فى حواره مع الإعلامى القدير حافظ الميرازى على قناة «دريم» فاجأ الدكتور عصام العريان نائب رئيس الحزب الحاكم المنبثق عن «جماعة الإخوان المسلمين» ومستشار رئيس الجمهورية حتى وقت قريب الرأى العام المصرى والعربى بدعوته مع غروب شمس عام 2012 يهود مصر الذين غادروها إلى إسرائيل للعودة منها واسترداد أموالهم، مستنكراً طرد عبدالناصر لهم، وبرر دعوته بأنها تفسح المجال للفلسطينيين للعيش فى بلادهم، موضحاً أن وجود يهود مصر فى إسرائيل ساهم فى احتلال الأراضى العربية. وكرر العريان دعوته هذه أول أيام العام الجديد فى مكالمة هاتفية مع الإعلامية البارزة ريم ماجد على قناة «أون تى فى»، مؤكداً على أن عودة اليهود ستعجل بعودة الفلسطينيين إلى وطنهم.كان من الطبيعى أن ترحب إسرائيل بهذه الدعوة، فأشارت القناة العاشرة فى التليفزيون الإسرائيلى فى تقرير بثته إلى أنه «بعد مرور آلاف السنين على خروج اليهود من مصر ظهر فجأة من يبدى اهتماماً بعودتهم»، وأبرز أحد المواقع الإخبارية الإسرائيلية دعوة العريان اليهود كى يعودوا واستعداده لتعويضهم، وقدرت الهيئة اليهودية فى باريس استحقاقات يهود مصر من التعويضات بثلاثين مليار دولار. وكان من الطبيعى أيضاً أن يكون رد فعل خصومه من القوى المدنية المصرية فى منتهى الشدة، وأن يتم التشكيك فى الأسس التى بنى عليها دعوته، بل وأن يُتهم بمغازلة الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن اللافت حقاً كان رد فعل القوى «الإسلامية».
•••
وقد صرح الشيخ حافظ سلامة قائد المقاومة الشعبية فى السويس بأن العريان «فاجأنا بحزنه على اليهود الذين تركوا مصر»، وتساءل: «من يكون عصام العريان؟ باسم من يتحدث؟ ومن فوضه للحديث عن شعب مصر؟»، وأضاف: «شعب مصر يتبرأ منك ومن أفعالك». وانتقد نادر بكار المتحدث باسم حزب النور السلفى تصريحات العريان، ووصفها بأنها «أمر لا يقبله عاقل»، وعبَّر خالد الشريف المستشار الإعلامى لحزب البناء والتنمية التابع للجماعة الإسلامية عن استيائه من تصريحات العريان، ودعاه إلى أن «يقول خيراً أو ليصمت». أما تنظيم الجهاد فقد هدد بالعودة إلى العنف حال عودة اليهود إلى مصر. وغير ذلك الكثير. لكن الشىء المثير أن حزب «الحرية والعدالة» بدا غير مستفَز من تصريحات العريان، وإلا لتعرض للمساءلة التنظيمية مثلاً، وقد صرح السيد عزب مصطفى عضو الهيئة العليا للحزب بأن «دعوة العريان شخصية وليست رسالة إخوانية»، وأردف قائلاً «إن نائب رئيس حزب الحرية والعدالة حر فى تصريحاته يقول ما يشاء»!، بل إن دكتور ياسر على المتحدث باسم رئاسة الجمهورية التى يرأسها من كان يوماً رئيساً للحزب قد كرر القول بأن تصريحات العريان «آراء شخصية خاصة به».
•••
تحتاج أفكار العريان التى تضمنتها دعوته مناقشة موضوعية بعد الهجوم السياسى عليها، ذلك أنه كرر فى تلك التصريحات مقولة راجت يوماً فى مجال الحديث عن حل الصراع العربى ــ الإسرائيلى، بمعنى أنه لو غادر كافة يهود البلاد العربية إسرائيل لقوض ذلك أركانها، لما سوف تفقده من قاعدة بشرية ضخمة تساهم فى بناء قوة الدولة بشكل أو بآخر، لكن الأمور ليست بهذه البساطة، والخوض فيها يتطلب رؤية استراتيجية ثاقبة من الواضح أنها غائبة عن العريان. ولنبدأ بالأساس التاريخى لدعوة العريان الذى تحدث عن «طرد» عبدالناصر لليهود، وقد لا يعرف العريان أن ظاهرة هجرة اليهود المصريين إلى فلسطين بدأت مع المشروع الصهيونى لاستيطان أرضها وصولاً إلى إقامة دولة يهودية، وإن كانت وتيرة هذه الهجرة قد زادت بطبيعة الحال بظهور حكم وطنى فى مصر اعتباراً من ثورة يوليو1952، وهو الحكم الذى كشف عن مؤامرة يهودية لمهاجمة المصالح الأمريكية فى مصر (فضيحة لافون) سعياً إلى تقويض العلاقات المصرية ــ الأمريكية التى كانت لم تدخل مرحلة الصراع بعد، ثم بلغ الأمر قمته بالعدوان الإسرائيلى على مصر فى 1956 الذى أفسد على اليهود حياتهم فيها بعد أن بدأ الشعب المصرى ينظر إليهم لا باعتبارهم يهوداً فحسب، وإنما بالريبة من أن يكون أى منهم عيناً لدولته الأم أو مثله الأعلى على مصر وأمنها، ومن هنا فإن الخروج الكبير لليهود من مصر بعد عدوان 1956 كان أساساً بفعل السياسة الإسرائيلية وليس عبد الناصر.
•••
أما بالنسبة لتبرير دعوته بأنها تفسح المجال لعيش الفلسطينيين فى أرضهم فهو مثال على غياب الرؤية الاستراتيجية. يلاحظ أولاً أنه لم يُشِر إلى «حق العودة» الذى يؤسس للفلسطينيين حقوقاً لا تشملها بالضرورة كلمة «العيش» التى استخدمها. بالإضافة إلى ذلك فإنه من المعروف أن إسرائيل قد عانت دوماً من مشكلة القلة السكانية فى البحر العربى، وبعيداً عن أنها هى التى شردت الشعب الفلسطينى فى شتى بقاع الأرض فإنها مازالت تعيش فى كابوس الخوف من «القنبلة السكانية» الفلسطينية، فالنمو السكانى الفلسطينى الطبيعى تبلغ معدلاته أضعاف مثيلاتها اليهودية فى إسرائيل. فى هذه الظروف يريدنا العريان أن نصدق أن إسرائيل ــ ذلك الكيان العدوانى الشرس ــ يمكن أن تتخلى ببساطة عن سكانها من اليهود العرب، وتُحِل فلسطينيين محلهم، فتكتب بيدها طائعة الصفحة الأخيرة فى تاريخها البشع.
•••
يتحدث العريان فى دعوته بعد ذلك عن استرداد اليهود أملاكهم فى مصر بما يفتح الباب دون قيود لحديث التعويضات، وكان الأجدر به أن يتذكر حق مصر فى تعويضات هائلة عن استغلال إسرائيل بترول سيناء طيلة سنوات احتلالها بعد عدوان1967، وعن تدميرها مدن القناة وعديداً من المنشآت المصرية الحيوية، وألا ينسى حق مصر فى التعويض عن شهداء مصنع أبى زعبل من العمال وعن الأطفال الأبرياء الذين استشهدوا فى غارة إسرائيل على مدرسة بحر البقر، وكيف يا تُرى سوف تدفع مصر هذه التعويضات فى وقت يبدو فيه أنها لا تجد ما تنفقه سوى ما يأتيها من مصادر خارجية سواء كانت مساعدات أو قروضاً أو تحويلات المصريين فى الخارج أو رسوم عبور قناة السويس أو السياحة التى كادت أن تلقى حتفها. ثم إن البعد الأمنى والاجتماعى قد غاب عن دعوة العريان، فهل تحتمل مصر أمنياً عودة مئات الآلاف من اليهود الذين ظلوا هم وأولادهم مواطنين إسرائيليين ما يزيد على نصف القرن؟ وهل تحتمل اجتماعياً إقامة هؤلاء وسط عشرات الملايين من المصريين الذين يكاد أن يكون كل فرد فيهم صاحب ثأر شخصى مع إسرائيل لاستشهاد قريب أو جار أو صديق بسبب أعمالها العدوانية على مر العقود؟
•••
وأخيراً وليس آخر: ألم يحن الوقت بعد للتخلى عن هذه الفكرة المستفزة التى تذهب إلى أن المسئول ــ ناهيك عن أنه مسئول كبير ــ يتحدث بصفة شخصية؟ فمن أين لنا أن نعرف سياسة «حزب الحرية والعدالة» إن لم نعرفها من نائب رئيسه؟ بل من أين لنا أن نعرف سياسة الدولة إن لم نعرفها من شخص ظل إلى وقت قريب مستشاراً لرئيسها؟ لقد كان «للإخوان المسلمين» تاريخهم الناصع فى الصراع العربى ــ الإسرائيلى من خلال مبادرتهم بالمشاركة فى المحاولة العربية الأولى لوأد الكيان الصهيونى عام 1948، ويبقى البطل الشهيد أحمد عبدالعزيز ورفاقه شاهداً على هذا التاريخ، فهل بلغ الاستخفاف «بالإخوان المسلمين» الحد الذى يضيعون فيه ما هو مشرف فى تاريخهم فى وقت احتياج ملح إلى التفاف المصريين حولهم حتى يكونوا جديرين بحكم هذا الوطن العزيز؟
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة ومدير معهد البحوث والدراسات العربية