضات ترعاها بعد تدشينها بشهر، ولكن ذلك يشير إلى تباعد هائل فى المواقف. بل إن رجلا معتدلا كسلام فياض رئيس الوزراء الفلسطينى متشائم بدوره، وقد أعلن أن عناصر الفشل أكبر بكثير من فرص النجاح. فإذا أضفنا إلى هذا صحفا أمريكية ذات وزن، وكذلك دوائر إعلامية إسرائيلية مهمة تشترك فى التشاؤم بشأن مستقبل المفاوضات، لأدركنا أن هذا التشاؤم تعبير عن حالة «عقلية» وليس عن حالة «نفسية».


ما هو تبرير هذا القطع بعقم المفاوضات المباشرة؟ المسألة ببساطة أن للمفاوضات أبجدياتها، وأولها أن يكون ثمة نوع من التكافؤ النسبى فى موازين القوى إن أردت أن تفضى تلك المفاوضات إلى حلول متوازنة، وهذا التكافؤ النسبى ربما كان موجودا بعد انتفاضة الحجارة فى أواخر ثمانينيات القرن الماضى مما يفسر قبول إسرائيل اتفاق أوسلو 1993 الذى حقق للفلسطينيين بعض التقدم على الرغم من سوءاته العديدة، وربما كان موجودا أيضا فى السنوات الأولى لانتفاضة الأقصى فى مطلع هذا القرن مما أجبر إسرائيل على الانسحاب من قطاع غزة وتفكيك مستوطناته فى 2005. أما الآن فإن هذا التوازن ليس غائبا فحسب، وإنما دخل الوضعان الفلسطينى والعربى فى تدهور متواصل أهم علاماته فى الحالة الفلسطينية الانقسام بين فتح وحماس، وهو انقسام أخذ شكلا جغرافيا لتنفرد بذلك حركة التحرر الفلسطينى بين حركات التحرر الوطنى العالمية بهذا الوضع غير المسبوق، مع أنها الأكثر احتياجا لوحدة العمل. أما الطرف العربى فقد قصر دوره على «تسهيل» دخول الفلسطينيين فى المفاوضات فيما عدا قلة من الدول العربية تمسكت بالثوابت «لفظيا» دون أن تقدم شيئا من الناحية العملية للفلسطينيين وقضيتهم.


على صعيد معسكر الخصوم، يحكم إسرائيل الآن ائتلاف يمينى متطرف إلى حد الجنون، وهو سلاح يستطيع رئيس الحكومة أن يلجأ إليه وقت اللزوم، كما يفعل الآن فى مسألة تمديد تجميد الاستيطان. أما الإدارة الأمريكية فسوابق خبرتنا معها لا تشير إلى خير، غير أن الرئيس الأمريكى الحالى «شخص لطيف»، وقد أحببنا خطابه السياسى، لكنه أثبت بسرعة أنه لا يختلف فى العوامل الموضوعية التى تحكم سلوكه عن أسلافه، وهو بالمناسبة أول من ركز على تجميد الاستيطان فى خطابه بجامعة القاهرة فى يونيو من العام الماضى، غير أنه ترك الفلسطينيين بعد ذلك «فوق الشجرة» يتمسكون وحدهم بهذا الشرط.


لماذا تذهب الأطراف إلى هذه المفاوضات إذن إذا كانت الأمور بهذا الوضوح؟ الواقع أن الطرف الوحيد الذى يمكن أن يلتمس له العذر فى الذهاب هو الطرف الفلسطينى، لأنه يتعرض لضغوط من قبل الجميع بأنه سوف يعلن مسئولا عن ضياع هذه «الفرصة التاريخية» إن لم يذهب، وقد تلقى هذا الجانب ما يشبه التهديد من الجانب الأمريكى الذى دعا رئيسه إلى بدء المفاوضات فى توقيت لم يكن فيه أهل فتح على قلب رجل واحد بشأن الذهاب من عدمه، كما أن الكرة قد قذفت إلى ملعبه بقرار لجنة متابعة مبادرة السلام العربية الذى فوضه فى اتخاذ القرار المناسب، وهو تفويض فقد مغزاه بعد صدور القرار الأمريكى «الملزم» للجميع، أما الأطراف العربية فيبدو موقفها غير مفهوم خاصة أن الرئيس مبارك قد قاطع فى عام 1996 عندما كانت الظروف أفضل بكثير اجتماعا مشابها، وكان التفسير الرسمى لمقاطعته ألا جدوى من الاجتماع الذى كان الرئيس الأمريكى آنذاك بيل كلينتون يحتاجه فى معركة رئاسته الثانية المقررة فى ذلك العام. فما الذى تغير يا ترى؟


يبقى التساؤل بعد ذلك عن «رشادة» الرعاية الأمريكية للمفاوضات. بعبارة أخرى كيف تخاطر الإدارة الأمريكية المجروحة فى العراق وأفغانستان بإخفاق جديد يساعد على تآكل وضعها على قمة النظام العالمى؟ ظنى أن هذه الإدارة تريد أن تطرح عن نفسها تهمة الانحياز للجانب العربى التى بدأ ترويجها مع بعض الكلمات المنصفة التى ذكرها الرئيس الأمريكى، الأمر الذى يمكن أن يساعد على تخليصها من ضغوط اللوبى الصهيونى فى وقت حساس تقترب فيه انتخابات التجديد النصفى للكونجرس وتليها انتخابات الرئاسة. أما إسرائيل فهى الرابح الأول من المفاوضات لأنها ترتكب كل ما ترتكبه من جرائم وتجلس مع ذلك مع الطرف الفلسطينى الرسمى لتقول للعالم كله ها أنذا أحظى بالقبول ومن ثم الشرعية من الجانب الفلسطينى نفسه، بالإضافة إلى أن كل الشواهد تشير إلى أن نتنياهو ينوى ــ كما كان سلفه شامير ينوى فى مؤتمر مدريد 1991 ــ أن يفاوض لسنوات طويلة تكفى لاستكمال المخطط الصهيونى.


ماذا إذن عن المستقبل؟ فى المدى القريب تبدو الصورة شديدة القتامة. يحاول البعض تبديد قتامتها بالحديث عن حلول وسط أمريكية لمسألة تجميد الاستيطان، وهى إن نجحت لن تضمن أكثر من استمرار التفاوض حينا من الوقت، كما أن الفلسطينيين يتحدثون كثيرا عن بدء المفاوضات من النقطة التى انتهت إليها فى 2008، وهو أمر لا يقبله نتنياهو، غير أن الأهم أن مراجعة تلك «النقطة» كما وردت فى وثيقة عريقات التى نشرتها صحيفة الأهرام فى يومين متتاليين فى الشهر الماضى تظهر أن التباعد هائل فى مواقف الطرفين فى كل القضايا الكبرى للتسوية، ومن ثم فإن البدء بها لا يفضى بالضرورة إلى احتمالات النجاح. وأخيرا فإن الإسرائيليين يتحدثون عن الحاجة إلى التوصل إلى «صيغ خلاقة» لإنجاح هذه المفاوضات، وعندما اسمع تعبير «الصيغ الخلاقة» فى هذا الشأن فإننى عادة أتحسس رأسى. أما فى المدى المتوسط فإن المفاوضات إذا استمرت فى ظل الأوضاع الراهنة لا يمكن أن تفضى إلى نتيجة إلا على حساب حقوق فلسطينية أساسية يستحيل أن يفرط فيها الرئيس عباس، وقد تفضى إلى نتيجة عامة تشير إليها كثرة الحديث عن «اتفاق الإطار» الذى يمكن التوصل إليه بعد عام، وهنا يكون مصيرها كمصير أوسلو 1993 التى عدنا مع السلوك الإسرائيلى تجاهها إلى نقطة الصفر فيها.


فى وضع كهذا يجب أن يكون ثمة حديث جاد عن البدائل المتاحة للفلسطينيين، وأول ملاحظة أن المشاركة فى مفاوضات كهذه تؤدى إلى تقهقر وضعهم بمرور الوقت مع مضى إسرائيل فى استكمال مخططاتها، أما الملاحظة الثانية فهى أن ميزان المفاوضات يجب أن يعتدل بحيث تبدأ بعد المصالحة الفلسطينية لا قبلها، لأن من أبجديات التفاوض أيضا أن يكون المفاوض ممثلا لجماعته السياسية وليس لجزء منها، فإذا تمت المصالحة يمكن بدء الحديث عن وضع استرتيجية جديدة للعمل الوطني الفلسطيني بعيدا عن التمسك بأوهام المفاوضات التي لا يمكن أن تفضي بنا إلى حلول

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية