مصر والعرب: حوار حول المستقبل - أحمد يوسف أحمد - بوابة الشروق
السبت 5 أبريل 2025 1:01 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع نجاح اتفاق الهدنة في غزة؟

مصر والعرب: حوار حول المستقبل

نشر فى : الأربعاء 10 فبراير 2010 - 8:02 م | آخر تحديث : الأربعاء 10 فبراير 2010 - 8:02 م

 كتبت فى الأسبوع الماضى عن حلقة نقاشية ذات طبيعة أكاديمية طُلب منى الحديث فيها عن مستقبل العلاقات المصرية ــ العربية. كانت خلاصة حديثى أن هذه العلاقات بالغة الأهمية لمصر من منظور «مصلحى» قبل أن يكون منظورا «أيديولوجيا»، وأن هذا المنظور المصلحى ربما يكون النهج الوحيد للوصول إلى «كلمة سواء» حول الموضوع، وأن الوضع الأمثل لمصر كى تحقق مصالحها هذه هو أن تلعب دورا قياديا فى النظام العربى ليسهل عليها ضمان سير التفاعلات فيه على النحو الذى يحقق هذه المصالح فى إطار من المصالح المتبادلة..

غير أن هذا الدور تعرض لتراجع نسبى اعتبارا من هزيمة 1967، واحتياج مصر إلى مساعدات مالية عربية لتجاوزها، وبروز مراكز قوة عربية جديدة فى أعقاب طفرة أسعار النفط التى تواكبت مع حرب أكتوبر 1973، وتغير المشروع العربى لمصر اعتبارا من النصف الثانى من سبعينيات القرن الماضى من التحرر إلى التسوية ــ التى لا توجد مفاتيحها العربية بيد مصر ــ والدور التخريبى الذى تلعبه قطاعات واسعة من النخب السياسية والإعلامية والرأى العام فى علاقات مصر العربية إبان الأزمات بصفة خاصة، وزيادة الاختراق العالمى والإقليمى ــ وبالذات الإيرانى والتركى ــ للنظام العربى..

بل لقد حذرت من خطورة بروز نظام إقليمى جديد تتمثل أركانه حتى الآن فى هاتين الدولتين، بالإضافة إلى سوريا سوف يكون مردوده سلبيا على الدور المصرى.. وانتهيت إلى أن مستقبل قدرة مصر على توجيه علاقاتها العربية بما يخدم مصالحها قد لا يكون مشرقا على المدى القصير.

دار حوار كما أشرت حول هذا الطرح الذى أيده بعض المشاركين واختلف معه آخرون، وقدم فريق ثالث إضافات مهمة لما قلت، وأثار الجميع قضايا لا شك فى أهميتها فى أى حوار إستراتيجى حول مستقبل العلاقات المصرية ــ العربية.

فى جوانب الخلاف، ذكر أننى تحدثت عن «الدور المصرى» وليس «العلاقات المصرية ــ العربية»، وهو ما يذكرنى بطريقة مناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه، وكنت أتصور أن طرحى كان واضحا فى أنه لا علاقات مفيدة لمصر بمحيطها العربى ما لم يكن دورها فى هذا المحيط مؤثرا، وهو ما يبرر التركيز على دور مصر وما طرأ عليه من تحولات.. لكن الأهم قد يكون ما ذكر عن طبيعة الدور القيادى العربى لمصر قبل 1967، فقد وصف هذا الدور بأنه قدرة على «تحريك الناس فى الشوارع»، وما أحسب أننى سمعت ظلما لحق بهذا الدور كما فى هذه الكلمات، فهى تختزل إعلاء قيمة الاستقلال الوطنى والوعى القومى والتحرر من الاستعمار الأوروبى، وتحقيق درجة من درجات العدالة الاجتماعية وغير ذلك فى «تحريك الناس فى الشوارع»، فضلا عن أن «الناس» لم يكونوا يتحركون فى الشوارع،

وإنما كانت الجماهير العربية تمنع حكامها من الانضمام لحلف بغداد فى 1955وتدعم مصر فى عدوان السويس 1956بأفعال مؤثرة منها تخريب المنشآت البترولية ذات الصلة بمصالح المعتدين، وتجبر الإدارة الأمريكية من خلال المقاطعة الشاملة من قبل العمال العرب للسفن الأمريكية على إنهاء أزمة الباخرة المصرية كليوباترا فى ميناء نيويورك فى 1960، بما يحقق الكرامة المصرية والعربية.

يتصل بما سبق القول بأن الدور المصرى قبل 1967 كانت تكلفته رهيبة وهى هزيمة 1967، ولذلك فلابد من مراجعة المفهوم أصلا. إن هزيمة محمد على فى القرن التاسع عشر بعد أن اتسع دوره إلى حد يهدد مصالح القوى الكبرى لم تؤد إلى مراجعة المفهوم، وهو يوصف الآن من الجميع بأنه مؤسس مصر الحديثة، وثمة علاقة طردية واضحة بين قوة مصر ودورها الخارجى عبر التاريخ، ناهيك عن أن هزيمة 1967لم تكن لها علاقة أصلا بالدور المصرى، فالعلاقة موجودة بين دوافع العدوان الإسرائيلى الذى وقع فى تلك السنة وبين تمدد الدور المصرى عربيا،

أما الهزيمة فكنت أتصور أن ثمة اتفاقا على أنها تعود بالأساس إلى عوامل داخلية تضرب بجذورها فى بنية النظام المصرى آنذاك، وإلا ما كان الأداء العسكرى المصرى قد حقق طفرة بعدها سواء فى حرب الاستنزاف أو حرب أكتوبر عندما استقامت العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية..

والحق أن التلميح إلى أن دور المصرى العربى الفاعل لا يجلب إلا الهزائم لمصر دعوة إلى الانكفاء على الداخل، وترك مساحات من الفراغ فى المحيط العربى تتكالب عليها قوى إقليمية وعالمية نجح بعضها بالفعل على نحو يمثل تهديدا حقيقيا لأمن مصر.

لم يسلم نهج المصلحة الوطنية كمدخل لعلاقات مصر العربية من النقد أيضا، وقيل صراحة فى هذا الصدد: إن تحويلات المصريين من الولايات المتحدة تفوق تحويلاتهم من الدول العربية، وهو قول مذهل، ولنأخذ أرقام البنك المركزى المصرى فى تقريره السنوى عن عام2008/ 2009، والتى تشير إلى أن تحويلات المصريين العاملين فى ثلاث دول عربية فقط هى الكويت والإمارات والسعودية تتجاوز نصف إجمالى التحويلات بقليل (50.6%) فيما تبلغ نسبة التحويلات من الولايات المتحدة (29.1%)،

ووفقا لأرقام الربع الأول من عام 2009/2010 فإنه من الصحيح أن مبلغ التحويلات من الولايات المتحدة هو المبلغ الأول بين الدول(621 مليون دولار)، لكن التحويلات من هذه الدول العربية الثلاث نفسها تفوق هذا المبلغ بكثير (827.3 مليون دولار)، وهو مبلغ يصل إلى 894.6 مليون دولار إذا أضفنا كلا من قطر والبحرين وعمان، ويلاحظ أن ليبيا غير واردة فى هذه الحسابات، كما يلاحظ أن التحويلات من دولة عربية واحدة هى الكويت وقيمتها وفقا لأرقام الربع الأول من عام 2009/2010 تبلغ 411 مليون دولار تساوى تقريبا ثلثى التحويلات من الولايات المتحدة.

القول بأن تحويلات المصريين من الولايات المتحدة تفوق مثيلاتها من الدول العربية إذن ليس صحيحا. يضاف إلى هذا بعد سياسى يتمثل فى أنه بينما تبدو حساسية التحويلات من الولايات المتحدة للتغيرات السياسية ضعيفة فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة لتحويلات المصريين من الدول العربية.. ولنتذكر مثلا كيف تأثرت تحويلات المصريين فى العراق بعد احتلاله فى 2003،

بل كيف انتهى وجود العمالة المصرية أصلا هناك، ولنتصور مثلا لا قدر الله سيناريو تهيمن فيه إيران على دول الخليج العربية بشكل أو بآخر، وانعكاسات هذا السيناريو على إحلال عمالة إيرانية محل العمالة المصرية.. وهكذا، ولولا اعتبارات المساحة لواصلنا النقاش حول أمور أخرى كالاستثمارات والسياحة.. من هنا فإن الأساس المصلحى لعلاقات مصر العربية يبقى صحيحا.

أما فيما يتعلق بالمشروع العربى لمصر وتركيزه المفرط على التسوية التى لا توجد مفاتيحها العربية بأيدينا فقد فوجئت بحديث عن «إنجازات» للتسوية، وعلى الصعيد المصرى لا شك فى ذلك، مع ضرورة أن نتذكر دائما أن التسوية المصرية ــ بغض النظر عن مدى اتفاقنا أو اختلافنا معها ــ لم تكن ممكنة دون حربى الاستنزاف وأكتوبر، وأن إسرائيل صاحبة مصلحة فيها لأنها حققت من خلالها تغييرا نوعيا لصالحها فى ميزان القوى العربى ــ الإسرائيلى، طالما أن مصر قد خرجت بمعاهدة السلام معها من ساحة الصراع العسكرية.

من ناحية أخرى، فإن إنجازات التسوية على الصعيد العربى إما أنها «لفظية» كصيغة فاس التى «بقيت على الطاولة» عشرين عاما من 1982 إلى 2002 دون أن يقربها أحد، والمبادرة العربية «الموجودة على الطاولة» منذ2002 دون أن يمسسها أحد، وإما أنها قد انتكست إلى نقطة الصفر أو ما دونه كتسوية أوسلو، وإما أنها لم تكتمل كالتسوية السورية ــ الإسرائيلية. ولمن يخافون الحروب أقول إن ثمة وسائل أخرى لإدارة الصراع غير الحرب، وأنه حتى بالنسبة للأداة الدبلوماسية فإن ممارسة العرب لها تكشف إما عن عدم فهم للواقع ولبدائل العمل الدبلوماسى، وإما عن قيود هائلة تلجم تحركهم الدبلوماسى.

فى المتغير الشعبى والإعلامى جرى التركيز بحق على ضرورة إدارة علاقات مصر العربية بنهج مؤسسى، وكذلك على تراجع الدور الثقافى لمصر، وأن هذا التراجع لو لم يحدث لوقى مصر شر أزمات كثيرة تعرضت لها علاقاتها العربية وآخرها أزمة العلاقات مع الجزائر، كما لُفت إلى أهمية الدور الثقافى فى علاقات مصر العربية، وإلى أن هذا الدور لم يتراجع فحسب فى مجالات إستراتيجية كمجال التعليم..

وإنما امتد إلى الأفلام والأغانى المصرية التى تدهورت، وإلى الدراما التليفزيونية التى حققت دول عربية أخرى فيها سبقا واضحا، بل إن الاختراق الإقليمى قد امتد إلى هذا المجال كما يشى بذلك الانتشار الواسع للمسلسلات التليفزيونية التركية المدبلجة.

أما الاختراق العالمى والإقليمى للنظام العربى فلم تذكر بشأنه كلمة واحدة عن الاختراق الأمريكى، لكن التركيز جرى على كل من إيران وتركيا وسوريا، وعلى احتمالات بروز نظام إقليمى جديد وفقا لما كنت قد أشرت إليه، وقيل فى هذا الصدد ما يعنى أن ثمة مبالغة واضحة فى هذا الطرح، فالنظام الإيرانى يعانى من مصاعب داخلية، وتركيا تتبع فى سياستها الحالية رؤية وزير خارجيتها داود أوغلو (فى تلميح إلى أن السياسة قد تتغير بابتعاده عن الساحة السياسية أو حدوث تغيير فى تركيبة الحكم فى تركيا)، وسوريا دولة لا تستطيع أن تشارك فى قيادة نظام، والتحالفات داخل هذا النظام عموما مازالت«عائمة»، وأنه قد يكون من الأفضل الحديث عن «صراع إقليمى»، وليس عن «نظام إقليمى».

وقد يكون بعض هذا أو حتى كله صحيحا، لكن الأمر الذى لن يستطيع أحد أن يغفله أن هناك صعودا ظاهرا فى الدورين الإيرانى والتركى فى النظام العربى، وأتمنى أن يكون ثمة اتفاق على أن «إستراتيجية الانتظار» حتى ينهار النظام الإيرانى من داخله وتتغير التوجهات التركية، ويثبت العجز السورى هى إستراتيجية كارثية، لأنها لا تضمن فى حد ذاتها فعالية لدور مصر الإقليمى والعربى.

غير أن ما لفت نظرى بحق هو الإمعان فى الاستخفاف بسوريا والتقليل من شأنها، إذ يكفيها لدى هؤلاء أن أراضيها ما زالت محتلة، وأنها لا تطلق طلقة واحدة تجاه إسرائيل، بل إنها تُضرب من القوات الأمريكية فى العراق وكذلك من القوات الإسرائيلية دون رد، وأنها لا تستطيع الدخول فى نظام إقليمى ناهيك عن المشاركة فى قيادته، وكان كل ما قلته بخصوص سوريا إنها استطاعت أن تتوازن بعد الهجمة القوية التى تعرضت لها فى أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريرى فى 2005، فأعادت نفوذها فى لبنان إلى ما كان عليه، ورممت شبكة علاقاتها العربية (بعلاقات موصولة مع السعودية)، والإقليمية (بعلاقات متميزة مع تركيا)، والعالمية (بانفتاح أمريكى وأوروبى حقيقى عليها).

فهل كانت مصر شيئا غير مذكور عندما كانت أراضيها محتلة من1967إلى1973؟ ولماذا نتعامل إذن مع العراق ونحاول تعزيز علاقتنا به على الرغم من احتلاله الآن؟ أليس من حق سوريا أن تتبع ما تراه مناسبا لها فى إستراتيجية تحرير أرضها إذا لم تكن واثقة من أن شن حرب على إسرائيل سوف يأتى لها بنتائج مضمونة؟

أقول الحق إننى بدأت حديثى فى تلك الحلقة النقاشية متصورا أن الوصول إلى «كلمة سواء» داخل عينة ممثلة بحق للنخبة الأكاديمية والسياسية المصرية ممكن، لكننى انتهيت منها مكتئبا، لأننى حسبت أن لغة المصالح قادرة على توحيد الكلمة، فإذا بالأحكام الأيديولوجية المسبقة تقوض هذه اللغة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

أحمد يوسف أحمد أستاذ العلوم السياسية بكلية الإقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وعميد معهد الدراسات العربية